هل الوقوع في الفاحشة يبطل صحة الزواج؟

السؤال

امرأة متزوجة ووقعت في الفاحشة وتابت إلى الله تعالى هل زواجها لا يزال صحيحا أم لابدّ لها أن تترك زوجها حتى تقبل توبتها علما أنها تحب زوجها ولا تريد تركه وإذا كان لابدّ لها من تركه هل يكون بالطلاق أم بالخلع ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً :

اختلف العلماء في الرجل العفيف يتزوج العفيفة فتزني أو يزني أحدهما فقال قوم : نكاحهما ماض لا شيء فيه .

وقال قوم : يفسخ نكاحهما ويفرق بينهما .

واستدل أصحاب الرأي الثاني بما يلي :

1- قال الله تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَان أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [ النور / 3 ] .

قال الآلوسي – في معرض تفسير هذه الآية – :

وعندهم أنه إن زنى أحد الزوجين يفسد النكاح بينهما ، وقال بعضهم : لا ينفسخ إلا أن الرجل يؤمر بطلاق زوجته إذا زنت ، فإن أمسكها : أثم .

وعند بعض من العلماء أن الزنا عيب من العيوب التي يثيب بها الخيار ، فلو تزوجت برجل فبان لها أنه ممن يعرف بالزنا : ثبت لها الخيار في البقاء معه أو فراقه . ” روح المعاني ” ( 18 / 88 ) .

وردَّ العلماء تأويل الآية على ما ذكره الآلوسي :

قال عبد العظيم آباد :

والآية في ابتداء النكاح ، فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته ، ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية . ” عون المعبود ” ( 6 / 35 ) .

وقال ابن كثير :

هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة ، أي : لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك ، وكذلك الزانية لا ينكحها إلا زان أي : عاص بزناه ، أو مشرك لا يعتقد تحريمه …… وقوله تعالى : { وحرم ذلك على المؤمنين } أي : تعاطيه ، والتزويج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالفجار من الرجال .

وقال أبو داود الطيالسي حدثنا قيس عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : { وحرم ذلك على المؤمنين } قال : حرم الله الزنا على المؤمنين .

وقال قتادة ومقاتل بن حيان : حرم اللهُ على المؤمنين نكاح البغايا وتقدم في ذلك فقال : { وحرم ذلك على المؤمنين } .

وهذه الآية كقوله تعالى : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } وقوله : { محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان } الآية ، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب ، فإن تابت: صح العقد عليها وإلا فلا ، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى : { وحرم ذلك على المؤمنين  } .  ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 263 ) .

2- عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” إن امرأتي لا تمنع – وفي رواية: ” لا ترد ” – يد لامسٍ ، قال : غرِّبها ، قال : أخاف أن تتبعها نفسي قال : فاستمتع بها.  رواه أبو داود ( 2049 ) ، والنسائي ( 3229 ) وغيرهما .

– قال النووي في ” تهذيب الأسماء ” ( 3 / 307 ) : وإسناده إسناد صحيح ، واحتج به إمامنا الشافعي .

وقال ابن الملقن :

قال أبو محمد المنذري : رجاله محتج بهم في الصحيحين على الاتفاق والانفراد .

قلت : أي رواية أبي داود ، أما رواية النسائي ففيها ضعف لا جرم قال النسائي : هذا حديث ليس بثابت ، ومرسلا أولى بالصواب ، وقال أحمد : ليس له أصل . ” خلاصة البدر المنير ” ( 2 / 233 ) .

فقالوا : هذه المرأة لا ترد يد لا مس أي أنها لا تتورع من الزنى ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجل بطلاقها ، وما قال له أمسكها إلا بعد أن خشي عليه أن لا يتعفف بدونها فتتبعها نفسه لجمالها وحبها فيقع في الفاحشة ، وهذا من باب السكون إلى أخف الضررين .

قال الشوكاني :

فالأولى أن ينزل ترك استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم عن مراده بقوله : ” لا ترد يد لامس ” منزلة العموم ولا ريب أن العرب تكنى بمثل هذه العبارة عن عدم العفة عن الزنا .”نيل الأوطار”( 6 / 284 ).

قال ابن حجر :

اختلف العلماء في معنى قوله : ” لا ترد يد لامس ” ، فقيل : معناه : الفجور ، وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة ، وبهذا قال أبو عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والغزالي والنووي وهو مقتضى استدلال الرافعي …. ” التلخيص الحبير ” ( 3 / 225 ) .

وقال المانعون لورود هذا المعنى : نجيب عن هذا بأن الحديث ضعيف ، وعلى فرض صحته فمعنى : ” لا ترد يد لامس ” أي : لا تمسك مال زوجها ، وقيل : هي المرأة اللعوب التي لا تمتنع عن عشرة الرجال والبروز إليهم مع منعة وحصانة من الزنى .

قال ابن حجر :

وقيل : معناه : التبذير ، وأنها لا تمنع أحداً طلب منها شيئاً من مال زوجها ، وبهذا قال أحمد، والأصمعي ، ومحمد بن ناصر – ونقله عن علماء الإسلام – وابن الجوزي ، وأنكر على من ذهب إلى الأول .

وقال بعض حذاق المتأخرين : قوله صلى الله عليه وسلم له : ” أمسكها ” معناه ، أمسكها عن الزنا ، أو عن التبذير ، إما بمراقبتها ، أو بالاحتفاظ على المال ، أو بكثرة جماعها ، ورجح القاضي أبو الطيب الأول بأن السخاء مندوب إليه فلا يكون موجباً لقوله : ” طلِّقها ” ؛ ولأن التبذير إن كان من مالها : فلها التصرف فيه ، وإن كان من ماله : فعليه حفظه ، ولا يوجب شيئاً من ذلك الأمر بطلاقها ، قيل : والظاهر أن قوله : ” لا ترد يد لامس ” أنها لا تمتنع من يمد يده ليتلذذ بلمسها ولو كان كنَّى به عن الجماع لعُدَّ قاذفاً ،أو أن زوجها فهم من حالها أنها لا تمتنع ممن أراد منها الفاحشة لا أن ذلك وقع منها.  ” التلخيص الحبير ” ( 3 / 225 – 226 ) .

وقال الصنعاني :

قلت : الوجه الأول – يعني : أنها لا ترد من يزني بها – في غاية من البعد ، بل لا يصح للآية ؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر الرجل أن يكون ديوثا ، فحمْله على هذا لا يصح . ” سبل السلام ” ( 3 /   195 ) .

واستدل القائلون بعدم الطلاق بأدلة ، ومنها :

1- قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } [ النساء / 19 ] .

فلو طلقت المرأة بإتيانها الفاحشة لما كان لجواز الإعضال معنى ، والإعضال : هو مضايقة الزوجة وإجهادها لتترك شيئا من مهرها كي يرضى بطلاقها ، إذ من معاني الفاحشة هنا في الآية الزنى .

قال ابن كثير :

الفاحشة المبينة : النشوز ، والعصيان ، واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله : الزنا ، والعصيان ، والنشوز ، وبذاء اللسان ، وغير ذلك ، يعني: أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد ، والله أعلم . ” تفسير ابن كثير” ( 1 / 467 ) .

2- عن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال : حدثني أبي أنه : ” شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فذكر في الحديث قصة فقال :  ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوانٍ عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا …… . ” رواه الترمذي (1163) وابن ماجه (1851).وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 929 ).

وقال الشوكاني :

حديث عمرو بن الأحوص وحديث ابن عباس المذكوران فإنهما في الاستمرار على نكاح الزوجة الزانية والآية وحديث أبي هريرة في ابتداء النكاح فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية .  ” نيل الأوطار” ( 6 / 284 ) .

3- حديث ابن عباس السابق :

عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” إن امرأتي لا تمنع يد لامس ، قال : غربها ، قال : أخاف أن تتبعها نفسي قال فاستمتع بها ” . رواه أبو داود ( 2049 ) والنسائي ( 3229 ) وغيرهما.

وقد أوردنا كلام الشوكاني في الرد على من أوقع الطلاق بالزنى :

وقال ابن حزم :

وأما التي تزوجها عفيف وهي عفيفة ثم زنى أحدهما أو كلاهما فإنما قلنا إنه : لا يفسخ نكاحهما لما رويناه …… عن ابن عباس : ” أن رجلا قال يا رسول الله إن تحتي امرأة جميلة لا ترد يد لامس ، قال : طلقها ، قال : إني لا أصبر عنها قال فأمسكها ” . ” المحلى ” ( 9 / 477 ) .

4- أن أبا هريرة قال : أتى رسولَ الله  صلى الله عليه وسلم رجلٌ من الناس وهو في المسجد فناداه يا رسول الله إني زنيت يريد نفسه فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله ، فقال : يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه ، فجاء لشق وجه النبي صلى الله عليه وسلم  الذي أعرض عنه ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أبك جنون ؟ قال : لا يا رسول الله ، فقال: أحصنت ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : اذهبوا به فارجموه . رواه البخاري ( 6439 ) ومسلم ( 1692 ) .

قال ابن حزم :

وقد أقر ماعزٌ بالزنى وهو محصن ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه أبكر أم ثيب فقيل له : بل ثيب ، فأمر برجمه ولم يفسخ نكاحه . ” المحلى ” ( 9 / 477 ) .

وبعد النظر إلى أدلة الفريقين نرى أن الرأي الراجح هو القول بعدم طلاق المرأة إن زنت بسفاح محرم وهي في عصمة رجل من نكاح حلال ؛ لما رأينا من وضوح الأدلة في ذلك .

قال ابن مفلح :

فائدة :

إذا زنت امرأة رجل أو زنى زوجها قبل الدخول أو بعده لم ينفسخ النكاح في قول عامتهم .

” المبدع ” ( 7 / 70 ) .

وقال ابن قدامة في:

وإن زنت امرأة رجل ، أو زنى زوجها : لم يفسخ النكاح سواء كان قبل الدخول أو بعده .

” المغني ” ( 7 / 108 ) .

ثانياً :

ولا يعني أنها إن زنت فلا تطلق بفعل الزنى مباشرة أنه يحفظها عنده ويحسن إليها بل ليبادر في تطليقها خشية أن تلحق له من الولد من هو ليس منه وخشية أن تنشئ أولادها وبناتها على حب السفاح والبغاء

كما أنه يحل له في هذه الحال أن يعضلها ولا يحل له أن يعضلها إلا أن أتت بالفاحشة المبينة كما مر بيانه وتفسيره .

وقال ابن تيمية :

وفيها : ” المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ” ، وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ” إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ثم إن زنت فليجلدها الحد ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير ” – والضفير : الحبل – ، وشك الراوي هل أمر بيعها في الثالثة أو الرابعة ، وهذا أمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببيع الأمة بعد إقامة الحد عليها مرتين أو ثلاثا ولو بأدنى مال ، قال الإمام أحمد : إن لم يبعها كان تاركا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم والإماء اللاتي يفعلن هذا تكون عامتهن للخدمة لا للتمتع فكيف بأمة التمتع وإذا وجب إخراج الأمة الزانية عن ملكه فكيف بالزوجة الزانية . ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 327 ) .

وقال البهوتي :

قال الشيخ : إذا كانت تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال بل يفارقها وإلا كان ديوثا انتهى .

وورد لعن الديوث واللعن من علامات الكبيرة على ما يأتي ، فلهذا وجب الفراق ، وحرمت العشرة ، ولا بأس بعضلها في هذا الحال والتضييق عليها لتفتدي منه  لقوله تعالى : { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }. ” كشاف القناع ” ( 5 / 232 – 233 ) .

ونقول للسائل : إن هذه المرأة لم تطلق من زوجها ، ولولا أنها صرحت بتوبتها لقلنا : يجب على زوجها تطليقها ، ولكن ما دام أن الله تعالى ستر عليها فلتقبل ستره ، ولا تحدِّث بذلك أحداً ، ولا سيما زوجها مخافة أن تتنامى الشكوك في نفسه ، ثم لا يصدق توبتها ، وكلما رأى منها شبهة حملها محمل سوء وفسرها على الوجه الذي يريد الشيطان .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة