المضاربة بالنقود وصرف العملات

السؤال

أعمل في منظمة تتعامل (تشتري وتبيع) العملات الأجنبية.  أي, نقوم بالتحويل (البرقي؟) أو نتعامل بالدولارات والجنيهات الاسترلينية وما شابهها نقدا.  ونحن نضارب تثبيتا للأسعار مقابل عملة بلادي.  وهذا هو العمل الذي أعيش منه.

أرجو أن توضح لي حكم الإسلام (الشرعي) حول هذا.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا بد أن نعلم  معنى المضاربة قبل الجواب على السؤال، لأن السائل أورد في سؤاله هذه اللفظة، فنقول:

المضاربة: مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو السفر للتجارة، قال الله تبارك وتعالى:{ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } [ المزمل / 20 ].

وتسمَّى: قراضًا، وهو مشتق من القرض، وهو القطع؛ لأن المالك قطع قطعة من ماله ليتجر به وقطعة من ربحه.

وتسمَّى: معاملة.

والمقصود بها هنا: عقد بين طرفين على أن يدفع أحدهما نقدًا إلى الآخر ليتَّجر فيه على أن يكون الربح بينهما حسب ما يتفقان عليه.

وأما حكمها: فهي جائزة بالإجماع.

قال ابن حزم رحمه الله:

كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب أو السنة، حاشا القراض فما وجدنا له أصلا فيهما البتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي نقطع به أنه كان في عصره  صلى الله عليه وسلم  فعلِم به وأقره ولولا ذلك لما جاز. ” مراتب الإجماع ” ( ص 91 ).

وأما الحكمة من تشريعها:

فقد شرعها الإسلام وأباحها تيسيرًا على الناس، فقد يكون بعض منهم مالكًا للمال، ولكنه غير قادر على استثماره وقد يكون هناك من لا يملك المال لكنه يملك القدرة على استثماره، فأجاز الشارع هذه المعاملة لينتفع كل واحد منهما، فربُّ المال ينتفع بخبرة المضارب والمضارب ينتفع بالمال، وقد وضع العلماء لها بعض الشروط:

  1. أن يكون رأس المال نقدًا.
  2. أن يكون معلومًا؛ كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه الربح الذي يوزع بينهما حسب الاتفاق.
  3. أن يكون الربح بين العامل وصاحب رأس المال معلومًا بالنسبة كالنصف والثلث والربع.

فهذه بعض الشروط التي وضعها العلماء للمضاربة.

ثانيًا:

وبالنسبة للسؤال عن حكم الصرف بالعملات المختلفة، فنقول:

حكمها الجواز، وبذلك يفتي عامة العلماء المعاصرين، وجميع المجامع الفقهية:

  1. سئل فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله:

هل يجوز للمسلم أن يشتري دولارات أو غيرها بثمن رخيص وبعد ارتفاع سعرها يبيعها؟

فأجاب:

لا حرج في ذلك، إذا اشترى دولارات أو أي عملة أخرى وحفظها عنده ثم باعها بعد ذلك إذا ارتفع سعرها، فلا بأس، لكن يشتريها يدًا بيدٍ لا نسيئة، يشتري دولارات بريالات سعودية أو بدنانير عراقية يدًا بيدٍ، العملة لا بد أن تكون يدا بيد مثل الذهب مع الفضة يدا بيد.

  1. وسئل فضيلة الشيخ ابن جبرين حفظه الله بمثل السؤال المتقدم؟

فأجاب:

لا بأس في التجارة في العملة، وهو بيع نقدٍ بنقدٍ، ولكن بشرط التقابض قبل التفرق سواءً سلَّم العين واستلم ما يقوم مقامها من الشيكات المصدقة الموثقة، وسواء كان المتصارفان مالكيْن أو وكيليْن؛ فإن كان العرف ليس على هذه الصفة فلا يجوز، وفاعله عاصٍ بفعله وناقص الإيمان ولا يخرجه ذلك إلى الكفر.

  1. وسئلت اللجنة الدائمة عن حكم بيع الدولار الأمريكي لأجل أن يكسب به، وما الذي يجب دفعه للبائع عند الأجل على تقدير أن البيع غير جائز، وماذا يترتب على مثل هذا التعامل بالنسبة للمتعاملين به؟

فأجابت:

الدولار الأمريكي يعتبر نقدًا فيجري في التعامل به ما يجري في التعامل بالنقود، وعلى ذلك لا يجوز بيعه بجنسه مع كسب إلى أجل لما في ذلك من الربا الفضل والنسيئة، ولا يجوز بغير جنسه من النقود لأجل لما فيه من الصرف المؤخر، وهو ربا النسأ، والعقد في الحالتين فاسد.

وأما أن يدفع إلى البائع فهو أصل المبلغ دون ما زاد عليه من الكسب لقوله تعالى:{ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } [ البقرة / 279 ].

ويستحقه فورًا لفساد العقد، وأما ما يترتب على هذا التعاقد فهو قبول توبة من ازدجر عن هذا المنكر بعد البيان وتاب إلى الله تعالى،  وتعزير ولاة الأمور بما يرونه زاجرًا له إن تمادى ولم يتب من ذنبه.  ” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 365 ) جمع الشيخ محمد المسند.

  1. وفي دورة المجمع الفقهي التاسعة المنعقد في ” أبو ظبي “: قرر في قرار رقم 84 ( 1 / 9):

أن العملات الورقية إذا قوبلت بالذهب تعتبر جنسا آخر،  وبالتالي أجاز المبادلة بالذهب مع العملات الورقية بالزيادة أو النقصان باعتبار أن العملات الورقية ليست من جنس الذهب بل هي جنس آخر ودلت الأحاديث على جواز المفاضلة إذا اختلفت الأصناف فأجازوا هذا النوع.

ثالثًا:

وبالنسبة لتحويل العملات من بلد إلى آخر:

نقول:

إن هذه المعاملة تتكون من صرف وتحويل، فعلى الراغب في تحويل عملة بلد إلى عملة بلد آخر أن يصرف ما معه من مال إلى العملة المُحوَّل إليها، ثم بعد ذلك يدفع هذه العملة إلى البنك أو مؤسسة التحويل لتحويلها بأجرة أو بغير أجرة.

أما إن كانت العملة واحدة بين البلدين فإنها تكون معاملةً واحدة، وهي ” الحوالة “، ولا مانع من إعطاء الأجرة لمحوِّل هذه العملة.

وكلما اجتنب المحوِّل البنوك الربوية في التحويل: كان أفضل بل قد أوجبه بعض العلماء.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

إذا دعت الضرورة إلى التحويل عن طريق البنوك الربوية: فلا حرج في ذلك إن شاء الله؛ لقول الله سبحانه { وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } [ الأنعام / 119 ] … فإن أمكن التحويل عن طريق البنوك الإسلامية، أو من طريق مباحة: لم يجز التحويل عن طريق البنوك الربوية … ” فتاوى البيوع ” ( ص 59 ) جمع أشرف عبد المقصود.

رابعًا:

وأما حكم العقود التي تجري بآلات الاتصال الحديثة وهل تكون بمثابة اليد باليد،  فقد قرر المجمع كما في قرار رقم 52 / ( 3 / 6 ):

إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة ولا يسمع كلامه وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة وينطبق على ذلك البرق والتلكس والهاتف والفاكس والحاسب الآلي ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.

إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد، وهما في مكانين  متباعدين وينطبق على ذلك الهاتف اللاسلكي فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقدًا بين حاضرين وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء.

إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجابًا محدَّد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة وليس له الرجوع عنه.

* والخلاصة:

أن عامة العلماء المعاصرين أجازوا التعامل  بالصرف في العملات الورقية ولكن بشرط أن يكون يدا بيد وأن يكون حالا غير نسيئة، وإذا أراد أن يحوِّل عملة إلى بلدٍ آخر فتكون حوالة يستوفي المحوِّل أجرة عليها، فإذا رغب المحوِّل أو اشترط البنك تسليم عملة أخرى، فتصبح المعاملة صرف وحوالة، فعليه أن يصرف العملة في بلده ثم يسلمهم إياها ليتم تحويلها بالعملة نفسها، وإذا استطاع المسلك تجنب التحويل عند البنوك والمؤسسات الربوية فهو أفضل، وعلى المسلم أن يجتهد  في اجتناب ما أمكنه من الشبهات في مثل هذه المعاملات ويتحرى قدر الوسع في اتباع الأحوط لدينه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة