هل يتزوج الزاني زانية أو مشركة؟

السؤال

سؤالي يتعلق بالعلاقة الجنسية غير الشرعية.  فقد قرأت أن الشخص الذي مارس الجنس قبل الزواج لا يمكنه الزواج إلا من امرأة فعلت فعله أو أنها غير مسلمة.  لكن، ما هو الحكم إذا كان الشخص المعني قد تاب ؟ وما هو العمل الذي يُعتبر توبة ؟ أهو بالتعهد بعدم الوقوع في ذلك الذنب مرة أخرى ؟ أم أنه الشعور بالذنب والانزعاج والإقرار بأن ذلك الذنب كان خطأ ؟ أم أنه بالدعاء وسؤال الله مغفرته ؟ كما أني أريد أن أعرف ما إذا كان يمكن لهذا الشخص أن يقدم ويتزوج بامرأة مثله.  وماذا عن المائة جلدة ؟ هل لا يزال على المذكور أن يُقام عليه ذلك الحكم – أي الجلد ؟ وإذا تزوج من امرأة ليست مثله، فهل يعد زواجهما صحيحا ؟ وأيضا، إذا كان الشخص قد تاب، ثم عاد وخرج مع امرأة أخرى، بنية أنه قد يتزوج بها في نهاية المطاف، فهل يبطل فعله الأخير توبته؟ وجزاك الله خيرا.

الجواب

الحمد لله القائل { قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر / 53 ] .

والصلاة والسلام على إمام المستغفرين القائل : ” كل ابن آدم خطَّاء وخير الخطائين التوابون ” رواه الترمذي (2499) وحسنه الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 2049 ) .

وبعد …

أيها الأخ المسلم اعلم بأن ربك لا يُحرّم شيئاً إلا لِحِكمَة ، ولا يأمر بشيء إلا لِحِكمَة ، علمها من علمها وجهلها من جهلها ، فإن من أسماء الله الحكيم ، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه اللائق به .

وهو سبحانه يحب من عباده التوابين ، كما أخبر بذلك في كتابه فقال : { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } [ البقرة / 222 ] ، فمتى ما أذنب العبد فعليه أن يُبادر بالتوبة النصوح ، لأن الله أمره بالتوبة فقال تعالى : { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } [ النور / 31 ] . إذا تبين لك ذلك فلنشرع الآن في الجواب على أسئلتك :

  1. 1. قولك : ” من زنى قبل الزواج فإنه لا يمكنه الزواج إلا من امرأة فعلت فعله أو كافرة..”

اختلف العلماء في هذه المسألة ، لأن الله قال : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } [ النور / 3 ] ، فقد قال بعض العلماء : إن المراد بالنكاح هنا : العقد ، وقال بعضهم : الوطء ، وهو قول مرجوح وقد ردَّ عليه كثير من المحققين .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية  في بيان وجوه الرد على القول الثاني – :

أما أولا : فليس في القرآن لفظ نكاح إلا ولا بدّ أن يراد به العقد ، وإن دخل فيه الوطء أيضاً ،  فأما أن يراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط .

وثانيها : أن سبب نزول الآية إنما هو استفتاء النبي صلى الله عليه وسلم في التزوج بزانية فكيف يكون سبب النزول خارجاً من اللفظ .

الثالث : أن قول القائل الزاني لا يطأ إلا زانية ، أو الزانية لا يطؤها إلا زانٍ كقوله : الآكل لا يأكل إلا مأكولا ، والمأكول لا يأكله إلا آكل ، والزوج لا يتزوج إلا بزوجة ، والزوجة لا يتزوجها إلا زوج ، وهذا كلام ينزه عنه كلام الله .

الرابع : أن الزاني قد يستكرِه امرأة فيطؤها فيكون زانياً ولا تكون زانية ، وكذلك المرأة قد تزني بنائمٍ ومكره – على أحد القولين – ولا يكون زانياً .

الخامس : أن تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه .

السادس : قال { لا ينكحها إلا زان أو مشرك } فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنه زان وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية فلا حاجة إلى التقسيم .

السابع : أنه قد قال قبل ذلك { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك .” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 112 ، 113 ) .

وقال :

فقوله { الزاني لا ينكح إلا زانية } إما أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زنا أو أن ذلك يفضي إلى زناها وأما الزانية فنفس وطئها مع إصرارها على الزنا زنا . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 121 ) .

وقال :

ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن الزانية لا يجوز تزوجها إلا بعد التوبة ، وكذلك إذا كانت المرأة تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال بل يفارقها وإلا كان ديوثاً . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 141 ) .

وقال :

لأنه من تزوج زانية تُزاني مع غيره لم يكن ماؤه مصوناً محفوظاً ، فكان ماؤه مختلطاً بماء غيره ، والفرج الذي يطؤه مشتركاً ، وهذا هو الزنا ، والمرأة إذا كان زوجها يزني بغيرها لا يميز بين الحلال والحرام كان وطؤه لها من جنس وطء الزاني للمرأة التي يزني بها وإن لم يطأها غيره ، وإن من صور الزنا اتخاذ الأخدان ، والعلماء قد تنازعوا في جواز نكاح الزانية قبل توبتها على قولين مشهورين ، لكن الكتاب والسنة والاعتبار يدل على أن ذلك لا يجوز . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 145 ) .

وقال ابن القيم :

وأما نكاح الزانية فقد صرح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا ، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده : فهو مشرك ، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه : فهو زانٍ ، ثم صرَّح فقال { وحرِّم ذلك على المؤمنين } .  زاد المعاد ” ( 5 / 114 ) .

2.وأما الزواج بعد التوبة : فإنه من تاب من ذنبه : فلا يسمى زانياً ، وعليه : فيحل له الزواج لكن بشرط أن يكون من عفيفة ، وإن كانت زانية ثم تابت مثله فحكمها مثل حكمه ، وقد سبق في نص القرآن وأقوال الأئمة ما يوضح ذلك .

  1. أما العمل الذي يعتبر توبة : فهو تحقيق شروط التوبة ، وهي :

– الإخلاص في التوبة .

– الإقلاع عن ذنبه .

– الندم على ذنبه .

– العزم على عدم رجوعه إلى الذنب .

– التوبة في الوقت ، فلا يقبل الله التوبة عند الغرغرة قبل قبض الروح ، ولا بعد طلوع الشمس من مغربها .

– إرجاع الحقوق إلى أهلها إن كانت معصيته تتعلق بحقوق الآدميين .

4. أما حدُّ الزاني : فهو جلد مائة جلدة إن كان الزاني أو الزانية إن كانا غير محصَنيْن ، والرجم حتى الموت إن كانا محصَنيْن .

وإذا أراد الزاني أو الزانية التوبة بينه وبين ربه تبارك وتعالى فهو خير ، ويكفيه ما سبق من شروط التوبة مع الإكثار من الاستغفار ومن الأعمال الصالحة .

  1.  وأما خروجه بعد توبته مع امرأة أخرى فهو يدل على عدم صدق توبته ، والواجب عليه أن يصدق في توبته حتى يقبلها الله منه ، وقد حذر الله تعالى من اتباع خطوات الشيطان ، ولا شك أن من خطواته الكلام والخلوة والخروج مع امرأة أجنبيَّة .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة