هل يفسخ البيع بعد موت المشتري؟ وهل يجوز تحصيل الحق بطرق غير مشروعة؟
السؤال
كان والدي عليه رحمة الله قد اشترى من جدتي – أي : من والدته – قطعة أرض مساحتها 194 متراً ، كانت ورثتها من جدي – أي : من زوجها والد والدي – ، واتفق الاثنان على أن يدفع والدي لها كل شهر 150 جنيهاً عن مبلغ وقدرة 15 ألف جنيه , وفعل الاثنان عقد بيع وشراء بذلك , ومضت – أي : بصمت – عليه جدتي ، وأثناء الشراء مات والدي ، وقد دفع لها 3400 جنيهاً , وبعد وفاته : رجعت جدتي عن البيعة ، وألغت البيعة ، ثم بعد فترة توفيت جدتي ، فأصبحت هذه القطعة ميراثاً لباقي أولادها – ولدين ، وبنتين – مع العلم أنهم مسعورون على الجنيه , وقالوا : إني أنا وأختي لا نرث من جدتنا , وهذا قول الشرع , وأيضاً : طلبوا منِّي السدس ، مع العلم أن نصيب والدي من أبيه مساحة قدرها 380 متراً ، ورثها والدي بعد موت جدي ، فقالوا : هذا نصيبكم ، أما المساحة التي تورثها جدتكم أنتم ليس لكم حق فيها 194 متر , وعندما سألت في ذلك أننا نرث بالوصية الواجبة عن طريق القانون , ولكن الشرع لا يعترف بذلك .
فسؤالي يا شيخى الحبيب :
هل لجدتي حق الرجوع عن البيعة مع تقطيع العقد , وأيضاً : لو كان ليس لها الحق : فهل لو أخذت نصيبي في تركة جدتي بالقانون عن طريق الوصية الواجبة، على افتراض جزء من حقي الذي ضاع في 194 متر، فهل هذا يكون مالاً حراماً أم لا؟.
أفيدوني , أعزكم الله .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله أن يرحم والدك ، وجدتك ، وليت الناس يتعظون بالموت ، الذي كتبه الله تعالى على كل نفس ، وسيلقى كل ميت ربَّه بعمله ، فليزدد العاقل من عمل الخير ، قبل أن تأتي تلك اللحظة التي تُنزع فيه الروح ، فلا ينفع بعدها ندم ، ولا ملامة .
ثانياً:
الصحيح من أقوال العلماء أن عقد البيع لا ينفسخ بالموت .
ففي الموسوعة الفقهية ( 7 / 30 ) :
لا يؤثّر الموت في انفساخ جميع العقود على حدٍّ سواءٍ ، فبعض العقود يتمّ الغرض منها بعد الإيجاب والقبول فوراً ، فلا يحتاج إلى العاقدين وأهليّتهما بعد انعقادها ، كالبيع الّذي يفيد تملّك المشتري المبيع ، وتملّك البائع الثّمن فور إنشائه إن لم يكن مقروناً بالخيار ، فإذا مات أحد العاقدين ، أو كلاهما بعد إتمام العقد ، وانتقال ملكيّة البدلين : لا ينفسخ العقد … .
– وهذا ممّا اتّفق الفقهاء عليه . انتهى.
فعلى ذلك ما فعلته جدتكم من فسخ عقد بيع الأرض : تصرف باطل ، وخاصة أنكم قد تكفلتم بسداد باقي ثمن الأرض .
وعلى ورثتها أن يتقوا الله تعالى ، وأن يتموا العقد الذي كانت قد عقدته والدتهم مع والدكم ، وإنما يرثون من ذلك : باقي ثمن الأرض ، فيقسمونه بينهم على حسب الحصص الشرعية التي لهم .
ثالثاً:
ما يسمَّى بـ ” الوصية الواجبة : لا أصل لها في الشرع ؛ وهي مخالفة لاتفاق الفقهاء في أن الأحفاد لا يرثون من جدهم في حالة وفاة والدهم في حياة جدهم .
رابعاً:
وقد اختلف العلماء في مسألة تحصيل الحق الضائع ؛ بغير الطريق المشروع ، والذي نراه : أنه يجوز للمظلوم تحصيل حقه ولو بغير طريق مشروع ، لكن ذلك الجواز مشروط بشروط ، هي :
- أن لا يكون الطرف الآخر معترفاً بالحق ، وأنه يجد ما يوفي به الحق الذي عليه ، ويمتنع من أدائه ، فإن كان مقرّاً بالحق ، باذلاً له: لم يجز الاستيلاء على شيء من ماله.
قال ابن قدامة – رحمه الله – :
إذا كان لرجل على غيره حقٌّ ، وهو مقر به ، باذل له : لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه ، بلا خلاف بين أهل العلم .
فإن أخذ من ماله شيئاً بغير إذنه : لزمه ردُّه إليه ، وإن كان قدْر حقه ؛ لأنه لا يجوز أن يملِك عليه عيناً من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة ، وإن كانت من جنس حقه ؛ لأنه قد يكون للإنسان غرض في العين . ” المغني ” ( 12 / 229 ) .
- أن يكون عاجزاً عن استيفاء حقه عن طريق القضاء ، أو السلطان .
قال ابن قدامة – رحمه الله – : وإن كان مانعاً له بغير حق ، وقدِر على استخلاصه بالحاكم ، أو السلطان : لم يجز له الأخذ أيضاً بغيره ؛ لأنه قدِر على استيفاء حقه بمن يقوم مقامه ، فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله . ” المغني ” ( 12 / 229 ) .
- أن يستوفي المظلوم عين حقه إن وجده عند الظالم ، وإلا تحرى قيمته ، دون أن يزيد على حقه شيئاً .
قال ابن قدامة – رحمه الله – :
وقال أبو الخطاب – الحنبلي – : ويتخرَّج لنا : جواز الأخذ ، فإن كان المقدور عليه من جنس حقه : بقدْره ، وإن كان من غير جنسه : تحرَّى ، واجتهد في تقويمه … .
وقال الشافعي : إن لم يقدِر على استخلاص حقِّه بعينه : فله أخذ قدر حقِّه ، من جنسه ، أو من غير جنسه . ” المغني ” ( 12 / 229 ) .
- أن يُرجع المظلومُ الحقَّ لصاحبه إن أداه مستقبلاً ، وأن يشطب اسمه في دفتر المدينين؛ لئلا يطالِب الورثة بالحق في مستقبل الأيام ، أو يؤديه هو ، وهو لا يدري أنه أُخذ منه .
- أن يستوفي المظلوم حقَّه على وجه يأمن فيه الفضيحة ، والعقوبة .
وليعلم المظلوم : أنه في حال أخذه حقه خفية عن أعين الناس : فإن عليه تحمل أثر ذلك في حال اعترافه لأحدٍ ، أو انكشاف أمره ؛ لأنه في حال هذه الحال يعد سارقاً في ظاهر الشرع ، وتطبَّق عليه أحكام السارق ، وخاصة مع فقدان البينة أنه يحصِّل حقَّه ، وإن كان بينه وبين ربه ليس سارقاً ، لكن العبرة بما يظهر من الحال .
خامساً:
وعليه : فيجوز لكم اللجوء لما في القانون من ” الوصية الواجبة ” لتحصيل حق الوالد من الأرض ، وإن كانت غير مشروعة .
والنصيحة لكم قبل ذلك :
أن توكلوا من أهل الدين ، والحكمة ، من أقاربكم ، أو بلدتكم ، ليتوسطوا إلى أعمامكم في مسألة حقكم من الأرض ، فإن تم تحصيل الحق : فبها ونعمت ، وإلا فلكم تحصيله بما يفرضه لكم القانون ، مع ضرورة إخبار الأقربين بذلك ، وأنكم لم تأخذوا هذا المال بالوصية الواجبة لأنها حق لكم في ميراث المتوفاة ، بل لأنكم حق لكم قبل ذلك ، مع ضرورة إخبار الطرف الآخر في قضيتكم : أن تحصيلكم لحقكم بالوصية تلك ليس برافع للإثم عنهم ، وأن عليهم التوبة ، ووضع الحق في نصابه ، فقد يكون ما تستوفونه من مال عن طريق الوصية لا يغطي كامل الحق الذي لكم .
والله أعلم.


