متزوجة من مسلم وترغب بالتعرف على الإسلام وما فيه من تكاليف شرعية
السؤال
إنني متزوجة من رجل مسلم ، وهو يعبد الله طوال اليوم بسبب فقدانه لأبيه مؤخراً ، فهو يصلي الصلوات الخمس ويتلو القرآن ويذهب للمسجد ، وقد جعلني هذا أهتم كثيراً في تعلم المزيد عن هذا الدين ، أعتقد أنه دين جميل وأريد تعلم ما أستطيع منه ، والسؤال الأهم عندي هو – والذي يجد زوجي مشكلة في الرد عليه – : لماذا يوجد تغير كبير في القرآن ؟ فهناك الكثير من التفاصيل في الحياة اليومية فالمرأة – على سبيل المثال – تغطي نفسها وتصلي خمس صلوات في اليوم وتصوم رمضان ، إذا كان الله يريد منا أن نقوم بذلك فلماذا لم يسألنا في البداية أن نقوم بذلك منذ أن أرسل أول نبي؟.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله أن يرحم والد زوجك وأن يسكنه الجنة ونسأله تعالى أن يُعظم لابنه الأجر وأن يصبِّره على ما أصابه ، ومع شعورنا بالتأثر تجاه موت والد زوجك إلا أننا – في الوقت نفسه – سعدنا بما ترتب على هذا الموت من شيئين عظيمين :
الأول : أن ابنه – زوجك – قد ازداد قرباً من ربِّه تعالى بما يؤديه من عبادات وطاعات ، وهذه فرصة له ليتفكر في قيمة الحياة وحقيقتها وأنها لا تدوم لأحد ، وأن العبرة بما يأتي من أحوال في الحياة الأخروية فهناك السعادة والشقاء الأبديين .
الثاني : أنَّ حال زوجك بعد وفاة والده جعلك تهتمين لأمر الإسلام والسؤال عنه وأدى بك هذا لمراسلتنا ، وهذا أمر عظيم نسأل الله أن تكون خاتمته خيراً لك في دنياك وآخرتك .
ثانياً:
والأمر على ما ذكرتِ من جمال هذا الدين وموافقة أحكامه لما فيه صلاح الدنيا بأفرادها ومجتمعاتها ، ويكفي هذا الدين جمالاً ما يدعو إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ، وأنه تعالى وحده المستحق لأن يُعبد لما له من صفات الجلال وجميل الأفعال ، والذين يحققون هذا الأمر في نفوسهم هم أسعد الناس في هذا الدنيا ، فلا يصيبهم اكتئاب ولا قلق ولا اضطراب بل هو اليقين يُغرس في قلوبهم غرساً فيُحدث ذلك طمأنينة وسعادة لا تشترى بمال الدنيا ، وها هم الذين كانوا يعيشون في ظلمات الكفر والشرك يتحدثون عن أنفسهم كم هم فرحون ، وعن قلوبهم كم هي سعيدة مطمئنة ، وإن أول تغيير في حياتهم قد بدأ بنطقهم بكلمة التوحيد ” أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمَّداً رسول الله ” ، ونحن نحب لك الخير – يعلم الله – ومن هذا المنطلق فإننا ندعوك للمسارعة بالانتقال لحياة السعادة والاطمئنان ، وإن فعلتِ ذلك أتمَّ الله عليك فرحتك ليس في الدنيا فحسب بل وفي الآخرة كذلك ؛ لما يترتب على دخولك في الإسلام من الاجتماع بزوجك في الآخرة في جنان الخلد ، ولعلكِ تعلمين أن الاختلاف في الدين لا يَجمع بين أصحابه في تلك الجنان بل سيكون مصيرهم الافتراق عندها ولا بدَّ ، فأي شعور ستكونين عليه يوم يجمع الله تعالى بينك وبين زوجك وأولادك في دار كرامته ؟! هذا هو الربح الحقيقي ، وإن الخسارة كل الخسارة هو لمن خسر نفسه وأهله يوم يلقى ربَّه تعالى وهو على غير التوحيد.
ثالثاً:
ومما يجب عليك العلم به : أن رسل الله تعالى عليهم السلام جميعاً كانوا على اعتقاد واحد وهو إثبات الوحدانية لله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله ، وأن وحده المستحق لأن يُعبد ، وكان هذا هو أساس دعوتهم جميعاً لأقوامهم ، قال تعالى ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ) النحل/ 36 ، وأما الشرائع فهي مختلفة في تلك الرسالات فليس كل واجب أو محرم في واحدة منها هو كذلك في سائرها ، وقد قال الله تعالى ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) المائدة/ 48 ، وأكَّده رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله ( الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ) رواه البخاري ( 3259 ) ومسلم ( 2365 ).
معنى عَلاَّت : الضرائر ، وقد شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وإخوانه الأنبياء كالأخوة من أب واحد و أمهات شتى ، فالدين واحد – وهو عبادة الله وحده لا شريك له – وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات.
والشرائع السماوية ليس فيها شريعة تصلح أحكامها لكل البشر وإلى آخر الزمان ؛ لأن كل شريعة كانت تختص بقوم معينين ولا تلزم غيرهم ممن أرسل إليهم رسول آخر بشريعة أخرى ، وأما النسخ وتغيير الأحكام فهو غير مستنكر في الشرائع السماوية السابقة ، فقد حصل نسخٌ في الشريعة الواحدة في الأديان السماوية السابقة ، ومن أظهر الأمثلة نسخ الأمر بذبح إبراهيمم عليه السلام لابنه إسماعيل ، كما أنه قد حصل نسخ من الشرائع االاحقة للسابقة لها ، ومن أظهر الأمثلة على ذلك ما حصل من نسخ بعض شرائع التوراة بالإنجيل ، وفي ذلك يقول تعالى – على لسان عيسى عليه السلام لبني إسرائيل – ( وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) آل عمران/ 50 ، وعليه : فلا يُتعجب من نسخ القرآن لما سبق من أحكام جاءت في الشرائع السماوية السابقة ؛ لأنه كتاب الناس جميعاً ، وفي ذلك يقول الله تعالى ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الأعراف/ 157 ، وإذا علمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافَّة لزم على كل فرد مكلَّف أن يتبع شرعه ويلتزمه وأن ما عليه من دين فإن الله تعالى لا يقبله منه ؛ لأنه مأمور باتباع هذا الرسول ، قال تعالى ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) الأعراف/ 158 ، ولذا كان من لقي الله تعالى ربَّه بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بدينٍ غير دين الإسلام فلن يقبله الله تعالى منه ، قال تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران/ 85.
وقد حصل في شرعنا المطهَّر نسخ في الأحكام ، وبالتأمل في أسباب هذا النسخ أنه لزيادة الأجور والثواب كما حصل في نسخ صوم عاشوراء بصوم شهر رمضان ، أو للتخفيف على المسلمين كما حصل في نسخ الامتناع عن الطعام والشراب والجماع لمن نام بعد المغرب في رمضان فنسخ بجواز ذلك كله من المغرب إلى الفجر ، ولا شك أن للنسخ حكماً بالغة عند التأمل في جميع ما نسخه الله تعالى منها .
واعلمي أنه ثمة أحكام ومسائل غير قابلة للنسخ لا في الشريعة نفسها ولا في الشرائع بعضها لبعض ، ومن ذلك : مسائل إقامة التوحيد ونفي الشرك ، قال تعالى ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ) الشورى / 13 ، ومنها : مسائل الأخلاق كالصدق والأمانة والعفاف ؛ فهذه المسائل والأحكام غير قابلة للنسخ ، بل اتفقت عليها الشرائع السماوية كلها من حيث الجملة ، ولا يضر الاختلاف في تفاصيلها ، ولباس المرأة الساتر وحشمتها من ذلك الذي اتفقت عليه الشرائع السماوية ، ومخالفة ذلك من قبَل النساء المسلمات وغيرهن إنما سببه أنفسهن لا ما جاءت به شرائعهم ، ومع اعتقادنا بوجود تحريف في الكتب السماوية السابقة إلا أن يد المحرفين لم تطل كل حرفٍ من تلك الكتب بل قد بقي منها جملٌ وحروف هي في غالبها حجة على أصحابها ، وإليك بعض نصوص ” الكتاب المقدس ” في شأن لباس المرأة لتعلمي أن هذا الأمر قد أوحى الله تعالى به لجميع رسله الكرام عليهم السلام :
- جاء فيرِسَالَة بُولُسَ الأُولَى إِلَى أَهْلِ ” كورونثوس ” الإِصْحَاح الْحَادِي عَشَر :
” وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغَطّىً فَتَشِينُ رَأْسَهَا لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ . 6 إِذِ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ لاَتَتَغَطَّى فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا . وَإِنْ كَانَ قَبِيحاً بِالْمَرْأَةِ أَنْتُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ فَلْتَتَغَطَّ . 7 .” ترجمة فاندايك ” .
- وجاء فيالرسالة الأولى إلى ” تيموثاوس ” ( 2 : 9 ) :
كَمَا أُرِيدُ أَيْضاً . أَنْ تَظْهَرَ النِّسَاءُ بِمَظْهَرٍ لاَئِقٍ مَحْشُومِ اللِّبَاسِ . مُتَزَيِّنَاتٍ بِالْحَيَاءِ وَالرَّزَانَةِ . غَيْرَ مُتَحَلِّيَاتٍ بِالْجَدَائِلِ وَالذَّهَبِ وَاللَّالِيءِ وَالْحُلَلِ الْغَالِيَةِ الثَّمَنِ . ” ترجمة كتاب الحياة ” .
- وجاء في الإصحاح الرابع والعشرين من ” سفر التكوين ” العدد 63:
وَخَرَجَ إِسْحَاقُ لِيَتَأَمَّلَ فِي الْحَقْلِ عِنْدَ إِقْبَالِ الْمَسَاءِ فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا جِمَالٌ مُقْبِلَةٌ .64 وَرَفَعَتْ رِفْقَةُ عَيْنَيْهَا فَرَأَتْ إِسْحَاقَ فَنَزَلَتْ عَنِ الْجَمَلِ . 65 وَقَالَتْ لِلْعَبْدِ : ” مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الْمَاشِي فِي الْحَقْلِ لِلِقَائِنَا ؟ ” فَقَالَ الْعَبْدُ : هُوَ سَيِّدِي . فَأَخَذَتِ الْبُرْقُعَ وَتَغَطَّتْ . ” ترجمة فاندايك ” .
– مستفاد من بحث ” الحجاب والنقاب في الكتاب المقدس ” للأخ أحمد المنسي .
وأمر الله تعالى المسلمة بلبس الساتر من الثياب ليس فيه ما يضيرها ، بل تلك الثياب الساترة تقطع أطماع الذئاب البشرية فيها ، وهي علامة واضحة أنها ليست رخيصة لتبذل لحمها لكل من يريد أن ينظر .
ومما لا شك فيه أن شريعة الإسلام شريعة سمحة ، وفيها اليسر ، وليس فيها تكليف بما لا يطاق ، ويسقط الواجب فيها بالعجز عنه ، وليس فيها أمر ولا نهي إلا وهو في مقدور العباد ، وفي أحكام الإسلام صلاح البلاد والعباد .
والإنسان مخلوق في هذه الدنيا لغاية شريفة نبيلة هي أن يعبد الله وحده لا شريك له ، ويجب على كل مكلَّف أن يحقق هذه الغاية في حياته ، وما يأمر الله تعالى به من أوامر كالصلاة والصيام وبرِّ الوالدين والحجاب والصدق والعفاف كل ذلك يجعل فاعل ذلك محققا لتلك الغاية النبيلة التي خُلق من أجلها ، والصلاة أجلُّ العبادات البدنية فيها يتصل المرء مع خالقه ويناجيه ويذل نفسه له بالركوع والسجود اعترافاً منه بإلهية الرب سبحانه وتعالى واستحقاقه لتلك العبادة الجليلة ، وتتنوع الصلاة بين اليوم والليلة وتتنوع بعدد ركعاتها وتتنوع بأن منها ما هو جهري وما هو سري ؛ لحكم جليلة عظيمة منها بقاء العبد متصلا مع ربه في يومه وليلته ، ومنها عدم تطرق السآمة والملل للعبد في طاعته لربه حين يقيم الصلاة .
ونحن ندعوك إلى الاطلاع على زاوية ” تعرف على الإسلام ” في موقعنا هذا ، وستجدين إن شاء الله فيه أجوبة على ما لعله يخطر على بالك حول الإسلام ، شاكرين لك ثقتك بنا ، داعين لك بأن يهديك الله لما يحب ويرضى منك ، والله يحفظك ويرعاك .
والله أعلم.


