تصرفات داعية قليل الصبر سريع الغضب
السؤال
سؤالي عن قلة الصبر ، فأنا أعرف شخصاً صبره قليل ويُثار بسرعة ، وأريد أن أعرف هل هذا مخالف للإسلام ، ومثال : فقد كان في مطعم وطلب من النادل أن يخفض صوت الموسيقى أو يوقفه تماماً ، ولكن النادل لم يستجب وطلب منه مرة أخرى دون فائدة فقام بنفسه للمذياع وأغلقه دون أن يكلم أحداً أو أن يرفع صوته على أحد ، فهل هذا من اللائق ؟ .
مثال آخر : كان يقود سيارته في شارع ذي اتجاهين ، وكان الشخص القادم من أمامه قد أضاء أنوار السيارة الأمامية العليا ، فأشار له بأن يخفض أنواره العالية ولكن السائق الآخر لم يستجب فأوقف سيارته أمام السيارة القادمة ونزل من سيارته وأطفأ أنوار السيارة الأخرى ثم عاد لسيارته وانصرف .
الذي أريد أن أعرفه ، هل يجوز أن نتصرف هكذا وأن نأخذ حقنا بأيدينا؟.
الجواب
الحمد لله
الواجب على الداعية إلى الله أن يكون حكيماً في دعوته ، وأن يكون صبوراً على الناس ، فالدعوة إلى الله فيها مشاقّ ومصاعب ، فمن لم يصبر عليها لم يكن داعية على وفق الكتاب والسنَّة ، وكان مثالاً سيئاً وأنموذجاً غير صالح للدعاة .
قال الله تعالى – في وصية لقمان لولده – : { يا بني أقم الصلاة وأمُر بالمعروف وانْه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } [ لقمان / 17 ] .
قال ابن كثير :
– { واصبر على ما أصابك } : عُلم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بدَّ أن يناله مِن الناس أذى فأَمَره بالصبر .
– وقوله { إن ذلك لمن عزم الأُمور } أي: أن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور.
” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 447 ).
وعند التأمل في وصايا النبي صلى الله عليه للدعاة نجد أن مثل هذا الصنف من الدعاة قد خالفوا نصوصاً كثيرة ، ومن هذه الوصايا :
أ. عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا ” . رواه البخاري ( 69 ) ومسلم ( 1734 ) .
قال الحافظ ابن حجر:
… والمراد : تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء ، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل , وكذا تعلم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج , لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا حبّب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط , وكانت عاقبته غالبا الازدياد , بخلاف ضده ، والله تعالى أعلم . ” فتح الباري ” ( 1 / 163 ) .
ب. عن عائشة رضي الله عنها أن يهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم ! فقالت عائشة : عليكم ، ولعنكم الله ، وغضب الله عليكم ، قال : مهلا يا عائشة ، عليك بالرفق ، وإياك والعنف والفحش ، قالت : أولم تسمع ما قالوا ؟ قال : أولم تسمعي ما قلت ؟ رددت عليهم ، فيستجاب لي فيهم ، ولا يستجاب لهم فيَّ .
رواه البخاري ( 5683 ) ومسلم ( 2165 ) .
وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل هدي ، وخلقه أعلى وأسمى خلق ، فقد كان يحلم على من أساء إليه وأغلظ القول والفعل ، فكيف في حال دعوته دون ذلك ؟.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر ، فقال : اتقي الله واصبري ، قالت : إليكَ عنِّي فإنك لم تصب بمصيبتي ، ولم تعرفه ، فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك ، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى .
رواه البخاري ( 1223 ) ومسلم ( 926 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
وفي هذا الحديث من الفوائد – غير ما تقدم – : ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من التواضع والرفق بالجاهل , ومسامحة المصاب وقبول اعتذاره , وملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … وفيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة …” فتح الباري ” ( 3 / 150 ) .
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسماً فقال رجل : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ، ثم قال : يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر . رواه البخاري ( 3224 ) ومسلم ( 1062 ) .
والأدلة على وجوب حسن الخلق في الدعوة إلى الله ، ووجوب الرفق واللين كثيرة ، وهو ما يدل على خطأ فعل صاحبك فيما ذكرتَ عنه وخاصة في الحالة الثانية .
وأما في الحالة الأولى فنرى أن الأصوب هو أن يخرج من المطعم إن لم يُستجب لطلبه بإغلاق الجهاز الذي يُصدر الموسيقى ، وهذا تطبيق عملي للنهي عن المنكر ، وبه يعلمون أن ما كان هو من المنكر ، بخلاف إغلاقه دون الكلام معهم أو بالقوة فإنه وإن زال المنكَر إلا أنه لم يُعرَّف الفاعلون له بحقيقة منكرهم .
والله أعلم.


