عنده إشكال في الأعمال الموجبة للجنة أو النار؟
السؤال
حسب فهمي، فقد ورد في بعض الأحاديث أن (المسلم) إذا دعا (أو عمل أعمالا جيدة صغيرة) فإنه سيدخل الجنة، وورد في غيرها من الأحاديث أن (المسلم) إذا وقع في الشر، (ولو كان صغيرًا جدًّا) فإنه سيدخل النار.
السؤال:
ما سبب الاختلاف بين هذه الأحاديث؟ عندما أقرأ بعضها أقول بأني من ضمن أهل النار، وعندما أقرأ الأحاديث الأخرى أقول بأني – وبكل تأكيد – من ضمن أهل الجنة، فما هي الحقيقة هنا؟
الجواب
الحمد لله
لا تعارض بين الأحاديث التي قرأتَها؛ ذلك أن الأحاديث التي فيها الوعد بدخول الجنَّة لمن عمِل أعمالًا إنما هي بشرى له بالثواب والأجر الجزيل في الجنة، وهي كذلك ما لم يأتِ بناقضٍ لإسلامه وهو الردة والكفر المخرج من الإسلام وهو ما يسبِّب له حبط أعماله.
والأحاديث التي جاء فيها الوعيد بدخول النار إنما القصد منها العقوبة على فعله لهذه المعصية، فإن كان مسلمًا جاء بالتوحيد: فإنه لا يخلد في النار بل يعاقب على قدر معصيته إلا أن يعفوَ الله عنه أو يكون جاء بحسناتٍ ماحية كالصلوات الخمس والحج والصيام وغيرها.
ووعد الله تعالى لا يُخلف، ووعيد الله تعالى قد يُخلفه رحمةً وفضلًا منه سبحانه وتعالى، وعلينا جميعًا الحرص على الأعمال الصالحة والطاعات والبعد عن كل ما نهى الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأما قول القائل: ” من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ ” واحتجاجه بالحديث المذكور، فيقال له: لا ريب أن الكتاب والسنَّة فيهما وعد ووعيد، وقد قال الله تعالى: { إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنَّما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } وقال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا } { ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرًا }، ومثل هذا كثيرٌ في الكتاب والسنَّة، والعبد عليه أن يصدِّق بهذا وبهذا لا يؤمن ببعض ويكفر ببعض فهؤلاء المشركون أرادوا أن يصدقوا بالوعد ويكذبوا بالوعيد، والحرورية – أي: الخوارج – والمعتزلة: أرادوا أن يصدِّقوا بالوعيد دون الوعد وكلاهما أخطأ، والذي عليه أهل السنَّة والجماعة الإيمان بالوعد والوعيد فكما أن ما توعد الله به العبد من العقاب قد بيَّن سبحانه أنه بشروط: بأن لا يتوب فإن تاب تاب الله عليه، وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات وبألا يشاء الله أن يغفر له { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }، فهكذا الوعد له تفسير وبيان، فمن قال بلسانه: لا إله إلا الله وكذَّب الرسول: فهو كافر باتفاق المسلمين، وكذلك إن جحد شيئًا مما أنزل الله، فلا بد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول، ثم إن كان من أهل الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن ارتد عن الإسلام ومات مرتدًا: كان في النار، فالسيئات تحبطها التوبة، والحسنات تحبطها الردة، ومن كان له حسنات وسيئات فإن الله لا يظلمه بل من يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًّا يره، والله تعالى قد يتفضل عليه ويحسن إليه بمغفرته ورحمته، ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد في النار، فالزاني والسارق لا يخلد في النار بل لا بد أن يدخل الجنة، فإن النَّار يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمان، وهؤلاء المسئول عنهم يسمون: القدرية المباحية المشركين، وقد جاء في ذمهم من الآثار ما يضيق عنه هذا المكان، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 271 ، 272 ).
والله أعلم.


