حكم الدف، وما يتعلق به من ضوابط.
السؤال
سؤالي عن آلة المعازف المسماة بـ “الدف”، هذه كما أعتقد هي الآلة الموسيقية الوحيدة الحلال التي يمكن للمسلمين أن يستمعوا لها، وقرأت قريبا أن هناك محظورات أو قيودا في الاستماع لها، مثلا أن النساء فقط هن من يمكنهن الاستماع لها، وأنها يجب أن يدق عليها في الأفراح والأعياد فقط وأنها في كل ما عدا ذلك حرام، والمواضع التي قرأت فيها هذا الكلام لم تأت بأية أدلة، فهل هذه المحظورات صحيحة؟ وهل هناك محظورات أخرى؟
– جزاك الله خيرا على جهودك ورزقك الفردوس، آمين.
الجواب
الحمد لله
أولا:
الأحاديث الواردة في ضرب الدف جاءت في ثلاث مواطن: العيد، والعرس، وقدوم الغائب وما في معناه.
– وهذه أدلتها مرتبة:
أ. عن عائشة أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام مِنى تدففان وتضربان، والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد، وتلك الأيام أيام منى. رواه البخاري ( 944 ) – واللفظ له – ومسلم ( 892 ).
ب. عن الربيِّع بنت معوذ بن عفراء جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بُني علي، – أي: دُخل عليها في الزواج – فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين. رواه البخاري ( 4852 ).
ج. عن بريدة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرتُ إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنَّى، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنتِ نذرتِ فاضربي وإلا فلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليَّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت إستها، ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إنِّي كنتُ جالساً وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف. رواه الترمذي ( 3690 )، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
ولا نرى – والله أعلم – أنه لا يجوز لهن ضرب الدف في غير هذه المواطن، وهذه المواطن لم تأت للتخصيص، بل فيها بيان الجواز، ومن مواطنه ما سبق ذكره، ويجوز في غيره من المواطن المباحة.
ثانيا:
والصحيح أنه لا يجوز ضرب الدف إلا من قِبَل النساء، ولم يُعرف ضربه من الرجال، فمن فعل منهم فقد وقع في التشبه بهن وهو من الكبائر.
– قال شيخ الإسلام رحمه الله: وبالجملة قد عرف بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لصالحي أمَّته وعبَّادهم وزهَّادهم أن يجتمعوا على استماع الأبيات الملحنة مع ضرب بالكف أو ضرب بالقضيب أو الدف، كما لم يبح لأحدٍ أن يخرج عن متابعته واتِّباع ما جاء به من الكتاب والحكمة، لا في باطن الأمر ولا في ظاهره، ولا لعامِّي ولا لخاصِّي.
ولكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أنواعٍ من اللهو في العرس ونحوه، كما رخَّص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح، وأمَّا الرجال على عهده فلم يكن أحدٌ منهم يضرب بدفٍّ ولا يصفِّق بكفٍّ، بل قد ثبت عنه في الصحيح أنَّه قال: ” التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال ” و ” لعن المتشبِّهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء “.
ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف مِن عمل النساء كان السلف يسمُّون من يفعل ذلك من الرجال مخنَّثاً ويسمُّون الرجال المغنِّين مخانيثاً، وهذا مشهورٌ في كلامهم. ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 565 ، 566 ).
وقال ابن حجر: والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن. ” فتح الباري ” ( 9 / 226 ).
– وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
وإنما الرخصة لهن في استعمال الدف خاصة، أما الرجال فلا يجوز لهم استعمال شيء من ذلك لا في الأعراس ولا في غيرها، وإنما شرع الله للرجال التدرب على آلات الحرب كالرمي وركوب الخيل والمسابقة بها وغير ذلك.
” مجلة الجامعة الإسلامية ” بالمدينة النبوية، العدد الثالث، السنة الثانية محرم 1390 هـ ص 185 ، 186.
– و قال أيضا – رحمه الله -:
أما الزواج فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد الذي ليس فيه دعوة إلى محرم ولا مدح لمحرم في وقت من الليل للنساء خاصة لإعلان النكاح والفرق بينه وبين السفاح كما صحت السنة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ” التبرج وخطره “.
والله أعلم.


