سب وشتم وعدم فهم لأحكام متعددة
السؤال
لست أدري لماذا تضع الأوامر من عندك ، في أي آية من القرآن جاء تحريم نتف الحواجب ؟ أرجو أن لا تختلق أشياء من عندك ، تقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال بأن المرأة يجب أن لا تنتف حواجبها والكل يعلم بأنه في ذلك الوقت لم يكن أحد يهتم بالموضة ، أنا متأكدة بأن شيخاً مثلك قد حرف الحديث لمصلحته حتى لا تتبع بناتكم وزوجاتكم الموضة حتى ولو أرادوا أن يتجملوا لأزواجهم ، عيب عليكم .
أنا لا أصدق أغلب أجوبتك وحتى في أحد الأجوبة على شخص سأل عن السرقة وقلت أنه يجب أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى وتقول توبة توبة ، لا أدري لماذا تختلق أشياء من نفسك ؟
القرآن يقول إذا سرق شخص ثم تاب فاعفوا عنه فإذا قام بنفس الفعل مرة أخرى فاعفوا عنه فإن فعلها مرة ثالثة فاقطعوا يده ( وليس قدمه ) .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
لعلك رأيتِ أن هذا الموقع إنما هو للسؤال والجواب في أحكام الشرع ، وليس هو للسب والشتم ، ولا يمكننا أن نجيبكِ بمثل ما كتبتِ في حقنا وظلمتينا به .
ونحن لا نضع الأوامر من عندنا ، ولعلك رأيتِ أننا لا نذكر رأيا ولا اجتهاداً في الأعم الأغلب إلا ونذكر دليله من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم ، وأن كثيراً من أجوبتنا إنما هي عن العلماء الثقات الأثبات من المتقدمين والمتأخرين ، ولو أن الأوامر كانت من عندنا لما كنتَ أنت أول المنتقدين لنا ، فنحن لا نأمر الناس بشيء من عندنا والناس لا يستجيبون لنا لو أننا أمرناهم فليس لنا عليهم سلطان ، وليسوا ملزمين بطاعة أحدٍ سوى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
ثانياً :
ليس عند المسلمين فرقٌ بين أن يكون الأمر والنهي في القرآن أو في السنة ، فالعبد ملزم بالاستجابة لكليهما ، والله تعالى قد أمرنا في كتابه بالأخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحذَّرنا من مخالفته وعصيانه .
قال الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } [ الحشر / 7 ]، وقال : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور / 63 ] ، والفتنة هي النفاق والشرك .
وسنذكر لكِ حادثة عظيمة ترد على ما قلتيه في المسألتين : مسألة وجود النهي فقط في القرآن ، ومسألة نتف الحواجب ، ولعلكِ أن تعيدي النظر فيها مرات لتري مدى الخطأ الذي ارتكبتيه في حق الشرع وفي حقنا .
عن عبد الله بن مسعود قال : لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلْق الله ، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها ” أم يعقوب ” فجاءت فقالت : إنه بلغني عنك أنك لعنتَ كيت وكيت ، فقال : وما لي لا ألعن مَن لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ؟ فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدتُ فيه ما تقول ، قال : لئن كنتُ قرأتيه لقد وجدتيه ، أما قرأتِ { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ؟ قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه .
قالت : فإني أرى أهلك يفعلونه ، قال : فاذهبي فانظري ، فذهبتْ فنظرتْ فلم تر مِن حاجتها شيئاً ، فقال : لو كانت كذلك ما جامعتُها . رواه البخاري ( 4604 ) ومسلم ( 2125 ) .
قال أبو داود – بعد روايته من حديث ابن عباس ( 4170 ) – : وتفسير ” الواصلة ” التي تصل الشعر بشعر النساء ، و ” المستوصلة ” المعمول بها ، و ” النامصة ” التي تنقش الحاجب حتى ترقه ، و ” المتنمصة ” المعمول بها ، و ” الواشمة ” التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد ، و ” المستوشمة ” المعمول بها .
فلعلكِ أن تراجعي نفسك فيما قلتِ وتسلِّمي كما سلَّمت تلك المرأة ، بعد أن تكوني قد علمتِ أن ما جاء في السنة من النهي والتحريم هو مثله لو جاء في القرآن ، وأن تعلمي أننا لم ننهَ النساء من عند أنفسنا بل هو نهي النبي صلى الله عليه وسلم .
ولا علاقة لهذا النهي بما تسمينه الموضة ، والجمال هو خلْق الله لا عبث العابث بنفسه وبغيره ، وبقاء الحواجب على أصل خلقتها جمال للوجه وصحة للعين ، ولعلك تقرئين ما قاله الأطباء في فائدة الحواجب التي خلقها الله دون نتف أو ترقيق لتعلمي بعدها أن ما جاء في الشرع هو الجمال وهو الصواب الذي لا محيد عنه للعقلاء .
ثالثاً :
أما بالنسبة لحد السرقة فنحن لم نقل إنه قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى بمجرد سرقته ، وليس هذا هو حد السارق ، وهذه نماذج لما قلناه في أجوبتنا :
وفي جواب آخر قلنا : ” وإذا ارتكب المسلم شيئاُ من الذنوب – السرقة أو غيرها -ثم تاب قبل رفع الأمر إلى الحاكم فإنه تسقط عنه العقوبة حينئذ، ولا تجوز معاقبته ..”.
وفيه :
” وعلى هذا فلا يلزمك أن تذهب إلى السلطات وتعترف بالسرقة ، بل تكفيك التوبة الصادقة، ولكن يجب عليك رد الأموال إلى أصحابها، ولا تصح توبتك إلا بذلك “.
وفي جواب آخر قلنا : ” وحدُّ السرقة هو قطع اليد اليمنى ، كما سبق ذكره في الآية “.
وفيه :
” والتوبة بين الإنسان وبين ربِّه خيرٌ له من الاعتراف بذنبه عند القاضي لإقامة الحد عليه . ” .
وفي جواب آخر قلنا : ” السرقة محرّمة بالكتاب والسنة والإجماع ، وقد ذم الله هذا الفعل الشنيع وجعل له عقوبة تناسبه فجعل حد السارق أن تقطع يده ، قال تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم ) ” .
وفيه :
” وهذا هو حكم الله عز وجل في السرقة أن تقطع يد السارق من الرُّسْغِ . ”
رابعاً :
وأما قولك ” القرآن يقول إذا سرق شخص ثم تاب فاعفوا عنه فإذا قام بنفس الفعل مرة أخرى فاعفوا عنه فإن فعلها مرة ثالثة فاقطعوا يده ( وليس قدمه ) ” : ليس بصحيح ، والتائب يعفى عنه كلما أحدث توبة ، ومن تمام توبته إرجاع الحقوق إلى أهلها ، وقد سبق ذكر هذا في النقطة السابقة .
وفي النهاية :
نأمل أن نكون قد أزلنا ما علق عندك من إشكالات ، ونتمنى منك أن تنصف من نفسك وأن تنصفنا، وأن تتمهل قبل الكتابة والحكم، راجين لك التوفيق والهدى والرشاد.
والله الموفق.


