هل يطيع مدرِّس التربية ومدرِّس الطيران مسئوليهم فينجِّحون من لا يستحق النجاح؟
السؤال
أنا مدرس في مجال الطيران – عسكري – ، وفي بعض الرحلات يكون الطالب الذي دربته في تلك الرحلة : يكون غير مستحق للنجاح في تلك الرحلة ، دون أدنى شك ، ثم يأمرني القائد المباشر لي بأن أنجحه في تلك الرحلة ، فهل يجوز لي أن أجيب أمر القائد ؟ وهل يخرج ذلك من ذمتي إلى ذمته ؟ علما بأنه قد يترتب عليَّ ضرر إن لم أجب أمر القائد المباشر لي – كنقل ، أو يكتب تقريراً سيئاً عني ، أو غير ذلك – .
الجواب
الحمد لله
– نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينك على أداء الأمانة، وأن يوفقك لما يحب ويرضى.
أولاً:
لا شك أن الإنسان مؤتمن على عمله ، ووظيفته ، ولا يحل له أن يتهاون ، أو يحابي أحداً في عمله ، وما أؤتمن عليه , قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) المؤمنون/ 8 .
قال ابن كثير – رحمه الله – :
أي : إذا اؤتمنوا لم يخونوا ، بل يؤدونها إلى أهلها ، وإذا عاهدوا ، أو عاقدوا : أوفوا بذلك . ” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 463 ) .
والموظف قد تعاقد مع أرباب وظيفته بأداء الأمانة التي وكلت إليه ، فيجب عليه الوفاء بالعهد ، وإتمام العقد على أكمل وجهه ، وإلا أثم ، وكان راتبه سحتاً ، بقدر غشِّه وخيانته .
ويتعين هذا الوفاء ، ويتحتم ذلك الصدق في الوظيفة : إذا كان العمل في اختبار الناس ، سواء اختبار الطبيب في علاجه ، أو اختبار قائد السيارة في قيادته ، أو اختبار الطيار الحربي ، أو اختبار الشيخ في الإفتاء ، وغير ذلك ، مما يتعلق مصير الناس ، ودينهم ، وحياتهم ، وأبدانهم ، بتلك الاختبارات ، فالقول بجواز الواسطة في تلك الاختبارات ، وتنجيح من لا يستحق النجاح من أولئك : يترتب عليه مفاسد لا يحصيها إلا الله ، وإنما يبوء ذلك المختبِر بتلك الآثام ، ويشترك مع المباشر في الإفساد فيها : إذا خان الأمانة ، ونقض العهد ، وأعطى من لا يستحق ما لا يستحق .
ثانياً:
وقد تبنَّت بعض الحكومات اليوم تنجيح الطلاب في المراحل الدراسية الأولى حتى لو لم يكونوا مستحقين للنجاح ، وهذه سياسة دولة ، لا يمكن للمدرس تجاوزها ، ولا يعد مخالفاً لو أنه كتب النجاح لمن لا يستحقه ، والحكمة من ذلك القرار – كما يزعمون – أنهم لا يريدون للألوف من الطلاب أن يتأهلوا جميعاً للدراسة الجامعية ، فيريدونهم أن يقفوا عند المرحلة الأخيرة ، فلا يستطيعون تجاوزها ؛ لما سبق من حياتهم من عدم فهم المواد الدراسية على وجهها ، ومن ثَم فينتقل أولئك الطلاب للعمل المهني ، والميداني ، ونأسف أن تضيع أعمار أولئك الطلاب على مقاعد الدراسة لتلك السنوات الطويلة ، ولو أنهم استثمروها – حقيقة – في العمل المهني ، والميداني ، في أول أعمارهم : لوفروا ضياع تلك السنوات ، ولاكتسبوا خبرة واسعة ، وأما في حال تلك السياسة : فعندما يصل أحدهم إلى المرحلة الأخيرة من الدراسة : فسيبدأ حياته المنهية من الصفر ! .
ولكن ما نحن بصدد الإجابة عنه ليس هو كحال مدرِّس الطلاب في وزارة التربية ، وحصول الطالب على شهادة ابتدائية ، أو متوسطة : ليس كحصول طيار حربي – أو مدني – على رخصة قيادة طائرة ! إذ المعلوم أن من يحصل على شهادة ابتدائية أو متوسطة ففي الغالب أنه لا يستطيع كتابة اسمه ، وليس ثمة من يزيد من راتبه على شهادته تلك إلا في النادر ، ثم إذا عُلم أن الشهادة صادرة من دولة تعتمد ” سياسة التنجيح ” : فلن تكون تلك الشهادة مصدر ثقة عند أحد من أرباب الوظائف .
وعلى كل حال :
فإننا نشد على يد مدرّس الطيران أن لا ينجِّح أحداً لا يستحق النجاح من الطيارين ، ويمكن التغاضي عن الأخطاء اليسيرة التي يمكن تداركها مستقبلاً ، لكن إذا كان النظام في تلك الدائرة الوظيفية يجعل ذلك الطالب غير مستحق للنجاح بسب أخطائه : فلا ينبغي للمدرب مخالفة ذلك وينجحه ، وإذا أراد الضابط الأعلى رتبة أن يكتب له النجاح فليفعل هو ، لا المدرس ، فيكون هو الخائن لوظيفته ، وأمانته ، ويكون آكلاً للسحت ، والحرام .
