مفهوم خاطئ حول العبودية والرّق، ولماذا لم يستأصلها الإسلام؟

السؤال

هناك فهم خاطئ للعبودية بين المسلمين في البلاد العربية ، عندما ناقشت صديقاً غير مسلم ، سألني لماذا لم يستأصل النبي صلى الله عليه وسلم العبودية ؟ وهل كانت تُشجع العبودية سراً؟ أرجو التوضيح.

الجواب

الحمد لله

  1. الرق أو العبودية كان معروفاً منتشراً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد عرفته الأمم السابقة، وكان مشروعاً في القوانين الوضعية والدينية لتلك الأمم.
  2. وكان من أسباب الرق عندهم : الأسر في الحرب ، والأسر في غارات القبائل ، ورق البيع والشراء ،ورق العاجز عن الوفاء بالدين ، ورق الفاعل للمعصية كالسرقة .
  3. فالرق إذن ليس منشؤه الإسلام ، بل لم يكن مشروعاً في أول أمر الإسلام ، حيث لم يكن الجهاد قد شرع .
  4. وقد حصر الإسلام مصادر الرق التي كانت قبل الرسالة المحمدية في مصدر واحد وهو : رق الحرب الذي يفرض على الأسرى من الكفار .
  5. وسبب الملك بالرق هو الكفر ، ومحاربة الله ورسوله ، فإذا أقدر الله المسلمين المجاهدين الباذلين مهجهم وأرواحهم على الكفار : جعلهم الله ملكاً لهم بالسبي .
  6. وحتى هذا المصدر ، فإنه حتى يتم لا بد من توفر شروط ، فليس كل أسير حرب يسترق، أما المؤمن فيمتنع استرقاقه لإيمانه ، سواء كان من الطائفة المعتدية أم من المعتدى عليها ، وأما الكافر فينبغي أن تكون الحرب شرعية ، فمن قاتل معاهِداً أو ذمياَ وأسر منهم أحداً : فإنه لا رق لأنها حرب غير شرعية .
  7. وهذا الحكم من أعدل الأحكام وأوضحها وأظهرها حكمة : وذلك أن الله جلَّ وعلا خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ، وأنعم سبحانه عليهم نِعَمه ظاهرة وباطنة ؛ فتمرَّد الكفار على ربهم وطغوا وعتوا ، وأعلنوا الحرب على رسله لئلا تكون كلمته هي العليا ؛ فعاقبهم الحَكَم العَدْل اللطيف الخبير جل وعلا عقوبة شديدة تناسب جريمتهم ، فسلبهم التصرف ، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات ، فأجاز بيعهم وشراءهم ، وغير ذلك من التصرفات المالية .
  8. ومع هذا فإن الشرع الإسلامي الحنيف لم يسلبهم حقوق الإنسانية سلباً كليّاً ، فقد أوجب على مالكي الرقيق الرفق والإحسان إليهم ، وأن يطعموهم مما يطعمون ، وأن يكسوهم مما يلبسون ، وأن لا يحملوهم ما لا يطيقون ..الخ وهذا ما لا يوجد في أي شريعة أو قانون وضعي .
  9. وقد تشوف الشارع تشوفاً شديداً للعتق والإخراج من الرق ، فأكثر من أسباب ذلك، ومنها:
  • جعل الله تعالى عتق الرقبة في الكفارات المتعلقة بالقتل الخطأ ، والظهار ، والحنث في اليمين ، وإفساد صوم رمضان ، وغبرها .
  • المكاتبة : وهي تخليص العبد نفسه بشيء يدفع لسيده ليتخلص به من الرق ، وقد ندب الله تعالى إلى هذا، فقال { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً } [النور33].
  • زواج الأحرار من الإماء : فإذا أنجبت الأمَة صار أولادها أحراراً تبعاً لأبيهم .
  • جعل الإسلام من مصارف الزكاة نصيباً للعبيد لتخليصهم من الرق ، قال تعالى { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي الرقاب } [ التوبة 60 ] .
  • الحث على عتق الرقاب : وقد وعد الله تعالى بعتق المعتِق عبداً من الرق بالعتق من نار جهنم .

10 . ومن نظر في معاملة المسلمين لعبيدهم ، ومعاملة الكفار لا نقول للعبيد بل للأحرار من قتلهم وتشريدهم وتعذيبهم : علم مدى الفرق بين الأمرين ، وإننا لنجزم أنه لو عرف بعض الكفار معاملة الشرع للعبيد لتمنى أن يكون عبداً في الإسلام من أن يكون حرّاً عند غيرهم ، وسنضرب مثلين  لصحابييْن جليلين وهما عمر وأبو ذر رضي الله عنهما :

*  أما عمر رضي الله عنه فقد تناوب مع غلامه ركوب الناقة في ذهابه إلى بيت المقدس ، بعد فتحها بجيش أبي عبيدة بن الجراح .

*  وأما أبو ذر فقد كسا غلامه بردة ، ولبس هو الشق الثاني ، فلما رآه أصحابه ، قالوا لو جمعتَ بينهما كانت حُلَّة .. فروى لهم ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم من الوصية بمعاملة العبيد وفيها قوله صلى الله عليه وسلم ” أطعموهم مما تطعمون ، وألبسوهم مما تلبسون …” .  رواه البخاري ( 30 ) ومسلم ( 1661 ) .

– وانظر للاستزادة – ومنهما استفدنا – :

  1. ” أضواء البيان ” للشنقيطي 3 / 387 – 389 .
  2. و ” عوارض الأهلية عند الأصوليين ” للدكتور حسين الجبوري .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة