هل يجوز ترك واجب للدعوة ( مخالفات شرعية من بعض الداعيات ).
السؤال
هناك بعض الأخوات في الرياض يذهبون لحضور الحلقات من بعد المغرب وتستمر الحلقة إلى منتصف الليل وأحيانا حتى الواحدة صباحا، أغلب الأخوات متزوجات، بعض الأخوات يعدن للمنزل بسيارات الأجرة في هذا الوقت المتأخر من الليل.
هل يجوز هذا مع أن الغرض من الذهاب للحلقة هو طلب العلم؟
ما هي النصيحة التي يمكن أن أقدمها للداعية لجعل موعد هذه الحلقة في وقت أنسب للأخوات؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
أولا:
الأصل في المرأة بقاؤها في البيت امتثالا لقوله تعالى: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } [ الأحزاب / 33 ].
* قال القرطبي:
معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف على الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع.
” تفسير القرطبي ” ( 14 / 179 ).
عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان “. رواه الترمذي ( 1173 ) وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6690 ).
* قال المباركفوري:
” فإذا خرجت استشرفها الشيطان ” أي: زيَّنها في نظر الرجال، وقيل: أي نظر إليها ليغويها ويغوي بها، والأصل في الاستشراف: رفع البصر للنظر إلى الشيء وبسط الكف فوق الحاجب، والمعنى: أنّ المرأة يُستقبح بروزها وظهورها، فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ويغوي غيرها بها ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة، أو يريد بالشيطان: شيطان الإنس من أهل الفسق، سمَّاه به على التشبيه. ” تحفة الأحوذي ” ( 4 / 283 ).
* ومن ضوابط خروج المرأة:
1- أن يكون خروجها لضرورة.
2- أن يكون الخروج بإذن الزوج أو الولي من الأب أو الأخ.
3- اتخاذ الستر الحق عند الخروج وذلك بأن تستر جميع بدنها.
4- غض البصر.
5- ترك التعطر وإظهار الزينة.
6- عدم مخالطة الأجانب والاختلاء بهم.
ثانيا:
* وأما رجوع الأخوات في سيارات الأجرة: فهو لا يخلو من حالين:
– إما أن يكنَّ مجموعة – اثنتان فأكثر – يركبن معًا وينزلن معًا.
– وإما أن يكنَّ كذلك لكن تبقى واحدة منهن وحدها مع السائق أو تركب وحدها ابتداء.
فأما الأول: فليس فيه محذور من حيث الخلوة، لكن الأمر لا يخلو من فتنة، والنساء ضعيفات، وقصص الذئاب مع النساء كثيرة، فيخشى أن يقع ما لا تحمد عقباه من مثل هذه الأحوال، بالإضافة إلى أن هذا الأمر قد يسبب طعنا في هؤلاء الأخوات عندما يراهم الناس وخاصة الجيران قد رجعوا آخر الليل مع سيارة أجرة ورجل أجنبي، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنّها صفية ” لبعض من رآه مع زوجته عندما زارته في معتكفه قطعا للظنون والأوهام التي قد يسربها الشيطان لعقل وقلب من يرى منظرا كهذا، فكيف ستدفع الأخت عن نفسها هذا في أمر متكرر؟.
وأما الأمر الثاني: فهو خلوة ولا شك:
* قال الشيخ محمد بن إبراهيم:
لم يبق شك في أن ركوب المرأة الأجنبية مع صاحب السيارة منفردة بدون محرم يرافقها منكر ظاهر, وفيه عدة مفاسد لا يستهان بها، سواء كانت المرأة خفرة أو برزة، والرجل الذي يرضى بهذا لمحارمه ضعيف الدين، ناقص الرجولة, قليل الغيرة على محارمه، وقال صلى الله عليه وسلم ” ماخلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما “، وركوبها معه في السيارة أبلغ من الخلوة بها في بيت ونحوه؛ لأنه يتمكن من الذهاب بها حيث يشاء في البلد أو خارج البلد طوعًا منها أو كرها, ويترتب على ذلك من الفاسد أعظم مما يترتب على الخلوة المجردة …. ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 553 ).
* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:
لا يجوز ركوب المرأة مع سائق ليس محرما لها وليس معهما غيرهما؛ لأنّ هذا في حكم الخلوة، وقد صحَّ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قد قال: ” لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعهما ذو محرم “، وقال – صلى الله عليه وسلم -: ” لا يخلو رجل بامرأة فإنّ الشيطان ثالثهما “، أما إن كان معهما رجل آخر أو أكثر أو امرأة أخرى فلا حرج في ذلك، إذا لم يكن هناك ريبة؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر، وهذا في غير السفر، أما في السفر فليس للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ” متفق على صحته، ولا فرق بين كون السفر من طريق الأرض أو الجو أو البحر، والله ولي التوفيق.
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 556 ).
* وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين:
أقول وأنا كاتبه محمد بن صالح العثيمين أنه لا يجوز للرجل أن ينفرد بالمرأة الواحدة في السيارة إلا أن يكون محرَما لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم “، أما إذا كان معه امرأتان فأكثر: فلا بأس؛ لأنّه لا خلوة حينئذ بشرط أن يكون مأمونا، وأن يكون في غير سفر، والله الموفق. ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 555 ).
والخلاصة: لا نرى أن ما تفعله الأخوات مشروعا، وقد سبق تفصيل ذلك ، وإذا كان لا بدَّ من لقاء بين الأخوات فليكن مقتصرا على الضروري منه، ولا بدَّ أن يكون خاليا من محرَّم – كالاختلاط أو الخلوة مع الأجنبي – أو شبهة – كالخروج ليلا ولوقت طويل -.
وعلى من كان بيدها تغيير الحال التي عليها الأخوات أن تسارع إلى موافقة الشرع في الاجتماع واللقاء.
والله أعلم.


