هل يجيز الإسلام أي من الألعاب التي تؤدي إلى كسب المال؟

السؤال

أريد أن أعرف ما إذا كان الإسلام يجيز أي من الألعاب المتعلقة بالمال، وأسأل بالخصوص عن “هوسي” وهي لعبة رأيت الناس يلعبونها عن طريق وضع علامات على بعض الأرقام، أرجو أن تبين لي؟

الجواب

الحمد لله

لا يخرج جواب السؤال عن صورتين – حيث لم يتضح لنا مقصود السائل عينا -:

– الصورة الأولى: اللعب بأي لعبة كانت مقابل المال.

– والصورة الثانية: اللعب بألعاب خاصَّة يستعمل فيها اللاعبون الأوراق النقدية – المال – المصورة كلعبة البنوك والصرف المالي وغيرها.

أولا:

الصورة الأولى:

وهي أن يقوم متسابقان – أو أكثر – في تنافس على شيءٍ معيَّنٍ وتكون هناك جائزة ماليَّة لمن سبَق منهما، ويمكن أن تكون الجائزة المالية منهما ويمكن أن تكون من طرفٍ خارجٍ عنهما.

– وقد اتفق العلماء على جواز دفع المال من طرفٍ خارج عن السباق لمن يسبق.

– واتفقوا على جوازه إن كان المال من أحدهما، كأن تكون المسابقة بين اثنين أو بين فريقين ويخرج العِوض – المال – أحد الجانبيْن المتسابقيْن فيقول أحدهما لصاحبه : إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي عليك.

– واختلفوا فيما لو كان المال من الطرفيْن، فيدفع هذا ويدفع هذا ويأخذ السابق المال كله، فذهب الجمهور إلى حرمة هذا الفعل وعدُّوه رهاناً محرَّماً إلا بإدخال طرفٍ ثالثٍ وهو ” المحلِّل “، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله – إلى جواز هذا الفعل.

وقد ألَّف ابن القيم رحمه الله في جواز هذا الأمر كتابه ” الفروسيَّة ” انتصر فيه لترجيحه وردَّ على الجمهور أدلتهم واستدلالاتهم.

– وقد لخَّص ابن القيم سبب ترجيحه بما يلي:

أ. لأنَّ الأصل في العقود والمعاملات على الحِلِّ حتى يقومَ الدليلُ من كتابِ الله أو سنَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على تحريمِ شيءٍ منها.

ذَكَرَ بعضُ الفقهاء أنَّ دخولَ “المحلِّل” بين المتسابِقَيْن – ولو كان البذلُ منهما دونه- يجوِّز هذه الصورة!  وقد قال صلى الله عليه وسلم “لا سَبَقَ – (أي:  لا عِوَضَ) – إِلاَّ في خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ – رواه أبو داود ( 2574 ) والترمذي ( 1700 ) وقال: هذا حديث حسن، والنسائي ( 6 / 226 ) وابن ماجه ( 2827 ) دون ذكر “النصْل”،  قال الحافظ ابن حجر:  وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد. أ.ه‍‏‍ “التلخيص الحبير” (4/161)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في “الإرواء”(5/333) – ” ولو كان “المحلِّلُ” شرطاً لكان ذكرُه أهمَّ مِن ذكرِ محالِّ السباق.

ب. ولو كان إخراج “العوض” أو “الجائزة” من المتراهنيْن حراماً وهو قمارٌ:  لما حلَّ بالمحلِّل – الذي هو أشبه ما يكون بِالتَّيْس المستعار في النكاح – فإنَّ هذا المحلِّل لا يُحلِّل السَبق الذي حرّمه الله ورسوله، ولا تزول المفسدة التي في إخراجه بدخوله، بل تزيد، فإن كان العقد بدونه قماراً، فهو بدخوله قمارٌ أيضا.

جـ. ولأنَّه ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صارع “ركانة” فصرعه صلى الله عليه وسلم -ثلاثاً- وفي كلِّ مرَّةٍ يكون قد دفع كلُّ واحدٍ منهما شاةً، ثم أسلم “ركانة” رضي الله عنه، وردّ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم غنَمَه، وهذا الحديث قال الشيخ الألباني رحمه الله:  أخرجه البيهقي ( 10 / 18 ) – من مرسل سعيد بن جبير-…  ثم روي موصولاً…  فهذا الإسناد أقل أحواله عندي أنه حسن “الإرواء” ( 5 / 331 ).

وبعض العلماء يسلِّم بصحة هذا الحديث، لكنه يردُّ الاستدلال به بقوله : إن هذا قبل تحريم القمار”.‍

والرد: أن العلمَ بالتاريخِ متعذِّرٌ أو متعسِّرٌ، ودعوى النسخ لا تُسمع إلا بدليلٍ .

د. لم تكن عادةُ العربِ وغيرِهم وإلى الآن أنْ يَبذُل ” السَبَق ” أحدُ المتغالبيْن وحده، وإنَّما المعروف من عادات الناس: التراهنُ من الجانبين، وقد جُعل في طباعهم وفِطرتِهم أنَّ الرهنَ مِن أحدِ الجانبيْن، قمارٌ وحرامٌ، والنفس تحتقر الذي لم يبذل وتزدريه وتعدُّه بخيلاً شحيحاً مهيناً.

ودليل الجمهور على المحلِّل هو حديث أبي هريرة ” من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق، فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار”. رواه أبو داود ( 2579 ) وابن ماجه ( 2876 ). والحديث ضعيف، وقد ذكر أبو داود أنه منقطع، وأعلَّه أبو حاتم الرازي وذكر أنه يشبه أن يكون من قول سعيد بن المسيب. انظر ” علل الحديث ” لابن أبي حاتم ( 2 / 252 ).

تنبيه: 

إن هذا الحكم في الرهان – يعني:  من المتسابقيْن – إنما هو للمحبوبِ المرضيِّ لله ورسولِه، والمعين على تحصيل محابِّه كالسباق بالخيل والإبل والرمي بالنَّشاب، أو للمباح كالسباق على الأقدام والسباحة والصراع، لا للمبغوضِ المسخوطِ لله ورسوله كالنَّرْد والشطرنج وما أشبههما.

انظر “الفروسية ” (ص 86 ، 98 ، 165 ، 204 ).

ثانيا:

وأما الصورة الثانية:

وهي استعمال الأوراق النقدية في الألعاب، فالظاهر أنها لا تجوز والحالة هذ؛، لأن هذا أشبه ما يكون بالنرد وهي التي يُبنى اللعب فيها على الحظ، وقد ورد النص بتحريمها.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وتحريم النرد ثابت بالنص، كما في السنن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ” وقد رواه مالك في الموطأ.

وروايته عن عائشة رضي الله عنها أنه بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا لها عندهم نرد، فأرسلت إليهم إن لم تخرجوها لأخرجكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم.

ومالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر: أنه كان إذا وجد من أهله من يلعب بالنرد ضربه وكسرها.

وفي بعض ألفاظ الحديث: عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت عنده فقال: ” عصى الله ورسوله من ضرب بكعابها يلعب بها “، فعلق المعصية بمجرد اللعب بها، ولم يشترط عوضا بل فسر ذلك بأنه الضرب بكعابها.

وقد روى مسلم في صحيحه: عن أبي بريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه “، وفي لفظ آخر: ” فليشقص الخنازير “، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح اللاعب بها كالغامس يده في لحم الخنزير ودمه، والذي يشقص الخنازير، يقصبها ويقطع لحمها كما يصنع القصاب، وهذا التشبيه متناول اللعب بها باليد، سواء وجد أكل أو لم يوجد، كما أن غمس اليد في لحم الخنزير ودمه وتشقيص لحمه متناول  لمن فعل ذلك سواء كان معه أكل بالفم، أو لم يكن فكما أن ذلك ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل مال بالباطل.  ” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 462 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة