سبب رفض الخليفة عمر إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الورقة والقلم وهو على فراش الموت
السؤال
لماذا رفض الخليفة عمر رضي الله عنه طلب النبي صلى الله عليه وسلم للقلم والورق وهو على فراش الموت؟
الجواب
الحمد لله
أولاً :
– نسوق الحديث الذي رويت فيه الحادثة ابتداءً :
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : هلمَّ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ، فقال عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت ، فاختصموا ، منهم من يقول : قرِّبوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول : ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا ، قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ” رواه البخاري ( 5345 ) ومسلم ( 1637 ) .
أما ماذا أراد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الكتاب ، فالصحيح الراجح من أقوال العلماء الكثيرة في تبيان ذلك أنه أراد أن يولي أبا بكر الخلافة ، وأنه أراد أن يكتب ذلك في كتاب .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يكتبه : فقد جاء مبينا كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : ” ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ” . ” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 23 ) .
ثانياً :
أما معنى رد عمر للكتاب فللعلماء في توجيه هذا الحديث عدة أقوال نذكر منها :
- أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في طلبه الكتاب لم يكن طلباً جازماً ولم يرد به الأمر الذي يفيد الوجوب ، ولو كان ذلك كذلك لما اعترض عمر عليه وهو يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نبي لا تجوز مخالفة أمره .
ففهم عمر رضي الله عنه من عدة قرائن بدت له في سياق طلبه أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن من الأمر الملزم ولم يكن تشريعاً ، وإنما كان من محض الاجتهاد ، والرسول صلى الله عليه وسلم في حال الاجتهاد كالبشر يجوز مناقشته ، ولما ناقشه عمر والصحابة في ذلك رضي قولهم وعمل به .
- أن الرسول صلى الله عليه وسلم كالبشر يمرض ويصح ، بل قد ثبت عنه أنه أصيب بالسحر حتى كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن قد فعله ، فلعل طلبه لكتابة الكتاب كان من ذلك ، كونه كان في مرض شديد ، فلما راجعه الصحابة واختلفوا : نزل الوحي ووافق قول عمر .
- أن أمر الرسول قد نسخ بعد اختلاف الصحابة لديه تخفيفاً عليهم لكي لا يكون في الكتاب الذي يكتبه لهم إجبارا لهم على ما لا يطيقون ، فترك الأمر لهم ليسوغ لهم الاجتهاد .
- أن عمر أراد ألا يشق على الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى من حاله في مرضه .
- أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى اختلاف الصحابة على الكتاب علم أنه لن يفصل النزاع بينهم فتركه .
وفيما يلي ملخص لتوضيح الإمام النووي لمعنى الحديث :
لأنه خشي أن يكتب صلى الله عليه وسلم أمورا ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها ، فقال عمر: حسبنا كتاب الله لقوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وقوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } .
وقال النووي :
قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في أواخر كتابه ” دلائل النبوة ” : إنما قصد عمر التخفيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد عليه الوجع ، ولو كان مراده صلى الله عليه وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه : لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره لقوله تعالى : { بلِّغ ما أنزل إليك } .
وقال النووي :
قال البيهقي : وإن كان المراد : بيان أحكام الدين ورفع الخلاف فيها فقد علم عمر حصول ذلك ، لقوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } ، وعلم أنه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي الكتاب أو السنة بيانها نصا أو دلالة ، وفي تكلف النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه مع شدة وجعه كتابة ذلك مشقة ورأى عمر الاقتصار على ما سبق بيانه إياه نصا أو دلالة تخفيفا عليه .
وقال النووي :
قال الخطابي : ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه فتجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين وقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم . انتهى ملخص كلام النووي. ” شرح النووي على صحيح مسلم ” ( 11 / 90 – 91 ) .
وقد قال الإمام ابن حجر في فتح الباري ( 1 / 208 – 209 ) ، وفي ( 8 / 133 – 134 ) كلاماً مشابهاً لكلام النووي فلا داعي لنقله خشية الإطالة.
ثالثاً :
وقد ورد في الحديث رواية تقول أن الرسول (هَجَر) ومعنى هجر: هذى، وفي بعض الروايات” أيهجر ” ؟
– فما هو تفسير هذه الكلمة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
ثم إنه ورد في نهاية الحديث أن ابن عباس قال : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ، فما هو توجيه هذه العبارة ؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
وأما عمر فاشتبه عليه هل كان قول النبي صلى الله عليه وسلم من شدة المرض أو كان من أقواله المعروفة ؟ والمرض جائز على الأنبياء ، ولهذا قال : ” ماله أهجر ؟ ” فشك في ذلك ولم يجزم بأنه هجر والشك جائز على عمر فإنه لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما وقد شك بشبهة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان مريضا فلم يدر أكلامه كان من وهج المرض كما يعرض للمريض أو كان من كلامه المعروف الذي يجب قبوله ؟
وكذلك ظن أنه لم يمت حتى تبين أنه قد مات ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة فلما رأى أن الشك قد وقع علم أن الكتاب لا يرفع الشك فلم يبق فيه فائدة ، وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه كما قال ” ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر “، وقول ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب الكتاب يقتضي أن هذا الحائل كان رزية وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق أو اشتبه عليه الأمر فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا الشك فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد . ” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 24 – 25 ) .
والله أعلم.