سئل علماء اللجنة الدائمة :
ما الحكم إذا نجَّح المدرسُ الطلابَ في القرآن الكريم ؛ بغرض عدم تعقيدهم من القرآن – كما يقول البعض – ؟ وما مدى صحة هذا الفعل ؟ .
فأجابوا :
لا يجوز الغش في تنجيح الطلاب في الامتحان في القرآن ، ولا غيره ، وفي القرآن أشد ؛ لأن المطلوب تعلم القرآن على الوجه الصحيح ، والتساهل في ذلك يحمل على إهمال تعلم القرآن الكريم .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 205 ).
وهكذا يقال لكل من يعمل في حقل الاختبارات ، أن عليه أن يتقي الله تعالى ربَّه ، وأن لا يفرِّط في الأمانة ، وليثق بالله تعالى ربه أنه سيجعل له فرَجاً ، ومخرجاً ، وأن ما قد يناله من تبكيت ، أو تعنيف ، ممن هو أعلى منه رتبة : أنه سيعود عليه بالنفع دنيا وأخرى ، وأنه سيلحق بذلك المبكِّت ، والمعنِّف : الخزي ، والعار ، قال تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) الطلاق/ 2 ، 3 ، وقال تعالى بعدها : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) الطلاق/ من الآية 4 .
ثالثاً:
فإن قال قائل إن المدرس المختبِر في حكم المكرَه ، وإنه يجوز له أن ينجِّح ذلك الطيار ؛ لما قد يترتب على مخالفة الضابط الأعلى منه رتبة أن ينقله لمكان بعيد ، أو يكتب فيه تقريراً سيئاً : فالجواب على هذا هو بمعرفة أن الإكراه نوعان : إكراه مُلجئ ، وآخر غير مُلجئ , وأن العذر بفعل ما لا يجوز إنما هو لأصحاب الإكراه الملجئ فقط .
مِن قواعد الشريعة : التجاوز عن المكره كما قال تعالى تعالى :{ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ }[ النحل :106] وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .
ابن ماجه (2045) وصححه ابن حبان في “صحيحه” (16|202)
قال ابن رجب في حد الإكراه : وهو نوعان أحدهما من لا اختيار له بالكلية ولا قدرة له على الامتناع كمن حمل كرها وأدخل إلى مكان حلف على الامتناع من دخوله أو حمل كرها وضرب به غيره حتى مات ذلك الغير ولا قدرة له على الامتناع أو أضجعت ثم زني بها من غير قدرة لها على الامتناع فهذا لا إثم عليه بالاتفاق ولا يترتب عليه حنث في يمينه عند جمهور العلماء … .
والنوع الثاني: من أكره بضرب أو غيره حتى فعل هذا الفعل يتعلق به التكليف فإن أمكنه أن لا يفعل فهو مختار للفعل ليس غرضه نفس الفعل بل دفع الضرر عنه فهو مختار من وجه غير مختار من وجه آخر . “جامع العلوم والحكم” (376)
قال الدكتور محمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – وفقه الله – :
وقد قسَّم جمهور الأصوليين ، والفقهاء ، الإكراه إلى نوعين : إكراه ملجىء ، وهو الإكراه التام ، وإكراه غير ملجىء ، وهو الإكراه الناقص .
أ. الإكراه الملجىء ( التام ) :
وهو الذي يقع على نفس المكرَه : ولا يبقى للشخص معه قدرة ، ولا اختيار : كأن يُهدَّد الإنسان بقتله ، أو بقطع عضو من أعضائه ، كيدِهِ ، أو رِجله ، أو بضرب شديد يفضي إلى هلاكه ، أو بإتلاف جميع ماله ، فمتى غلب على ظنه أن ما هُدِّد به سيقع عليه : جاز له القيام بما دفع إليه بالتهديد ، باعتباره في حالة ضرورة شرعية .
ب. الإكراه غير الملجىء ( الناقص ) :
وهو التهديد ، أو الوعيد ، بما دون تلف النفس ، أو العضو ، كالتخويف بالضرب ، أو القيد ، أو الحبس ، أو إتلاف بعض المال ، وهذا النوع يفسد الرضا ، ولكنه لا يفسد الاختيار ؛ لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه ؛ لتمكنه من الصبر على ما هُدد به . ” نواقض الإيمان الاعتقادية ” ( ص 205 ، 206 ) .
فالإكراه الملجىء هو الذي يعذر فيه الإنسان , وأما الآخر : فلا ، وعلى ذلك : فخوفك من المسئول أن يعمل على الإضرار بك – كنقلك ، أو كتابة تقرير سيء فيك – إن خالفت أمره في ترسيب الطالب : لا يعتبر من الإكراه الذي يُعذر الإنسان به ، فلا يعتبر من الإكراه الملجيء , فتكون شريكا في الإثم على تقصيرك بواجب عملك , وخصوصا أن هذه المهنة من المهن الخطيرة التي يتعلق بها حياة أشخاص .
فالنصيحة أن تأخذ بالعزيمة , وأن تؤدي عملك حسب ما يرضي الرب سبحانه ، ثم وفق معايير العمل المفروضة , ولا تخف من هذا المسئول , والجأ إلى الله تعالى بالدعاء أن يصرف عنك شره , ولك أن ترفع أمره إلى من هو أعلى منه رتبة ، والله هو معينك ، ونصرك ، ومؤيدك ، ومثيبك .
والله أعلم.


