تشاجر وأصيب، فهل يتصدق ويطلب تعويض؟

السؤال

أنا رجل من إنجلترا وكنت في مشاجرة بالزجاجات تطلب جرحي 40 غرزة بين العين والأنف والحمد لله أن عيني لم تصب.

  • هل يجب أن أدفع صدقة؟ وكم مقدارها؟
  • هل يحق لي أن أطلب تعويضًا حسب ما أشار لي أصدقائي؟ فإنني لا أرغب في ذلك إن لم يكن حلالًا.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أما المشاجرة التي كنت فيها: فإن كنت بادئًا في الذنب: فعليك التوبة والاستغفار، وليس عليك شيء من الصدقات والغرامات المالية.

وإن كنت مظلومًا قد اعتدى غيرك عليك وكانت المشاجرة منك ردًا على خصمك الذي بدأك بالمشاجرة: فلا شيء عليك.

وفي ذلك يقول الله تعالى: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } [ الشورى / 39 ].

ثانيًا:

أما التعويض الذي تسأل عنه بسبب ما أصابك من الأذى فهذا هو ما يسمى بالأرش،  ويكون ذلك بعد سقوط القصاص الذي أوجبه الله تعالى على الناس بأن من اعتدى على غيره وأصابه في بدنه وآذاه فإن للمعتدى عليه أن يقتص من المعتدي سواء بسواء إن كان آذاه في سنه: اقتص من سنه، وإن كان في أنفه: ففي في أنفه … يقول الله تعالى: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة /   45 ]، وقال الله تعالى:{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} [ البقرة / 194 ].

ولكن قد يَقبل المعتدى عليه ألا يقتص من المعتدي ويرضى بالأرش وهو المال مقابل العضو الذاهب وفي ذلك حديث صحيح:

عن أنس رضي الله عنه: أن الربَيِّع وهي ابنة النضر كسرت ثنيَّة جارية فطلبوا الأرش وطلبوا العفو فأبوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتُكسر ثنية الربيع يا رسول الله؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال يا أنس: كتاب الله القصاص، فرضي القوم، وعفوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن مِن عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، فرضي القوم وقبلوا الأرش “. رواه البخاري ( 2556 ) ومسلم ( 1657 ).

أو أن يكون الحكم بالمثلية متعذرًا: أي ألا يستطيع الحاكم أن يقتص من المعتدي بمثل ما اعتدى على خصمه لأن ذلك قد يسبب بزيادة في الحكم أو أن يبلغ القصاص مبلغًا فوق الذي بلغه المعتدي في اعتدائه.

 * يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: 

وقال تعالى: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم }، وقال تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به }، وقال تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها }.

وقد دل على هذا قوله في الحديث: ” يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا “، فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحدٌ أحدًا وأمْر العالَم في الشريعة مبنيٌّ على هذا وهو العدل في الدماء والأموال والأبضاع والأنساب والأعراض، ولهذا جاءت السنة بالقصاص في ذلك ومقابلة العادي بمثل فعله، لكن المماثلة قد يكون عِلمها أو عملها متعذرًا أو متعسرًا، ولهذا يكون الواجب ما يكون أقرب إليها بحسب الإمكان، ويقال: هذا أمثل وهذا أشبه، هذه الطريقة المثلى لما كان أمثل بما هو العدل والحق في نفس الأمر إذ ذاك معجوز عنه، ولهذا قال تعالى: { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها } فذكر أنه لم يكلف نفسا إلا وسعها حين أمر بتوفية الكيل والميزان بالقسط؛ لأن الكيل لا بد له أن يفضل أحد المكيلين على الآخر ولو بحبة أو حبات وكذلك التفاضل في الميزان قد يحصل بشيء يسير لا يمكن الاحتراز منه فقال تعالى: { لا نكلف نفسا إلا وسعها} ولهذا كان القصاص مشروعا إذا أمكن استيفاؤه من غير جنف كالاقتصاص في الجروح التي تنتهي إلى عَظْم، وفى الأعضاء التي تنتهي إلى مفصل، فإذا كان الجنف واقعًا في الاستيفاء: عدل إلى بدله وهو الدية؛ لأنه أشبه بالعدل من إتلاف زيادة في المقتص منه. ” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 166 – 168 ).

* وقال – في موضع آخر -:  

وإذا تعذر القصاص: عدل إلى الدية وكانت الدية بدلًا لتعذر المثل.

” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 352 ).

* وقال رحمه الله تعالى – في موضع آخر -: 

والقصاص في الجراح أيضا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة فإذا قطع يده اليمنى من مفصل فله أن يقطع يده كذلك، وإذا قلع سنه فله أن يقلع سنه، وإذا شجه في رأسه أو وجهه فأوضح العظم فله أن يشجه كذلك وإذا لم تمكن المساواة مثل أن يكسر له عظمًا باطنًا أو يشجه دون الموضحة: فلا يشرع القصاص بل تجب الدية المحدودة أو الأرش. ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 379 ).

وقد لا يمكنك أن تقتص في أيامنا هذه بسبب عدم تطبيق المحاكم لشرع الله تعالى، فهنا يجوز ويحل لك أن تأخذ الأرش، وكون أن عينك والحمد لله لم تصب والدية في العين مقدرة معلومة وهي نصف الدية ومقدارها خمسون من الإبل.

عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في العقول: إن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعي جدعا مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس، وفي الجائفة مثلها، وفي اليد خمسون، وفي العين خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس “. رواه النسائي ( 4857 ).

معاني:

– العقول: جمع عقل وهي العوض المادي الذي يجعل بدل القتل أو الجرح.

– أوعي جدعًا: أي قطع جميعه.

المأمومة: الجرح الذي يصل إلى غشاء محيط المخ.

الجائفة: الطعنة التي تبلغ جوف الرأس أو جوف البطن.

الموضحة: الجرح الذي يظهر العظم.

ثالثًا:

وليس في الجرح الذي أصابك دية محددة معلومة، ولكن الحاكم يقدر الضرر وبه يحكم فيكون ما أخذته حلال لا شيء فيه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة