كيف يواجه المسلم ما يراه من فساد في بلده؟
السؤال
أود أن أسألكم عما يجب على مسلمي ” زيمبابوى ” القيام به ، خاصة في ظل الفساد القائم ، حيث لا يسمح لهم بممارسة دينهم ، ويصعب مغادرة البلد ، خاصة مع كل هذا الفساد .
– برجاء تقديم النصح .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
لا يَخْفى على أحد أنَّ الفساد قد عمَّ أرجاء الأرض، وما نسمعه ونشاهده ونقرؤه يؤكِّد هذا ويوثقه، وأحيانًا بالصوت والصورة.
فالظُّلم والقَهْر والسجن والتعذيب، والاختلاس والنهب لثروات البلاد، والقوانين الجائرة التي تَحْكم العباد، ويُضاف إليه: الكذب والتبرج والعُرْي والزنا وقطيعة الرَّحِم وعقوق الوالدَيْن -في قائمة يطُول ذِكْر تفاصيلها ولَمْ تَعُد خافية على أحد- :
كلّ ذلك يراه المسلم ويعلم وجوده، ويختلف ذلك بالطَّبْع مِن بلد لآخر، لكنَّ الفساد مِن حيث العموم لا يُنكر وُجُوده إلا مُفسد يريد التغطية على جوانب فساده، ويشترك في ذلك الفَسَاد: الحُكَّام والمحكومون، وليس الفساد مُقتصِرًا على الحكومات فقط.
يعيش المسلم هذا الواقع ، ولا يستطيع غض الطرف عنه ، وفي الغالب يكون ضعيفاً لا يملك إمكانات يغيِّر بها ذلك الواقع الأليم ، لكن هذا غير مُعذره في تقديم كل ما يستطيع من أجل إصلاح واقعه ، وهداية الناس ، ورفع الظلم ، بالقدر الذي يستطيعه.
ثانياً:
وليُعلم أن ” الفساد ” في الأرض هو من صفات اليهود ، والمنافقين ، والكفار ، وقد ذمَّ الله تعالى الفساد ، وتوعد أهله ، في كتابه الكريم :
قال تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) البقرة/ 204 ، 205 .
وقال تعالى – في شأن اليهود – : ( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) المائدة/ من الآية 64 .
ومن المعلوم أن التعلق بالكرسي والملك والحكم هو أبرز أسباب فساد الحكام ، وأن المال هو أبرز أسباب المحكومين ، ومما يدل على ذلك : فساد فرعون ، وقارون:
قال تعالى : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) القصص/ 4 .
وقال تعالى : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) القصص/ 77 .
ثالثاً:
ومما يجب على المسلم تجاه الفساد والمفسدين عموماً :
- أن يبين لهم أن الفساد في الأرض هو من الصفات الذميمة المبغوضة ، وهي من صفات المنافقين واليهود والكفار ، وقد سبق بيان ذلك .
- أن يذكِّر المسلم بالعقوبات المترتبة على الفساد والإفساد في الأرض ، وأن الله تعالى قد يعجل بالعقوبة لهم قبل لقائه تعالى ، وأنه إن كان الظلم من فسادهم فإن التعجيل حاصل ولا ريب في الدنيا قبل الآخرة .
قال تعالى : ( فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (الفجر/ 12 – 14 .
وقال تعالى : ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ) النحل/ 88 .
- ومن واجب المسلم : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والفساد من المنكرات ، وواجب على المسلم أن ينكره قدر استطاعته .
قال تعالى : ( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ) هود/ 116 .
وقال تعالى : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة/ 71 .
- الترفق واللين في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فأهل الفساد أصحاب نفوذ ، وقوة ، وبطش ، والمسلم الذي لا يستعمل اللين والرفق قد يحمِّل نفسه من البلاء ما لا يطيق ، وقد يعرِّض نفسه لفتنة لا يستطيع النجاة منها ، فليحذر الدعاة من العنف ، والشدة ؛ فإن آثارهما على الدول والمجتمعات بادية للعيان ، لم تسبب إلا زيادة في الفساد ، والقهر ، والإذلال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وقلَّ مَن خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولَّد على فعله مِن الشر أعظم مما تولد من الخير ، كالذين خرجوا على ” يزيد ” بالمدينة ، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق ، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان ، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا ، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة ، وأمثال هؤلاء ، وغاية هؤلاء إما أن يُغلَبوا وإما أن يَغلِبوا ثم يزول ملكهم ، فلا يكون لهم عاقبة ، فإن عبد الله بن علي ، وأبا مسلم ، هما اللذان قَتلا خلقاً كثيراً ، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور ، وأما أهل ” الحرَّة ” وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم : فهزموا ، وهزم أصحابهم ، فلا أقاموا ديناً ، ولا أبقوا دنيا ، والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصل به صلاح الدين ، ولا صلاح الدنيا .
” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 527 ، 528 ) .
- كما يجب على المسلم تذكير الناس أن الفساد الذي يرونه في بلدانهم ، ويعيش معهم في الليل والنهار إنما هو ببعض ما كسبت أيديهم ! ولا ينبغي للمسلم تجاهل ذلك وإنكاره ، ونظرة تأمل إلى شعوب العالَم الإسلامي تكفي لإثبات ذلك ، فكم هو عدد الأوثان والقبور الذي تعظم في العالم الإسلامي ؟ وكم عدد الذين تركوا الصلاة ؟ وقل الأمر نفسه في التبرج ، والسفور ، وسماع الأغاني ، والتدخين ، وغير ذلك من المعاصي والموبقات ، وكل ذلك – ولا شك – سيتسبب في سخط الله وعقابه ، ومن أجل رفع ذلك السخط والعذاب : فعلى المسلم الداعية توجيه الناس نحو الصلح مع الله ، وترك ما يغضب الله تعالى .
- والوصية الأخيرة لإخواننا الذين يعانون من الفساد في بلدانهم – مع ما سبق ذِكره – : الصبر والدعاء .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وكان الحسن البصري يقول : إنَّ ” الحجَّاج ” عذابُ الله ، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ، ولكن عليكم بالاستكانة ، والتضرع ؛ فإن الله تعالى يقول: ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ). ” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 529 ).
وقال – رحمه الله – :
ومَن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ، واعتبر أيضا اعتبار أولى الأبصار : علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور ، ولهذا لمَّا أراد الحسين رضي الله عنه أن يخرج إلى أهل العراق لمَّا كاتبوه كتباً كثيرة : أشار عليه أفاضل أهل العلم والدِّين كابن عمر ، وابن عباس ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أن لا يخرج ، وغلب على ظنهم أنه يُقتل ، حتى إن بعضهم قال : ” أستودعك الله من قتيل ” ، وقال بعضهم : ” لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج ” وهم في ذلك قاصدون مصلحته ، ومصلحة المسلمين ” ، والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد ، لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ أخرى .
فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك ، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ، ولا مصلحة دنيا ، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتلوه مظلوماً شهيداً ، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده ، فإن ما قصده من تحصيل الخير ، ودفع الشر : لم يحصل منه شيء ، بل زاد الشر بخروجه وقتله ، ونقص الخير بذلك ، وصار ذلك سبباً لشرٍّ عظيم .
وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن ، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن ، وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة ، وترك قتالهم ، والخروج عليهم : هو أصلح الأمور للعباد في المعاش ، والمعاد ، وأن من خالف ذلك متعمداً ، أو مخطئا : لم يحصل بفعله صلاح ، بل فساد ، ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بقوله : ( إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ولم يثن على أحد ، لا بقتال في فتنة ، ولا بخروج على الأئمة ، ولا نزع يد من طاعة ، ولا مفارقة للجماعة … .
وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو كان القتال واجباً ، أو مستحبا : لم يُثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بترك واجب ، أو مستحب .
” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 530 – 532 ) مختصراً .
والله أعلم.



جزيتم خيرا وبارك فيكم
وبكم.