أعطاه والده مالاً به حرام، فهل يتخلص منه؟

السؤال

إذا أعطاني شخص ما ماله الملوث بالربا وعدم دفع الزكاة فهل يجب أن أطهر المال قبل استعماله ؟ وهل يبقى الحال نفسه إذا كان هذا الشخص هو والدي فهل يجب التخلص من المال من خلال الصدقة ؟

الجواب

الحمد لله

– ينقسم المال الحرام إلى قسمين :

  1. المال المحرم لذاته .
  2. والمال المحرم لكسبه .

أما الأول : وهو المحرم لذاته : فهو ما أخذ من الغير بغير وجه حق إما بربا أو بالغصب أو بالسرقة ، أو كان محرما لعينه كالخمر والخنزير .

– ودخول هذا المال في ملك الآخذ لا يسوغ له التصرف فيه لأنه متعلق بذات صاحبه الأول .

وأما الثاني : وهو المحرم لكسبه أو بسببه : فهو المال الذي دخل في ملك صاحبه لكنه اكتسبه بصفة غير مشروعة ولم تتعلق به ذمة الغير ، وذلك مثل مال من يشتغل بالغناء أو ببيع الخمر أو ما شابههما .

* أما حكم الأول :

– فإنه لا يحل لآخذه التصرف فيه ، وعليه رده إلى صاحبه .

– وهذا الحكم سواء أكان الآخذ له عن طريق الهبة أو الميراث أو غيرهما .

– فإن جهل الآخذ صاحبَه بعينه : وجب عليه تطهير ماله منه بصرفه في طرق الخير والبر ، ولا يكون له فيه أجر الصدقة ، بل هو تخلص من الإثم وتطهير للمال من الحرام ، لكن لا يعدم فاعله من أجر وثواب على جهاد نفسه وامتثاله لأمر ربه .

– وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .

قال ابن رشد – الجد – :

وأما الميراث فلا يطيِّب المال الحرام ، هذا هو الصحيح الذي يوجبه النظر ، وقد روي عن بعض من تقدم أن الميراث يطيبه لوارثه وليس ذلك بصحيح . ” المقدمات الممهدات ” ( 2 / 617 ) .

وقال النووي :

من ورث مالاً ولم يعلم من أين اكتسبه مورِّثه أمن حلالٍ أو من حرام ، ولم تكن علامة : فهو حلال بإجماع العلماء .

فإن علم أن فيه حراماً وشكَّ في قدره : أخرج الحرام بالاجتهاد . ” المجموع ” ( 9 / 428 ) .

وقال شيخ الإسلام رحمه الله – وسئل عن مرابٍ خلَّف مالاً وولداً وهو يعلم بحاله ، فهل يكون حلالاً للولد بالميراث أو لا ؟ – :

أما القدْر الذي يعلم الولد أنه رباً : فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن ، وإلا يتصدق به ، والباقي : لا يحرم عليه .

لكن القدر المشتبه : يستحب له تركه إذا لم يجب صرفه في قضاء ديْن أو نفقة عيال … ” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 307 ).

ومن الأدلة الواضحة في المسألة :

عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي صلى اللهم عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً ، قال: ” أهرقها ” ، قال : أفلا أجعلها خلا ؟ قال : ” لا ” . رواه أبو داود ( 3190 ) وأحمد ( 11744 ) . وإسناده صحيح .

ومن الأدلة كذلك :

عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله صلى اللهم عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله صلى اللهم عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر أوسِع من قبَل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال : ” أجد لحم شاة أُخذت بغير إذن أهلها ” ، فأرسلت المرأة قالت يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها فقال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم ” أطعميه الأسارى ” . رواه أبو داود ( 2894 ) وأحمد ( 21471 ) .

 ( تنبيه ):

كلام الأئمة السابق يشمل النوعين من المال المحرم ، لكننا نرى أن التفصيل هو الصواب وأن المال المحرم لعينه هو الذي ينطبق عليه كلامهم السابق دون المال المحرم لكسبه .

* أما حكم الثاني :

فإنه يحل لصاحبه التصرف فيه ، وذلك أنه لا تتعلق به ملكية غيره ، ومن بذل ماله بسماع أغنية أو مشاهدة محرم : فلا يجمع له المعصية ورجوع ماله إليه .

– وسواء حصل له المال عن طريق الهبة أو الصدقة أو الميراث : فسواء في الحكم .

– وإن كان الأكمل والأفضل أن يطهر الإنسان ماله من هذا الصنف .

ومن الأدلة على جواز انتقال الملك للمال المحرم لكسبه :

عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى اللهم عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى رسول الله صلى اللهم عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت أردت لأقتلك قال ما كان الله ليسلطك على ذاك قال أو قال علي قال قالوا ألا نقتلها قال لا قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى اللهم عليه وسلم .

رواه البخاري  ( 2424 ) ومسلم ( 4060 ) .

– واللهوات : جمع لهاة وهي اللحمة المعلقة بأعلى الحنك .

والشاهد من هذا الحديث :

أن اليهود وصفهم الله تعالى بأكلهم الربا والسحت وأكل أموال الناس بالباطل ، ومالهم صار مخلوطا فيه الحلال بالحرام ، وقبِل النبي صلى الله عليه وسلم هديتهم وأكل من طعامهم .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

… وقال آخرون : ما كان محرما لكسبه ؛ فإنما إثمه على الكاسب لا على مَن أخذه بطريق مباح مِن الكاسب ، بخلاف ما كان محرَّماً لعينه كالخمر والمغصوب ونحوهما ، وهذا القول وجيه قوي ، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترى مِن يهودي طعاماً لأهله – رواه البخاري ( 1954 ) ومسلم ( 3007 ) – ، وأكل مِن الشاة التي أهدتها له اليهودية بخيبر ، وأجاب دعوة اليهودي – رواه أحمد ( 3/ 210 ) – .

ومِن المعلوم أن اليهود معظمهم يأخذون الربا ويأكلون السحت ، وربَّما يقوِّي هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تُصدِّق به على بريرة ” هو لها صدقة ولنا منها هدية ” – رواه البخاري ( 1398 ) ومسلم ( 2764 ) – .

” القول المفيد شرح كتاب التوحيد ” ( 3 / 138 ، 139 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة