زنت أخته وستر عليها ووضع مولودها في مسجد! فما عليه؟ وما أحكام ذلك المولود؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يا شيخ تعرضت لفتنة كبيرة وهذه هي القصة:

إني الأخ الأكبر في أسرة كبيرة ، متدينة ، ومترابطة ، وأوضاعها ميسورة ، ومستورة ، والحمد لله ، تتكون من الكثير الإخوان والأخوات ، الأب : شيخ كبير في السن ، ومريض , وترك المسؤولية عليَّ ، والأم : كبيرة ، ومريضة أيضاً , أنا متزوج ، ولي أطفال ، ويوجد إخوة ، وأخوات ، لي ، في سن الزواج , وأنا أبذل ما أستطيع في رعايتهم ، وإصلاحهم ، والاهتمام بهم ، وتزويجهم .

المشكلة برزت عندما : أغوى الشيطان إحدى الأخوات – حفظ الله بنات المسلمين – وجرَّها للوقوع بالزنا ، وهي لم تخبرني إلا وهي في الشهر الثامن ، مصيبة ليست في البال ، تعصر الرجل عصراً , وقد توثر صحيّاً ، ونفسيّاً على كل مَن في البيت ، استرجعت ، وحمدت الله ، والتجأت إليه ؛ ليلطف بنا ، ويعيننا على ما ابتلانا .

لا يوجد لدينا سوى القنوات الإسلامية ، والأخت ليست لعَّابة ، ولا يُعرف عنها هذا ، وكانت انطوائيَّة قليلاً  .

يا شيخ

مفاجأة لا توصف عرفت قصتها , وكيف ضحك عليها الشيطان , وما مدى ضعف عقلها ، وفهمها ، وبداية العلاقة : خلوة في المواصلات الدراسية , والزاني : رجل متزوج ، نصبِّر النفس عن مقابلته ، ولا أعرفه شخصيّاً .

وهي – إن شاء الله – تائبة ، ولم يعلم بها أحد ، ولم تبرز بطنها كثيراً في الحمل , ولم تذهب للمستشفى ، ولم يحس بها أحد ، رغم مخالطة الأهل لها ، قضت وقتها – كما تقول – تتهرب من الأهل ، وتبكي , ولم يعلم بها أحد .

قرأت فتاوى كثيرة ، والتجأت ، وتضرعت إلى الله ليريني الطريق الصحيح للتعامل مع المشكلة ، ولم أستطع استفتاء أحد ؛ للحرج في الموضوع ، شعرتُ أن الموضوع فيه ستر من الله كبير – والله أعلم – لأني – والحمد لله – كنت أدعو الله للأخوات ، والإخوان ، كلهم ، بالزوج الصالح ، دائماً ، وفي عمرة في مكة قبل الحادثة .

ثم يسر الله ، وتابعتْ حملها ، واستطعتُ – بفضل من الله – أن نضع حملها بعملية قيصرية , وكان المولود بنتاً ، وبصحة طيبة .

حاولتُ ، واتصلت بإحدى دور الشئون الاجتماعية لكي أعرف كيف أسلمها ، فجاوبوني بأنه لا بدَّ أن تكون هناك محكمة ، ومقابلة القاضي ، واثنان من الشهود ، فصعب عليَّ الأمر ، وأشار عليَّ أحدهم بأن أضع الطفلة عند باب مسجد .

وقد وضعتها عند باب مسجد معروف ، وكبير ، قبل الصلاة بثلث ساعة بعد إرضاعها ، وأنا أدعو الله أن لا يغضب عليَّ ، واستغفرت الله ، واستودعتها إياه ، فأنا لا أستطيع رعايتها أو كفالتها ، فهذا شيء صعب ، فوق الطاقة ، والأم كذلك هذا رأيها , وهذا المسجد أعرفه فيه رجال كثير ملتزمون ، وأهل خير ، وإن شاء لله أنهم ذهبوا بها إلى دار الرعاية الاجتماعية .

أعلم أن الموضوع كله فوق الطاقة , ولكن شعرت بتيسير ، وستر ، وقوة ، من الله ، والله أعلم ، والحمد لله .

والآن يا شيخ أنا محتار ، وقلق ، فيما فعلت ، أرجو الإرشاد والتوجيه في كل الموضوع والدعاء لنا .

وأرجو الإجابة على هذه الأسئلة :

– هل فعلي وستري على أختي صحيح أم لا ؟ .

– هل علينا عقيقة على الطفلة ؟ .

– هل إثم ترك الطفلة من الكبائر؟ وهل هو قطيعة الرحم؟ وكيف نعالج الوضع؟ وهل كفالة الأيتام تكفر هذا الذنب ؟

– هل إذا خطب رجل هذه الأخت أقول له الحقيقة ؟

– هل يجوز لي أنا أخوها ومعي ولاية من المحكمة بتزويجها بأن أطبق عليها حد الجلد برضاها ؟ وكم هو ؟ وكيف ؟ .

– وهل يجوز عمل عملية ترقيع لها لسترها ؟ .

– هل ترث الطفلة أمها، أو جدها، إذا مات, وهل نوصي بالتصدق بميراثها إذا كان؟.

– أرجوا ذكر الأدلة كما عهدناكم , وآسف على الإطالة ، ولكنها هموم ، وأحزان ، وكرب ، أتمنى أن تزول .

– ادع لي يا شيخ أن يزوج الله أخواتي ، وإخواني ، وإن شاء لله سأبذل الأسباب في ذلك متوكلاً على الله .

– وجزكم الله خيراً ، ونفع بكم الإسلام والمسلمين .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، ونسأل الله العظيم بمنِّه وكرمه أن يحفظ إخوانك ، وأخواتك , وأن يستر على أختك ، ويعفو عنها , وأن يوفقها للتوبة النصوح , وأن يستر على المسلمين أعراضهم ، وأن يعافينا وإياكم وكل مسلم من كل سوء ، وشرٍّ .

أخي الكريم

والله إن قلب المسلم ليعتصر ألَماً ، ويمتلئ كدراً ، من مثل هذه الحوادث , الذي من أسبابها :  التهاون في الرقابة , والتقصير في النصح والتوجيه ، والتساهل في خلطة الأجانب بأهل البيت كخلطة السائق , وخروج المرأة من بيتها , كخروجها للعمل ، والزيارة , وعدم التشدد في مثل هذا الخروج ، والمراقبة المستمرة , وكما قيل : ” من مأمنه يؤتى الحذر ” .

وكونك قد دعوت الله أن يحفظ أخواتك ، وإخوانك : هو من الأسباب لحفظ الله تعالى للعبد , ولكن مع بذل الأسباب في ذلك كالسعي في تزويجهن , ومنعهن من الاختلاط ، والنصح والتوجيه , والرقابة .

فالأسباب مطلوب بذلها مع الدعاء , ولا يصح الاتكال على القيام الدعاء فقط ، مع إهمال الأسباب الأخرى .

ثانياً:

وقد أحسنتَ في سترك على أختك ,  وفي تعاملك مع موضوعها بحكمة , وروية , وهذا كان الواجب عليك ، وفي الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) رواه مسلم ( 2699 ) .

ثالثاً:

الواجب أخي الكريم على أختك التوبة النصوح , وأن تجعل هذا الذنب سبباً في صلاحها ، تتوب منه ، وتستغفر لفعله , وتكثر من الدعاء أن يسترها الله في الدنيا والآخرة , وتكثر من الطاعات ، والقربات , وكما قال الفضيل بن عياض : ” بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله ، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله ” .

قال ابن القيم – رحمه الله – :  وقال بعض السلف : إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة , ويعمل الحسنة فيدخل بها النار , قالوا : كيف ؟ قال : يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه ، إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله ، وبادر إلى محوها ، وانكسر وذل لربه ، وزال عنه عُجبه ، وكِبره , ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه ، يراها ، ويمن بها ، ويعتد بها ، ويتكبر بها ، حتى يدخل النار ” . ” طريق الهجرتين ” ( ص 270 ) .

رابعاً:

كان الواجب عليك عدم وضع الولد الذي أنجبته أختك عند باب المسجد , وكان بإمكانك التورية في رعاية هذا الولد في بيتكم ، بحجة الإحسان إليه ، وكفالته , أو توكيل من يكفله ويرعاه من أهل الخير في بيوتهم ؛ لأن ما فعلته هو إهمال ، وتضييع لذلك المولود , ووضعه في دار الرعاية , وإن كان أخف الضررين : لكن لا يمكن أن يجد المولود مثل رعاية أهله ، وولي أمره ، إلا أن يشاء الله ، فلا شك أن رعايته بكنف من يعرفه أدعى للرأفة ، والعناية , والقيام بواجب المسئولية .

وعليك التوبة ، والاستغفار من هذا التقصير في القيام بالصواب تجاه هذا المولود ، وهذا الفعل من قطيعة الرحم ، ومن التفريق بين الأم وولدها – وإن كان غير شرعي ، فهو ابنها في الواقع ، وفي الشرع – , فإن استطعت استدراك الأمر ، والحصول على رعايته ، بحجة كفالته ، أو أنك توكل من يكفله ويقوم برعايته : كان خيراً ، وأعظم أجراً , وإن لم تستطع ذلك : فالواجب عليك الإحسان إليه – إن استطعت – من بعيد , مع كثرة الدعاء والابتهال إلى الله أن يحفظه ، وأن ييسر له من يقوم برعايته حق الرعاية .

ولعل كفالة الأيتام تكون من أسباب تكفير هذا الذنب , وكذلك القيام بحق الأهل ، والأقارب ، وصلة الرحم , لا سيما الأقرب فالأقرب , فكفالة اليتيم مقابل التخلي عن ذلك المولود , وصلة الرحم والأهل مقابل تلك القطيعة ، مع الإكثار من التوبة والاستغفار , والدعاء للمولود أن يحفظه ربه تعالى ، وأن ييسر له من يقوم بحقه وشأنه حق القيام .

خامساً:

والواجب عليك الستر على أختك ، وعدم إخبار أحد بذلك ، لا خطيبها ، ولا أحد غيره , ولا هي كذلك تخبر أحداً بعد ذلك ، لا زوجاً ، ولا غيره , بل يجب عليها ستر ذنبها .

وفي ” تفسير الطبري ” ( 9 / 583 ) أن رجلاً من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشة ، فأمرَّت الشَّفرة على أوداجها ، فَأُدْرِكت ، فدُووِي جُرْحها ، حتى برئت ، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة ، فقرأت القرآن ، ونَسَكت ، حتى كانت من أنسك نسائهم ، فخطبت إلى عمها ، وكان يكره أن يدلِّسها ، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه ، فأتى عمر ، فذكر ذلك له ، فقال عمر : لو أفشيت عليها لعاقبتك ! إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوّجها إيّاه . انتهى , وساق آثاراً أخرى بمعناها .

سادساً:

والراجح عندنا : عدم جواز عملية ترقيع غشاء البكارة .

سابعاً:  

وليس لأحد أن يقيم الحد على أحد ؛ لأن إقامة الحدود من وظيفة السلطان ، أو من ينيبه .

وفي فتاوى ” اللجنة الدائمة ” ( 22 / 5 ) : لا يقيم الحدود إلا السلطان المسلم ، أو من ينوب عنه ؛ من أجل ضبط الأمن ، ومنع التعدي ، والأمن من الحيف ، وعلى العاصي الاستغفار والتوبة إلى الله ، والإكثار من العمل الصالح ، وإذا أخلص لله في التوبة : تاب الله عليه ، وغفر له ، بفضله وإحسانه ، قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 69 ، 70 ، وقال : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) طه/ 82 ،  وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإسلام يهدم ما كان قبله ، والتوبة تهدم ما كان قبلها ) – روى مسلم ( 121 ) الجملة الأولى منه ، والجملة الثانية ثبت معناها من غير شك – ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ). رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني.

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ بكر أبو زيد . انتهى.

ثامناً:

أما بالنسبة للعقيقة : فقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله :

هل يجوز للأم أن تعقّ عن ولدها من الزنا ، وهل له حق النفقة ؟ .

فأجاب :

نعم لها أن تعقّ ، يستحب لها أن تعقّ عن ولدها ، وعليها أن تنفق عليه إذا قدرت ، فإذا ما قدرت : يُسلَّم للحاضنات في الدولة ، وإذا قدرت : تربّيه ، وتحسن إليه ، وتعقّ عنه .

ويلزمها أن تربِّيه ، وأن تتوب إلى الله مما فعلت ، وهو منسوب إليها ، والذي زنا بها : عليه التوبة ، وليس عليه شيء من النّفقة ، وليس هو ولداً له – ولد زنا – عليه التوبة إلى الله ، والولد لها هي ، ينسب إليها ، وعليها نفقته. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 124 ) .

تاسعاً:

ولد الزنا كغيره من الأولاد من جهة إرثه من أمه ؛ لأنه ولدها ، فيدخل في عموم قول اللَّه تعالى : ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) النساء: من الآية11 ، ولأنه منسوب إليها ، والنسب هو سبب الإرث , بشروط الإرث , فهو لا يرث من جده – مثلاً – مع وجود أمه .

– انظر ” أحكام ولد الزنا ” ( ص 119 ) للشيخ إبراهيم القصيّر .

أما في حال عدم القدرة على دفع الميراث له , كما لو لم يعرف مكانه ، أو لم يمكن الاستطاعة لتوصيل حقه : فيشرع حينئذ التصدق بنصيبه .

والله سبحانه نسأله أن يغفر لأختك ، وأن يستر عليها , وأن يعافينا وإياكم من كل سوء ، وأن يحفظ أعراضنا ، وذرارينا , وأن يستر عيوبنا ، ويغفر ذنوبنا .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة