حكم رضاع الكبير
السؤال
امرأة تريد أن تأخذ طفلة من دار الأيتام لتربيتها ، وحتى يكون زوجها وأولاده محارم لهذه الطفلة طلبت من زوجة ابن زوجها إرضاعها ، فهل يجوز ذلك وتعتبر رضاعة صحيحة حتى وإن كانت الطفلة ليست بحاجة ماسة لها ؟ .
– أرجو الإفادة ، وجزاكم الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
الرضاع الذي يجعل الطفل ابناً للمرضعة وزوجها هو ما كان في الحولين من عمره ، وإذا كان خمس رضعات فأكثر .
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إنما الرضاعة من المجاعة ” . رواه البخاري ( 4814 ) ومسلم ( 1455 ) .
عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا يحرِّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام ” . رواه الترمذي ( 1152 ) وقال : حديث حسن صحيح .
وقال :
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين ، وما كان بعد الحولين الكاملين : فإنه لا يحرم شيئاً . انتهى.
عن عائشة أنها قالت : كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن ، ثم نُسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن . رواه مسلم ( 1452 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
فإذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات في الحولين قبل الفطام صار ولدها باتفاق الأئمة ، وصار الرجل الذي در اللبن بوطئه أبا لهذا المرتضع باتفاق الأئمة المشهورين ، وهذا يسمى ” لبن الفحل ” ، وقد ثبت ذلك بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن عائشة كانت قد أرضعتها امرأة ، وكان لها زوج يقال له : أبو القعيس فجاء أخوه يستأذن عليها ، فأبت أن تأذن له، حتى سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها : ” ائذني له فإنه عمك “ ، فقالت عائشة : إنما أرضعتني المرأة ، ولم يرضعني الرجل ، فقال : ” إنه عمُّك فليلج عليك ، وقال : ” يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ” .
وإذا صار الرجل والمرأة والدي المرتضع صار كل من أولادهما إخوة المرضع ، سواء كانوا من الأب فقط أو من المرأة ، أو منهما ، أو كانوا أولاداً لهما من الرضاعة ، فإنهم يصيرون إخوة لهذا المرتضع من الرضاعة ، حتى لو كان لرجل امرأتان فأرضعت هذه طفلا ، وهذه طفلة كانا أخوين ، ولم يجز لأحدهما التزوج بالآخر باتفاق الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 31 ، 32 ) .
أما إذا كان الطفل كبيراً – أي كان عمره أكثر من سنتين – فالأصل أن إرضاعه لا يجعله ابنا للمرضعة ولزوجها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الرضاع المحرَّم ما كان في الحوليْن ، وهذا هو قول جمهور العلماء ، وذهب بعضهم إلى أن رضاع الكبير يحرِّم إذا كان ثمة حاجة لإرضاعه ليكون ابنا لهم في الرضاعة كأن يكون مقطوعاً عن أهله ، أو تربَّى بينهم ولا يستطيع التخلي عن هذه الأسرة ، فإن مثل هذه الأعذار تجيز أن يرضع من الزوجة أو ممن لو أرضعته صار محرَّماً على الزوجة وعلى بناتها ، وهذه المسألة تسمى : ” رضاع الكبير ” ، ودليلها قصة ” سالم مولى أبي حذيفة ” ، وكان ابناً لأبي حذيفة بالتبني ، وكان يعيش معه ومع زوجة أبي حذيفة سهلة بنت سهيل ، فلما أبطل الله التبني صار في دخوله على البيت حرجٌ من جهة كونه أجنبيّاً .
عن عائشة أن سالما مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم فأتت – تعني : ابنة سهيل – النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وإنه يدخل علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة ، فرجعت فقالت : إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة . رواه مسلم ( 1453 ) .
وهذا الذي قلناه وتريده السائلة هو مذهب أم المؤمنين عائشة رضي الله ، وقد خالفها سائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ، وكنَّ يرين أن هذا الحكم خاص بسالم دون غيره .
عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول : أبَى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة وقلن لعائشة : والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة ، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا . رواه مسلم ( 1454 ) .
وتوسط بعض العلماء – ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم – فلم يقولوا بالخصوصية لسالم مولى أبي حذيفة ، بل قالوا : إنه لكل من كان على مثل حاله ، وحيث وجدت الحاجة كان الحكم مثل حكم سالم رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن إرضاع الكبير يحرِّم ، واحتجوا بما في صحيح مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة أن أم سلمة قالت لعائشة : إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل عليَّ ، فقالت عائشة : مالكِ في رسول الله أسوة حسنة ؟! قالت : إن امرأة أبي حذيفة قالت : يا رسول الله ، إن سالما يدخل على وهو رجل في نفس أبي حذيفة منه شيء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أرضعيه حتى يدخل عليكِ ” ، وفي رواية لمالك في الموطأ قال : ” أرضعيه خمس رضعات ” فكان بمنزلة ولده من الرضاعة .
وهذا الحديث أخذت به عائشة وأبَى غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذن به مع أن عائشة روت عنه قال : ” الرضاعة من المجاعة ” لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية ، فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام ، وهذا هو إرضاع عامة الناس ، وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم ، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها ، وهذا قول متوجه . ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 60 ) .
وقال ابن القيم : وفي قصة سالم مسلك آخر , وهو أن هذا كان موضع حاجة ; فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة وربَّاه , ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد , فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد , ولعل هذا المسلك أقوى المسالك , وإليه كان شيخنا يجنح , والله أعلم . ” إعلام الموقعين ” ( 4 / 264 ) .
والخلاصة :
أن الرضاع المحرِّم هو ما كان خمس رضعات ، وفي الحوليْن ، ورضاع من أكبر من هذا لا يحرِّم إلا أن يكون ثمة ظرفٍ قاهر لطفل فيمكن أن يكون حكم إرضاعه حكم الصغير ، فترضعه المرأة مباشرة إن كان صغيراً ، وتسكب له في إناء إن كان مميزاً فيحرم عليها ، أو ترضعه أختها أو زوجة ابنها ليحرم عليها وعلى بناتها ، وإذا لم يكن ثمة ظرف قاهر لوجود الولد في هذه الأسرة فلا نرى جواز إرضاعه ولا يكون محرَّما على المرأة وبناتها ، فيمكن أن تكفله دار أيتام أو يعيش في أسرة ليس فيها نساء أو بنات ، أو يعيش في بيت أسرة يمكن تحرزه على النساء كحال الخدم من الرجال .
وبكل حال فأنتم مأجورون على حسن نيتكم ، ومأجورون على سؤالكم واستفساركم عن حكم الشرع ، واعلموا أن تربيتكم لهذا اليتيم فيه أجر عظيم لكم ، ويكفي في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ” أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين – وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى – ” رواه البخاري ( 4998 ) من حديث سهل بن سعد ، ومسلم ( 2983 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما .
والله أعلم.


