حكم الملَكية والديمقراطية

السؤال

في هذه الظروف الخاصة وحالة المسلمين مع رؤسائهم الذين يبررون للكفار ما يفعلون ، أود أن أعرف حكم الملَكية والديمقراطية في الإسلام ، كما أرجو أن توضح لي معنى الحديث الذي لا أحفظه بالضبط ” سيكون بعدي خلافة راشدة على منهج السنة ثم سيكون ملكية ثم سيكون بعدها مأساة بعدها مأساة بعدها مأساة ثم سيكون بعدها خلافة راشدة على منهج السنة ”  هل هذا الحديث صحيح ؟ وما هو دورنا كشباب في هذا الوقت ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً :

الديمقراطية تعني أن مصدر التشريع والتحليل والتحريم هو الشعب وليس الله ، ويتم ذلك عن طريق اختيار الشعب لممثلين ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين ، فهي باختصار ” حكم الشعب للشعب ” .

ولا شك أن هذا النظام هو أحد صور الشرك الحديثة .

جاء في ” موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة ” ( 2 / 1066 ، 1067 ) :

– ديمقراطية نيابية :

أحد مظاهر النظم الديمقراطية التي يمارس فيها الشعب مظاهر السيادة بواسطة مجلس منتخب من نواب من الشعب ، وفيها يحتفظ الشعب بحق التدخل المباشر لممارسة بعض مظاهر السيادة عن طريق وسائل مختلفة ، أهمها :

  1. حق الاقتراع الشعبي : بأن يقوم عدد من أفراد الشعب بوضع مشروع للقانون مجملاً أو مفصَّلاً ، ثم يناقشه المجلس النيابي ويصوِّت عليه .
  2. حق الاستفتاء الشعبي : بأن يُعرض القانون بعد إقرار البرلمان له على الشعب ليقول كلمته فيه .
  3. حق الاعتراض الشعبي : وهو حق لعدد من الناخبين يحدده الدستور للاعتراض في خلال مدة معينة من صدوره ، ويترتب على ذلك عرضه على الشعب في استفتاء عام ، فإن وافق عليه نُفِّذ وإلا بطل ، وبه تأخذ معظم الدساتير المعاصرة .

ولا شك في أن النظم الديمقراطية أحد صور الشرك الحديثة في الطاعة والانقياد أو في التشريع ، حيث تُلغى سيادة الخالق –  سبحانه وتعالى –  وحقه في التشريع المطلق ، وفي توجيه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً ، وتجعلها من حقوق المخلوقين ، والله تعالى يقول : { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف / 40 ] ، ويقول تعالى : { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [ الأنعام / 57].

وفي هذا يقول الدكتور صلاح الصاوي في ” الثوابت والمتغيرات ” :

”  فإن هذا الأمر لا يكون إلا لله وحده ، لا يشاركه فيه أحد ، كما قال تعالى : { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف / 40 ] ، وهذه النقطة تمثل مفترق الطرق بين المنهج الإسلامي والمناهج العلمانية المعاصرة التي فصلت الدولة عن الدين ، ونقلت مصدرية الأحكام والتشريعات إلى الأمة ، تمارسها من خلال نوابها في المجالس النيابية ، بحيث تستطيع بهذه السلطة أن تحل ما تشاء ، وأن تحرِّم ما تشاء ، لا سلطان عليها في ذلك لأحد ، ولا رقابة عليها من أحد .

أما سلطة الإسلام في الإسلام في تدور في فلك سيادة الشريعة ، وليس لها –  ولو اجتمعت في صعيد واحد –  أن تحلَّ شيئاً مما حرَّم الله ، أو أن تحرِّم شيئاً مما أحلَّ الله ، أو أن تشرع شيئاً من الدين مما لم يأذن به الله ” ( ص 237 ) . انتهى.

ثانياً :

وأما نظام ” الملكية ” في الحكم : فهو نظام شرعي وهو ولاية العهد المعروفة في التاريخ الإسلامي ، فقد ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه قد عهد بالخلافة لعمر بن الخطاب ، وعهد عمر بها إلى أهل الشورى ، لكن ” الملَكية ” ولاية عهد خاصة بذرية وأقرباء الخليفة ، فمن حيث ولاية العهد ذاتها فليس بها بأس ، ومن حيث الاختيار فالواجب على من ولاَّه الله أمر المسلمين أن يختار أصلح الناس ليتولى بعده زمام المسئولية ، أما جعلها في الذرية والأقرباء حتى مع عدم صلاحيتهم للخلافة فهو غش للمسلمين ، ولا يعني هذا أنه لا يتم له الأمر ، بل الواجب السمع والطاعة بالمعروف .

وولاية العهد للأصلح أفضل من جعل مرجع الاختيار لعامة الناس أو لخاصتهم ، خاصة في أزمنةٍ يكثر فيها حب التسلط والفتن للوصول إلى الحكم ، فتكون ولاية العهد طريقاً لدفع شرورٍ ، وحقن دماء المسلمين .

قال الماوردي :

– والإمامة تنعقد من وجهين :

أحدهما : باختيار أهل العقد والحل .

والثاني : بعهد الإمام من قبل .

فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد : فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى ; فقالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عاما والتسليم لإمامته إجماعا , وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها…

فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته , فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه , فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت ببيعتهم له الإمامة فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته , وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار , وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها…

وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما أحدهما : أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه فأثبت المسلمون إمامته بعهده . والثاني : أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها …

وإذا عهد الإمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه : كان العهد موقوفاً على قبول المولى …

ولو عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر ورتب الخلافة فيهم فقال الخليفة بعدي فلان فإن مات فالخليفة بعد موته فلان فإن مات فالخليفة بعده فلان جاز وكانت الخلافة متنقلة إلى الثلاثة على ما رتبها , فقد ” استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش مؤتة زيد بن حارثة وقال فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا فتقدم زيد فقتل فأخذ الراية جعفر وتقدم فقتل فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم فقتل فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد ” مسند الإمام أحمد ( 22045 ) ، وصححه الشيخ الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص 365, وإذ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الإمارة جاز مثله في الخلافة . فإن قيل هي عقد ولاية على صفة وشرط والولايات لا يقف عقدها على الشروط والصفات . قيل هذا من المصالح العامة التي يتسع حكمها على أحكام العقود الخاصة , فقد عمل بذلك في الدولتين من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر , هذا سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بن عبد العزيز ثم بعده إلى يزيد بن عبد الملك . ولئن لم يكن سليمان حجة فإقرار من عاصره من علماء التابعين ومن لا يخافون في الحق لومة لائم هو الحجة ; وقد رتبها الرشيد رضي الله عنه في ثلاثة من بنيه في الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن عن مشورة من عاصره من فضلاء العلماء . ”  الأحكام السلطانية ” للماوردي ( 8 – 16 ) مختصراً .

وأول ملِك للمسلمين هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وقد عهد بالولاية من بعده لابنه يزيد ، فحفظ الله تعالى بفعله هذا دماء المسلمين من فتنٍ عظيمة ، وكان فعله هذا سبباً في اجتماع كلمة المسلمين ، حتى سمي عام خلافته ” عام الجماعة ” .

قال الربيع بن نافع : معاوية سِتر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كشف الرجل الستر : اجترأ على ما وراءه .  ” مختصر تاريخ دمشق ” ( 25 / 74 ) .

وقال الإمام أحمد – كما في ” طبقات الحنابلة ” – وقد سئل : نصلي خلف من يشتم معاوية ؟ قال : لا ، ولا كرامة .

وقد عقد ابن كثير في كتابه ” البداية والنهاية ” فصلاً كاملاً في فضائله وثناء السلف عليه من الصحابة والتابعين ، وكذلك فعل الإمام الذهبي في ” سير أعلام النبلاء ” ، وقد عقد البخاري باباً في فضائله في صحيحه ، وكذلك الترمذي في سننه .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة ، وفي الصحيح أن رجلا قال لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية ، إنه أوتر بركعة ، قال : أصاب ، إنه فقيه .  رواه البخاري ( 3554 ) .

* وقد سئل عبد الله بن المبارك، أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان ، أم عمر بن عبد العزيز؟.

فقال : والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة ، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سمع الله لمن حمده ، فقال معاوية : ربنا ولك الحمد ، فما بعد هذا ؟ .

” وفيات الأعيان ” لابن خلكان ( 3 / 33 ) ، وبلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه ” الشريعة ” ( 5 / 2466 ).

وللمؤرخ العلامة ابن خلدون رأيٌ سديد في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين فقد قال :

إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم ، فهو تاليهم في الفضل ، والعدالة ، والصحبة .

– انظر هذا القول في ” العواصم من القواصم ” ( ص 213 ) .

وعليه : فالمُلك بحد ذاته ليس طعناً في صاحبه ، لكن ما يحصل فيه من ظلم وتعدٍّ ، وما يحصل من ولاية للعهد لمن لا يستحقه هو المنكر في هذا الأمر .

* واختصاص الملوك أبناءهم وقراباتهم بالولاية والعهد له أسباب .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

– فإن عادة الملوك : إيثار أقاربهم بالولايات لوجوه :

أحدها : محبتهم لأقاربهم أكثر من الأجانب ؛ لما في الطباع من ميل الإنسان إلى قرابته .

والثاني : لأن أقاربهم يريدون إقامة ملكهم ما لا يريده الأجنبي ؛ لأن في عزِّ قريب الإنسان عزٌّ لنفسه ، ومن لم يكن له أقارب من الملوك استعان بممالكه ومواليه فقرَّبهم واستعان بهم ، وهذا موجود في ملوك المسلمين والكفار .

ولهذا لما كان ملوك بني أمية وبني العباس ملوكاً : كانوا يريدون أقاربهم ومواليهم بالولايات أكثر من غيرهم ، وكان ذلك مما يقيمون به ملكهم .

وكذلك ملوك الطوائف كبني بويه وبني سلجق وسائر الملوك بالشرق والغرب ، والشام واليمن ، وغير ذلك .

وهكذا ملوك الكفار من أهل الكتاب والمشركين ، كما يوجد في ملوك الفرنج وغيرهم ، وكما يوجد في آل جنكشخان بأن الملوك تبقى في أقارب الملك ، ويقولون : هذا من العظم ، وهذا ليس من العظم ، أي : من أقارب الملك . ” منهاج السنة ” ( 7 / 466 ) .

ثالثاً :

وأما الحديث المذكور في السؤال :

عن النعمان بن بشير قال : كنَّا قعوداً في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم – وكان بشير رجلا يكفُّ حديثه – فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال : يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء ؟ فقال حذيفة : أنا أحفظ خطبته ، فجلس أبو ثعلبة ، فقال حذيفة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضّاً ، فيكون ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبرية ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ” . رواه أحمد ( 30 / 355 ) وحسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 5 ) .

– ومعنى يكف حديثه : أي : يجمعه ويضمه ، وليس بجريء اللسان .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة