الحجاب أثناء الاستحمام والنوم
السؤال
ما هي الأمور التي علينا أن نفعلها وتلك التي علينا أن نتجنبها في وقت المغرب؟ مثلا: هل صحيح أن على الشخص أن يضيء الأنوار؟ أعلم بأنه لا يجوز أن أخرج من البيت دون أن أغطي رأسي، لكن ماذا عن الاستحمام؟ وماذا إن كنت نائمة؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا نعلم شيئًا يجب على المسلم تركه وقت المغرب – ولا نظن أن السؤال عن صلاة المغرب أو الإفطار للصائم -، وأما من حيث الفعل: فيجب كف الصبيان عن الخروج ويستمر المنع والكف إلى ما بعد العشاء، وكذا الأمر في المواشي.
عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا استجنح الليل – أو قال: جنح الليل – فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك، واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك –، واذكر اسم الله، وأوكِ سقاءك، واذكر اسم الله، وخمِّر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرُضُ عليه شيئًا. رواه البخاري ( 3106 ) ومسلم ( 2012 ).
وفي رواية للبخاري ( 3138 ) ” فإن للجن انتشارا وخَطفة “.
وفي رواية لهما بعد الأمر بإطفاء المصابيح: ” فإن الفويسقة – أي: الفأرة – تضرم على أهل البيت بيتهم “.
عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء؛ فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء “. رواه مسلم ( 2013 ).
قال النووي:
” الفواشي “: كل منتشر من المال كالإبل والغنم وسائر البهائم وغيرها، وهي جمع فاشية؛ لأنها تفشو، أي: تنتشر في الأرض.
و” فحمة العشاء ” ظلمتها وسوادها، وفسرها بعضهم هنا بإقباله وأول ظلامه، وكذا ذكره صاحب نهاية الغريب، قال: ويقال للظلمة التي بين صلاتي المغرب والعشاء: الفحمة، وللتي بين العشاء والفجر العسعسة. ” شرح مسلم ” ( 13 / 186 ).
قال ابن حجر:
قال ابن العربي: ظنَّ قوم أن الأمر بغلق الأبواب عام في الأوقات كلها، وليس كذلك، وإنما هو مقيد بالليل، وكأن اختصاص الليل بذلك لأن النهار غالبًا محل التيقظ بخلاف الليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان فإنه هو الذي يسوق الفأرة إلى حرق الدار. ” فتح الباري ” ( 6 / 357 ).
وقد أكد هذا المعنى الإمام ابن القيم رحمه الله في فائدة جليلة يحسن ذكرها ها هنا، قال:
سبب الاستعاذة من شر الليل:
والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل وشر القمر إذا وقب: هو أن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة، وفيه تنتشر الشياطين، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ” أخبر أن الشمس إذا غربت انتشرت الشياطين “، ولهذا قال: ” فاكتفوا صبيانكم واحبسوا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء “، وفي حديث آخر ” فإن الله يبث من خلقه ما يشاء “.
والليل هو محل الظلام، وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار؛ فإن النهار نور والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة وعلى أهل الظلمة …
ولهذا كان سلطان السحر وعظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار، فالسحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير، ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال الشياطين وبيوتهم ومأواهم، والشياطين تجول فيها وتتحكم كما يتحكم ساكن البيت فيه، وكلما كان القلب أظلم: كان للشيطان أطوع، وهو فيه أثبت وأمكن.
السر في الاستعاذة برب الفلق:
ومن هاهنا تعلم السر في الاستعاذة برب الفلق في هذا الموضع؛ فإن الفلق: الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كلَّ خبيث وكلَّ مفسد وكلَّ لص وكلَّ قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها، فأمر الله تعالى عباده أن يستعيذوا برب النور الذي يقهر الظلمة ويزيلها ويقهر عسكرها وجيشها، ولهذا ذكر سبحانه في كل كتابه أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور ويدع الكفار في ظلمات كفرهم، قال تعالى: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات }، وقال تعالى: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها }، وقال في أعمال الكفار: { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور }، وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم: { الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء }.
فالإيمان كله نور ومآله إلى نور ومستقره في القلب المضيء المستنير والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة.
والكفر والشرك كله ظلمة ومآله إلى الظلمات ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة فتأمل الاستعاذة برب الفلق من شر الظلمة ومن شر ما يحدث فيها ونزول هذا المعنى على الواقع يشهد بأن القرآن بل هاتان السورتان من أعظم أعلام النبوة وبراهين صدق رسالة محمد ومضادة لما جاء به الشياطين من كل وجه، وإن ما جاء به ما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون فما فعلوه ولا يليق بهم ولا يتأتى منهم ولا يقدرون عليه وفي هذا أبين جواب وأشفاه لما يورده أعداء الرسول عليه من الأسئلة الباطلة التي قصر المتكلمون غاية التقصير في دفعها وما شفوا في جوابها وإنما الله سبحانه هو الذي شفى وكفى في جوابها فلم يحوجنا إلى متكلم ولا إلى أصولي ولا أنظار فله الحمد والمنة لا نحصي ثناء عليه.
” بدائع الفوائد ” ( 2 / 445 – 447 ).
وقال النووي:
هذا الحديث فيه جمل من أنواع الخير والأدب الجامعة لمصالح الآخرة والدنيا، فأمر صلى الله عليه وسلم بهذه الآداب التي هي سبب للسلامة من إيذاء الشيطان، وجعل الله عز وجل هذه الأسباب أسباباً للسلامة من إيذائه فلا يقدر على كشف إناء ولا حل سقاء ولا فتح باب ولا إيذاء صبي وغيره إذا وجدت هذه الأسباب. ” شرح مسلم ” ( 13 / 185 ).
وقال أيضًا:
قوله صلى الله عليه وسلم ” فإن الشيطان ينتشر ” أي: جنس الشيطان، ومعناه: أنه يخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين لكثرتهم حينئذٍ. ” شرح مسلم ” ( 13 / 185 ).
وقال الحافظ ابن حجر:
قال ابن الجوزي: إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبًا، والذِّكر الذي يحرز منهم مفقود من الصبيان غالبًا، والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، فلذلك خيف على الصبيان في ذلك الوقت.
والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار؛ لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره وكذلك كل سواد، ولهذا قال في حديث أبي ذر: ” فما يقطع الصلاة؟ قال: الكلب الأسود شيطان ” أخرجه مسلم. ” فتح الباري ” ( 6 / 341 ، 342 ).
وقال القرطبي:
وقال القرطبي تضمن هذا الحديث أن الله أطلع نبيه على ما يكون في هذه الأوقات من المضار من جهة الشياطين والفأر والوباء وقد أرشد إلى ما يتقى به ذلك فليبادر إلى فعل تلك الأمور ذاكرا لله ممتثلا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم شاكرا لنصحه فمن فعل لم يصبه من ذلك ضرر بحول الله وقوته. ” فيض القدير ” ( 1 / 423 ، 424 ).
وإضاءة الأنوار ليست لازمة عند غروب الشمس إنما تفعل للحاجة إليها.
ثانيًا:
وأما الحجاب فلا تلزم المرأة به إلا عند خروجها من البيت، أو دخول أحدٍ من الأجانب عليها، وكشفه عند النوم مما لا بد منه، وكذا عند الاغتسال وذلك حتى يعم الماء جميع البدن.
ولا نعلم للمنع منهما أصلًا شرعيًّا، بل هو من التشدد الذي نهينا عنه.
والله أعلم.


