السجن في الإسلام وفي التشريعات الأخرى ووحشية دول الكفر!.

السؤال

– يتعلق سؤالي بإجابتكم على سؤال متقدم بشأن العناية الصحية بالمساجين في الإسلام .

قلت : ” يجب السماح للمساجين برؤية زوجاتهم ومعاشرتهن ، إذا توفر المكان المناسب في السجن ، حفاظا عليهم وعلى وزوجاتهم ” .

لكن كيف يكون الحال إذا لم يكن هناك مكان مناسب أو منعزل ، فهل يعني ذلك أن يحرم المسجون من حقوقه في وطئ زوجته ؟ إذا كان الجواب بنعم ، فإن الإسلام سيكون مسئولا إذا لم تتمكن الزوجة من تحمل ذلك الوضع ووقعت في الزنا ، وإن لم يكن كذلك ، فما هي المدة الفاصلة بين المواقعتين ؟ فكل شخص له شهوته ، والبعض يمارس ذلك أكثر من غيره ،  كيف يكون الوضع إذا كان المسجون صاحب شهوة عارمة مقارنة بغيره ، لكنه كبح احتياجاته خوفا من تناقل حراس السجن للحديث حول موضوعه ، أو أن يمنعه من ذلك خوفه من أن أحد المسئولين عن السجن قد يظن بأن ذلك الشخص هو ” مهووس جنسيّاً ” أو يصفه بذلك .  ألا يعني ذلك أن مسئولي السجن منعوه من حقوقه ؟  أظن أن إبقاء شخص ما في مكان ضيق يعدّ من الأعمال البربرية حيث إن ذلك يمنع المسجون من حقوقه التي منحها الله إياها .  ولذلك ، فإن بريطانيا – في السابق – كانت محقة حيث لم تسجن المساجين في أماكن ضيقة ، بل قامت بطردهم إلى أستراليا ، فلماذا لا يقوم الإسلام بتقديم أمثلة إنسانية متقدمة أفضل مما قدَّم البريطانيون على تطبيقه بخصوص المساجين ، بدلا من إبقاء شخص ما في سجن يشبه سجن الحيوانات في حدائق الحيوانات ؟ ولا أتعجب من إطلاق الغرب علينا لفظة بربريين ! كما أني لا ألومهم على ذلك ، فهل تلومهم أنت ؟ .

الجواب

الحمد لله

لا تُعرف ” البربرية ” و ” الوحشية ” إلا من طريق اليهود والنصارى والشيوعيين ، وخاصة من ترى أنها تقدم أنموذجاً للعدل والإحسان وهي ” بريطانيا ” ، وهي الدولة المستعمرة والتي كانت ولا تزال تقتل وتستعبد الناس في مشارق الأرض ومغاربها ، ولو شئنا أن نعدِّد لك جرائمها قديما في الهند ومصر وأفغانستان ، أو حديثاً في الأرجنتين والعراق لطال بنا المقام وخرجنا عن المقصود ، لكن يكفينا أنه ما عاد هذا يخفى على أحد ، وأن الله تعالى قد كشف زيف ادعائهم بالمعاملة بالحسنى ونبذ العنف والوحشية ، وفي محاكم بريطانيا الآن قضايا متعددة ضد فساد وجرائم حكوماتهم ، فأين أنت من هذا ؟ .

أما قضايا السجن وأحكامه : فيبدو أنك لا تعلم أن هناك فرقاً بين ما قلناه من السجن في الإسلام ، وبين ما هو الحاصل الآن من حال السجن في البلاد الإسلامية ، فلم يكن كلامنا على الوضع الحالي للسجون ، بل ما ينبغي أن تكون عليه ، وكون هذا غير مطبَّق ليس من ذنب الإسلام بل هو ذنب من خلَّفه وراء ظهره وتخلف عنه .

وليس الأصل في السجن هو الرفاهية وتمكين السجين مما لا يستطيعه من هو خارج عنه ، ولعلّ هذا هو السبب في كثرة الجرائم في دول الغرب ؛ لأن السجين هناك يجد الطعام والشراب والمأوى بل والعمل ، وهو ما لا يجده خارج السجن ، فما الذي يمنعه من ارتكاب الجرائم والفواحش ، بل قد عُلم يقيناً من يتعمد ذلك حتى يجد ذلك المأوى ، وكلما خرج من السجن رجع إليه ثانية .

والسجن في الإسلام ليس ” فندقاً ” ، وليس هو زريبة أو قفص حيوان ، بل السجين محفوظ الكرامة والشعور ، وله العناية والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية ، على أن لا يخرج ذلك عن كون السجن مكان تأديب وتعزيرٍ .

ولم يشرع الحبس في الإسلام لإهانة السجين أو تعذيبه أو الانتقام منه ، وإنما شرع لاستصلاحه وتعديل سلوكه وتأهيله للخروج إلى المجتمع بنفس جديدة ، ونظرة جديدة إلى الحياة ، فيها معاني الاستقامة والصدق والجدية والعطاء ، وهذا ما عبَّر عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سجن رجلاً في جريمة وقال : ” أحبسه حتى أعلم منه التوبة ” . ”  تفسير القرطبي ” ( 6 / 152 ) .

– والتوبة هنا تعني : تعديل السلوك ، وتصحيح الأخطاء ، والتوجه نحو الاستقامة والخير والصلاح .

وتمكين السجين من معاشرة زوجته أمرٌ اجتهادي ليس هناك ما يوجبه على سجَّانيه ، ولا ينبغي أن يكون لكل أحد – أصلاً – ، فبعض الجرائم يُفضل أن يُفسخ عقد نكاحه إذا لم يتب من ذنبه .

وليست المرأة بحاجة –  فقط –  إلى إشباع رغبتها الجنسية كما جاء في الاستشكال ، إلا أن يكون هذا هو قدْر المرأة في تلك الدول المتفسخة –  وهو كذلك عند الأكثر – ، فالمرأة بحاجة إلى من يحميها ويرعى شئونها ، ويقوم على تربية أولادها ، عدا عن النفقة التي أوجبها الله تعالى على الزوج ، لذا كان السجن والأسر والغياب الطويل عن المرأة من أسباب طلبها للطلاق ، إما برغبة من الزوج ، أو بتطليق القاضي إن غاب فلم يُعرف عنه شيء أو طال أسره وسجنه ورفض التطليق ، وكل ذلك مقيَّد بما إذا أصاب المرأة ضرر بالغياب .

ولا يمكن لأحدٍ أن يعترض على شرع الله تعالى إلا ويظهر فساد كلامه ، والشرائع والأنظمة والقوانين التي يزعم أصحابها أنهم بلغوا بها الكمال ، وأنها فاقت الإسلام في إعطاء الناس حقوقهم وما يصلح حالهم : قد تبين كذب وزيف دعواهم ، وها هم يرجعون إلى أحكام الإسلام وتشريعاته ، ولكنها المكابرة ، ولكم في قضايا الاختلاط والخمور والطلاق والتعدد أبلغ الأمثلة في صدق ما نقوله ، ولولا خشية الإطالة لذكرنا أمثلة متعددة من ذلك .

وليعلم أن السجن في الإسلام ليس هو الحبس في ذلك المكان المعروف بتلك القيود والأنظمة ، بل الحبس هو منع السجين من القيام بمهامه ، وقد يكون ذلك في بيته أو في المسجد !

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق ، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد . ”  مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 25 / 398 ) .

وقال الكاساني :

– الحبس هو : منع الشخص من الخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية والاجتماعية .

” بدائع الصنائع ” ( 7 / 174 ) .

والذي نختم به – فيما يتعلق بالسؤال –  هو أن نقول إن بعض المساجين ممن خفت عقوبتهم ، أو أظهروا توبة ، ولم ترغب نساؤهم بالفراق ، وكان الأمر متيسراً للخلوة بنسائهم ومعاشرتهم : فإننا نفضل أن يمكنوا من ذلك ، لا أن هذا ما ينقص المرأة والرجل ، بل هذا من التشجيع له على العفَّة والتوبة والندم ، فمن نقصت حريته فأي شيء يعوضه ؟ وهي كذلك ينقصها الرجل في بيتها ، وتنقصها الحماية والرعاية ، فيكون التمكين من المعاشرة تهويناً لها عمَّا هي فيه .

ونرجو من الإخوة – جميعاً – الرجوع إلى بعض الأجوبة المتعلقة بالسجن ليروا الأحكام العادلة للسجين ، وليقارن بينها وبين ما يوجد في بلاد الإسلام ليرى الفرق الكبير بينها ، وإما إذا قارنها بما عند غير المسلمين فسيجد فروقات أهمّ وهي نزع الغاية من تلك السجون وهو التأديب والتعزير .

ونرجو من السائل أن يكون منصفاً ، وأن يتذكر الأقفاص التي وُضع فيها المسلمون في ” أفريقيا ” لاستعبادهم ، وأن يتذكر الأقفاص التي لا يزال بعض المسلمين فيها في ” جوانتينامو ” ، وأن يتذكر الوحشية والبربرية التي يعامَل بها المسلمون في سجونهم ودولهم المحتلة ، قبل الكلام عن غيرهم ، والثناء عليهم .

 

والله الهادي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة