هل يجوز اعتصام الموظفين والعمال أمام إدارة أعمالهم؟

السؤال

عندي سؤال بخصوص حكم ” الاعتصام للمطالبة بحق مسلوب ” : حيث اعتصم مجموعة من المدرسين الملتزمين بعدما صدرت قرارات من وزارة في دولة خليجية ، هذه القرارات تؤيد إيقافهم ، ونقل بعضهم لجهات أخرى ، هذا مع العلم أنهم من الكفاءات التربوية ، والملتزمين دينيّاً ، فقام مجموعة من هؤلاء بالاعتصام أمام التربية ، بحضور أبنائهم ، وربما زوجاتهم  ، فهل مثل هذا الاعتصام لا يجوز ؟ مع العلم أنهم لم يقوموا بأي فعل محرم شرعاً خلال الاعتصام ، ولم يرفعوا شعارات التهديد ، أو أي شعار ضد الدولة.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

يجب أن نعلم أنه لا يجوز للموظفين تعطيل العمل الذي كلِّفوا به ، والذي استحقوا بسببه راتبهم الشهري ، فكثير من الأعمال تتعلق بمراجعين من عامة الناس ، أو تتعلق بحياة الناس وضرورياتهم ، كالطب ، والمواصلات ، والمخابز ، والطاقة ، وتعطيل هذه الأعمال فيه تفويت مصالح كبيرة للناس ، وقد يسبب ذلك أضراراً ، ومخاطر ، على أبدان الناس ، ومعاشهم .

ثانياً:

ويجب أن يفرِّق الموظفون والعمال بين المطالبة بتحسين أوضاعهم ، وبين المطالبة بحقوق مسلوبة منهم ، فكثيراً ما نرى ونسمع عن اعتصامات لموظفين وعمال يطالبون فيها رفع أجورهم ، وزيادة امتيازاتهم ، وهذا بالإضافة لتعطيل العمل الواجب عليهم أداؤه : فإن فيه إخلالاً بالعقد المبرم بينهم وبين الدولة ، أو الجهة المسئولة عن العمل ، فهم قد رضوا بالأجور المذكورة في عقود عملهم ، وليس لهم المطالبة بأكثر منها إكراهاً ، وإحراجاً من غير طيب نفسٍ ، وتغير الحياة المعيشية ، والتضخم الحال في دولهم لا يبيح لهم إجبار الجهات المسئولة على رفع أجورهم ورواتبهم ، ويمكنهم المطالبة بذلك بالتي هي أحسن ، عن طريق المراسلة ، والمقابلة ، وليس لهم فعل ذلك باعتصامات ، وتعطيل لسير الأعمال .

ثالثاً:

وأما المطالبة بحقوق مسلوبة منهم ، أو بزيادة الأمان في ظروف أعمالهم : فهذا من حقهم ، ولهم المطالبة به ، على أن لا يكون معه تعطيل لأعمالهم ، وعلى أن يكون ذلك بطرق غير شرعية ، كاجتماع الرجال والنساء ، أو رفع لافتات فيها ذم وتشهير وطعن بالجهات المسئولة عن العمل .

ولا نرى حرجاً من اجتماع مجموعة من الموظفين والعمال المسلوبة حقوقهم ، أو المقصَّر في تهيئة أمان ظروف عملهم ، أن يذهبوا إلى إدارة عملهم ، والمطالبة بما لهم من حقوق ، ونرى أن يكون مثل هذا الأمر بعد استنفاذ الوسائل العادية في تلك المطالبات ، فيوجد في كثير من الدول قنوات تسبق تلك الاعتصامات ، كالمراسلات ، والمقابلات ، والنقابات ، وأعضاء البرلمان ، وغير ذلك من قنوات إيصال مطالبهم بحقوقهم لجهات أعمالهم ، فإذا لم يُجد ذلك نفعاً ، ورأوا أنهم قد استنفذوا الوسائل في المطالبات : فلهم الاعتصام أمام إدارة العمل ، إذا رأوا أن ذلك مما يفيدهم ، وبشرط خلو ذلك من المنكرات ، كالاختلاط ، واستعمال الرسوم ، والصور ، واللافتات المحتوية على تشهير ، وطعن .

وما قلناه سابقاً هو محض اجتهاد ، وهو يختلف من بلدٍ لآخر ، ولسنا نقول بتعميمه على البلدان كلها ، فثمة بلدان ” بوليسية ” إجرامية ، إذا اعتصم مجموعة من الموظفين والعمال للمطالبة بحقوقهم المسلوبة أخذوا إلى غياهب السجون ، أو أطلقت عليهم الكلاب البوليسية ، أو ضُربوا من قوات مكافحة الشغب ، فمثل هذه البلدان لا يفتى لهم بما سبق ذِكره ، بل عليهم المطالبة بالوسائل السلمية ، والصبر على ذلك ، فيجب أخذ هذا بالحسبان ، واعتبار اختلاف الدول ، وجهات العمل ، بعضها عن بعض ، بحسب طبيعتها ، وبحسب الدول .

رابعاً:

لا يجوز للموظفين ، أو العمال ، الاعتصام ضد قرارات جهات العمل إذا قررت نقل بعضهم ، أو تغيير أماكن عملهم ، فالعقد الموقع بين الموظف وجهات العمل لا يجعل الموظف ، أو العامل حرّاً في اختيار مكان عمله ، إلا أن يُنصَّ على ذلك في عقده ، فإذا رأت جهات العمل وإدارته أن من مصلحة العمل تغيير مكان عمل موظفيها ، أو بعضهم : فليس لهم الاعتراض على ذلك ، وليس لهم الاعتصام ، والإضراب عن العمل ، فليس ثمة ما يُلزم إدارة العمل على إبقاء الموظفين والعمال في أماكن عملهم ، وعدم تغييرها ، إلا أن يكون ذلك مذكوراً في نصوص عقد العمل.

وللموظف ، أو العامل رفع شكوى لإدارة العمل ، واطلاعهم على حاله ، وأنه لا يناسبه الانتقال لمكان آخر ، لكن ليس له أن يلزمهم بهذا ، ولا يجبرهم على إبقائه في مكانه ، فيكن هذا في بال الموظفين والعمال ، وليعلموا أنهم رضوا بأن يكونوا أجراء عند رب عملهم ، وليس لهم المطالبة بما يحلو لهم ، إلا أن يكون هذا من حقوقهم.

وإذا أخلَّ الموظف أو العامل بعمله ، ورأت جهات العمل إيقافه عن العمل بموجب نصوص العقد : فليس لهؤلاء الاعتصام ، والمطالبة بإرجاعهم بالقوة ، والإكراه ، فهم إذا استحقوا الإيقاف عن العمل بسبب سوء عملهم ، أو بسبب كثرة تأخرهم – مثلاً – :: فإن ذلك يعطي الحق لجهات العمل لإيقافهم عن أعمالهم ، ولهم المطالبة بإرجاعهم لأعمالهم ، لكن على أن هذا ليس من حقوقهم ، ويطالبون به بالتي هي أحسن.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة