الرئيسية بلوق الصفحة 446

الحمد لله الذي جعلكم منفِّرين !

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه ” إن منكم منفرين ” ، وهذا عتب وإنكار على من كانت طريقته في الدعوة إلى الله فيها تنفير عن الدين أو الطاعة .
ولكننا – الآن – نحمد الله تعالى أن جعل بعض من ينتسب إلى الدين أو إلى الدعوة السلفية منفِّراً حتى لا يُفتن الناس به فيكون سبباً لفتنة غيره فيكفينا فتنته هو .
وفي عالم النت وبالأخص البال توك تجد ذلك واضحاً :
فالرافضة : يدخلون غرف أهل السنة ويسبون ويشتمون شتائم قبيحة لا تليق بإنسان فضلاً أن تكون لائقة بمسلم .
ثم إن دخلتَ غرفهم رأيت الشرك والسب والتجريح لأفاضل أهل الأرض بعد الأنبياء وهم الصحابة الكرام .
فالحمد لله الذي جعلهم منفِّرين حتى لا يُفتن بهم إلا من هو على شاكلتهم .

وبعض المنتسبين للسلف : تدخل غرفهم أو ترى كتاباتهم فلا تسمع ولا ترى منهم إلا الطعن والتجريح في أفاضل أهل العلم ، وهم يحاولون صرف الشباب عنهم بكل ما أوتوا من قوَّة ، ويجعل بعض أكابرهم من الأصاغر ذلك له همّاً وديدنا واستغلالا لكل مناسبة ولو كانت خطأً فقهيا أو وهماً في حديث .

لذا رأينا انصراف عقلاء الشباب عنهم لما رأوه منهم من سوء أدب وقلة عقل وفهم ، وهو ما سبَّب قسوة لقلوب كثير من ( المنفَّرين ) .

فالحمد لله الذي جعلهم بهذه الأخلاق وهذا الأدب حتى يكونوا منفِّرين لدعوتهم .

وبعضٌ آخر : ينتسب للسلفية ظلما وزوراً ، فإذا سمعتَ كلامه أو قرأتَ كتابته فهي لا تخرج – غالباً – عن السب والشتم والتصنيف الجائر والظلم البيِّن الواضح والافتراء على خلق الله – ولا أعني أهل الضياع فهم قد سلموا من هؤلاء بل أعني الدعاة والعاملين للإسلام – .

بل وتعدَّى أمرهم إلى نصرة ( الشرك ) و ( البدعة ) و ( والضلالة ) إذا كان الصف الآخر المقابل لهؤلاء ( حزبيّاً ) ( سروريّاً ) ( قطبيّاً ) حسب تصنيفاتهم الجائرة .

بل وتعدَّى أمر هؤلاء إلى تسمية ( المجاهدين ) – الذين زكَّاهم كبار أهل العلم من الأكابر – ( خوارج ) ضاربين كلام الكبار عرض الحائط ، فهو لا يصلح هنا لأن ( شيخ الفتنة ) ! أعلم من أولئك الكبار – في زعمهم – !

وإذا أراد الواحد من هؤلاء أن يدعو لمنهجه ! وطريقته !! بدعوة الناس إلى مجلس علم عند ( كبير ) لهم فلا يسمع إلا السب والشتم وقلة الأدب مع المخالفين ، فإن لم يكن من ذلك ( الكبير ) فممن حوله من ( الصغار ) ( الأصاغر ) !!

والأخزى من ذلك أنه لو دعا هذا الداعية ! واحداً إلى ( منتدى ) لهم ، فلن يقرأ – غالباً – إلا الطعن والتجريح والتحذير والسب والشتم للعاملين للإسلام ، وممن ؟ من أسماء مستعارة لا تخرج عن ( خردة الحدادة ) و ( بهائم الحراسة ) ويكفي أن يذيِّل الواحد منهم اسمه بما يدل على ( قِدمه ) !! ليظن أنه صار داعية لمنهج معصوم قديم .

فالحمد لله الذي جعل هؤلاء منفِّرين حتى لا يُفتن فيهم إلا من هو مثلهم وعلى شاكلتهم .

والحمد لله الذي جعل كل من سبق – ومثلهم غيرهم – منفِّرين عن دعوتهم ومنهجهم ! وهي حكمة الرب الخالق .

طبعاً ولا ننسى تلوثهم ببدع من سبقهم من فرق الضلال ، فأضافوا إلى سوء خلقهم : ضلالَهم في ( العقيدة ) فلا للسلف في ( أخلاقهم ) اقتدوا ولا بـ ( عقيدتهم ) اهتدوا .
حكمة بالغة
والله المستعان

خاطرة حول علم الجرح والتعديل وحوار مع جرَّاح

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فقد يسَّر الله لي ” زيارة ” بعض مجالس ” آكلي لحوم البشر ” ! والجرَّاحين ” الأطفال ” الذين فهموا الشرع بالتقليد لبعض جهلة المتصدرين ، وأصبحوا كالببغاوات يرددون ما يسمعون منهم ضاربين عرض الحائط قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ، وضاربين عرض الحائط كل حديث وأثر يأمرهم بالعدل والإنصاف والتثبت .

وفي هذا المجلس الذي لم يرق لبعضهم حضوري لما كان يسمعه عني زوراً وبهتاناً مما لا أصل له ، دار كلام ونقاش أحببت ذكر خلاصته وفائدته للقراء من إخواني لعل فيه عبرة وعظة .

قال بعضهم : قال بعض شيوخنا ! لا بدَّ من إحياء علم الجرح والتعديل من جديد !!
قلت : نعم ! ولكن فلننتبه لأمور :
1. نريد إحياء علم الجرح والتعديل ، لا ابتداع علم ” الجرح والتجريح ” !! فنحن لا نرى ممن يدعو هذه الدعوة أي تعديل ! بل تجريح في تجريح فحريٌّ بعلمهم هذا أن يسمى علم ” الجرح والتجريح ” !!
2. وعلم ” الجرح والتعديل ” لا يقوم به ” الصغار ” و ” الجهلة ” بل لا بد له من أئمة كسفيان ومالك وشعبة ويحي بن سعيد القطان وغيرهم ، والواقع اليوم أنه تجرأ على هذا العلم ” صغار ” القوم وأطفالهم ، فهل هذا كذاك ؟
3. ولا بدَّ لمن يقوم بهذا العلم من ” علم ” يطلع فيه على أحوال المتكلَّم عليه ، ولا بدَّ من الإحاطة بحياته وأقواله وأفعاله حتى يتسنى له العدل في الحكم ، أما الحكم على نقل مبتور ، أو خبر ضعيف ، أو الاعتماد على ” وكالة يقولون ” ! فليس هذا من دأب علماء ” الجرح والتعديل ” !
4. ولا بدَّ لمن يقوم بهذا العلم أن يكون ثقة عدلاً في دينه ، لا أن يكون ضعيفاً ساقط العدالة ! والواقع أن كثيراً ممن يقوم على هذا ” العلم ” ! اليوم – إلا من رحم الله – من النوع الثاني ، فنحن قد عرفنا بعض هؤلاء ” الجرَّاحين ” لا يصلي صلاة الجماعة في المسجد ! وبعضهم كان يتكلم في الشرع قدحاً وذمّاً في بعض الدعاة وصوت ” التلفاز ” يخرق آذاننا ! وبعضهم سارق لجهود غيره متشبع بما لم يعط ! ورابع وخامس وسادس .. الخ ! فهل على مثل هؤلاء يعتمد في الجرح والتعديل وهم أحق بالجرح وأولى به ؟!
5. وعلم الجرح والتعديل لا يقوم على ” التقليد ” بل على البينة والدليل ، فهل إذا ” جرح ” فلان – المجروح أصلاً – فلاناً يؤخذ بقوله على أنه قرآن منـزل ؟؟!! بل لا بدَّ من ذكر دليله وبيَّنته على هذا الجرح وإلا كان محض افتراء يردُّ في وجهه ! فكم لابن معين ! من تعديل مرفوض ! وكم لابن أبي حاتم ! من تجريح مرفوض ! أفيكون تجريح ” فلان ” ! وتعديله مقبولين هكذا على الإطلاق ؟؟!!
6. ولا بدَّ من تطبيق كافة قواعد الجرح والتعديل ، ومن أهمها تقديم التعديل المفسر على الجرح المجمل ، فكم من ” مجروح ” عُرفت عدالته ببينات كثيرة وبشهادات مختلفة ، ثم يأتي ” جرَّاح ” ويدَّعي ” جرحاً ” مجملاً ، أفيقبل مثل ” التجريح ” ؟؟!!

فبهت ” الجرَّاحون ” الذين في المجلس ولم يستطيعوا جواباً ، وكانوا قد ظنوا أن الأمر ” شوربة ” ! وفوضى !
والله المستعان

بر الوالدين

مرض أحد التابعين فلما زارته أمه قام فلبس وتأنق كأن لا بأس به .. فلما خرجت من عنده سقط مغشيا عليه .. فقيل له كنت معها وما بك شيء، فما أصابك؟!
فأجاب : إن أنين الأبناء يعذب قلوب الأمهات .
( منقول )
قلت : قارن هذا بمن يحمِّل أمَّه ما لا تطيق من همومه وأحزانه وكآبته التي يظهرها أمامها !!

الإجماع

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
= أرجو أن يظل النقاش علميّاً ، ولا داعي للاتهام بالزيغ والضلال إلا عند ثبوت ذلك بالجزم والقطع .
= الأخ asdqw
إذا كنت قد جئت بكلامك من كتب الأصول ، فلم يخرج الأخ أبو محمد عنها في كلامه ، وأظنه جاء بالكلام من كتب الإمام الشوكاني من المتأخرين ، والإمام ابن حزم من المتقدمين !

وقد ردَّ كثير من الأئمة على الإمام الشافعي في استدلاله بالآية { ومن يشاقق الرسول …} ، ومنهم الجويني من أئمة الشافعية .

قال الجويني : فأما الإجماع فقد أسنده معظم العلماء إلى نص الكتاب وذكروا قول الله تعالى {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين } الآية وهذا عندنا ليس على رتبة الظاهر فضلاً عن ادعاء منصب النص فيها. أ.هـ ” البرهان في أصول الفقه ” (1/119).

= وإذا كان الأخ أبو محمد قد طلب بحث هذه المسألة منا فلنبحث بإنصاف وروية فلعل الأمور تتضح لبعض من ظن أنها واضحة ، وتبين لمن ظن أنها مبينة.

= وأقول
1. أمر الله عز وجل عند التنازع بالرجوع إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم { فإن تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول } ، وقال { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله }.
2. ولم يجعل الله تعالى مرجعاً للمسلمين آخر يرجعون إليه .
3. والإجماع : لا يكون إلا بنص من الكتاب والسنة ، فصار المرجع : الكتاب والسنة ، وفائدة الإجماع هنا : هو في فهم النصوص الشرعية ، و لا فهم خير من فهم الصحابة ، ولذلك أرى أن الإجماع المعتبر هو إجماع الصحابة فقط ، وعليه بعض الأئمة مثل داود الظاهري وابن حزم وهو رواية عن أحمد ، وبعض الأئمة – وعليه شيخ الإسلام كما في الواسطية – يرى أن الإجماع الذي ينضبط هو إجماع القرون الثلاثة .
4. والإجماع إجماعان ، إجماع ظني وإجماع قطعي ، والأول هو الذي يثبت بالبحث والتحري عن أقوال الأئمة ، ويحتاج من مثبته إلى استقراء لكتب الخلاف ، وهو الذي أنكره الإمام أحمد وقال ” من ادَّعى الإجماع فقد كذب ، وما يدريه لعل الناس اختلفوا ” .

قال ابن القيم : ولم يكن –أي : الإمام أحمد – يقدم على الحديث الصحيح عملاً ولا رأياً ولا قياساً ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسمِّيه كثيرٌ مِن النَّاس إجماعاً!! ويقدمونه على الحديث الصحيح ، وقد كذب أحمد مَن ادَّعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي أيضاً نصَّ في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه خلاف لا يقال له إجماع، ولفظه ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب مَن ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ لعل الناس اختلفوا ما يدريه ولم ينته إليه ، فليقل لا نعلم الناس اختلفوا هذه دعوى بشر المرسى والأصم ولكنه يقول لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك ، هذا لفظه .

ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلُّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده!!. أ.هـ “إعلام الموقعين ” (1/30).
والثاني – وهو القطعي – : وهو يكون على الأمور المعلومة بالضرورة ، كتحريم الزنا والقتل ، وكوجوب الصلاة وغيرها .

قال ابن حزم : وإنما ندخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا مخالف فيه البتة الذي يعلم ، كما يعلم أن الصبح في الأمن والخوف ركعتان ، وأن شهر رمضان هو الذي بين شوال وشعبان ، وأن الذي في المصاحف هو الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه وحي من الله ، وأن في خمس من الابل شاة ، ونحو ذلك وهي ضرورة تقع في نفس الباحث عن الخبر المشرف على وجوه نقله إذا تتبعها المرء من نفسه في كل ما يمر به من أحوال دنياه وأهل زمانه وجده ثابتاً مستقراً في نفسه . ” مراتب الإجماع ” (ص16).
5. وفائدة إجماع الصحابة على فهم النصوص ضرورية لحفظ الدين ، كإجماعهم – مثلا – على أن آيات وأحاديث الصفات على ظاهرها ، فعدم وجود حرف واحد عن أحدٍ منهم في التحذير من الأخذ بظاهرها يدل على أنه لا فهم لها إلا بفهمهم . وإجماعهم على عدم اعتبار الذوق والعقل دليلا على إثبات الأحكام الشرعية يرد به على من جعلهما من الأدلة على إثبات الأحكام الشرعية .
6. وأرى أن من أنكر الإجماع – المنقول في كتب الأصول – هو بسبب عدم تصور وقوعه ، وهذا عند التأمل صحيح ، فنحن الآن في قمة التطور في الإتصالات والمواصلات ، ومع ذلك لا نستطيع إثبات إجماع على مسألة معينة ! فكيف بمن كان في القرون الأولى ؟!

قال ابن حزم : وأيضاً فانه لا يجوز لأحد القطع على صحة إجماع أهل عصر ما بعد الصحابة رضي الله عنهم على ما لم يجمع عليه الصحابة بل يكون من قطع بذلك كاذباً بلا شك لأن الأعصار بعد الصحابة رضي الله عنهم من التابعين فمن بعدهم لا يمكن ضبط أقوال جميعهم ولا حصرها لأنهم ملئوا الدنيا ولله الحمد من أقصى السند وخراسان وأرمينية وأذربيجان والجزيرة والشام ومصر وافريقية والأندلس وبلاد البربر واليمن وجزيرة العرب والعراق والأهواز وفارس وكرمان ومكران وسجستان وأردبيل وما بين هذه البلاد ومن الممتنع أن يحيط أحد بقول كل انسان في هذه البلاد .أ.هـ ” النبذة الكافية ” (ص 20).

والأسباب التي ينفى من أجلها وقوع الإجماع وجيهة مثل : عدم وصول المسألة للعالم – عدم نقل إجابته – توقفه في الإجابة – رؤيته وضوح المسألة وعدم الحاجة لبيانها – خوفه من العامة أو السلطان في إبداء رأيه …الخ .
7. ولذلك كان الإجماع السكوتي ضعيفاً ، ولا يثبت بمثله إجماع .
8. والأدلة التي استدل بها الأئمة لإثبات الإجماع لا تخلو من طعن سواء في الثبوت – كحديث ” لا تجتمع أمتي على ضلالة ” – أو في الاستدلال – كقوله تعالى { ومن يشاقق الرسول..} – ، ولا ينبغي أن تكون مثل هذه الأدلة أدلةً على إثبات دليل شرعي يضاف إلى الكتاب والسنة واللذين ثبتا بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة . أما أن يكون الإجماع على فهم نص وممن يمكن حصر أقوالهم – كالصحابة – فهذا هو الذي يمكن أن يقال .

الأخوة الأفاضل
أرجو أن لا يكون الانتصار للنفس هو القائد في هذه البحوث ، فأنتم من صفوة الناس ، فاضربوا للناس مثلا في التراجع والاستفادة من بعضكم والذل لإخوانكم .

= الأخ as..
1. الحديث الذي نقلته ” أقل الحيض ثلاث ….” : حديث ضعيف لا يصح .
انظر : نصب الراية (1/191) ، مجمع الزوائد (1/280) ، العلل المتناهية (1/384،385).
قال شيخ الإسلام رحمه الله : والقول الثالث أصح : أنَّه لا حدَّ لا لأقله ولا لأكثره ، بل ما رأتْه المرأة عادة مستمرَّة فهو حيضٌ.

وقال:
ومن لم يأخذ بهذا بل قدَّر أقل الحيض بيومٍ أو يومٍ وليلة أو ثلاثة أيامٍ ، فليس معه في ذلك مايعتمد عليه ، فإنَّ النقل في ذلك عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه باطل عند أهل العلم بالحديث، والواقع لا ضابط له . ” مجموع الفتاوى ” (19/ 237-241).

2. لا أظنه يخفى عليك أنه ما من كتاب في الأصول تعرض لقوله تعالى { ومن يشاقق الرسول ..} ، إلا وذكر فيها قول المخالف لهم في الاستدلال بها ، وطرق الرد عليهم .

فما هو حكم أولئك العلماء على المخالفين ؟ وما هي منزلة هذا الاستلال – من حبث الوضوح – الذي جعل الإمام الشافعي يغيب مدة يقرأ القرآن ليبحث عن الدليل ؟ وكيف نقول إنها دليل على أمر ما أنزل الله الآية لأجله و بحثه الصحابة ولا طرق سمعهم ؟ كيف وقد رد بعض العلماء على من استدل بها بأكثر من 12 وجهاً ؟؟

3. أما قولك إنه لم يقل أحد بأن الأدلة الظنية لا يستدل بها على إثبات الأصول : فأظن أنه كلام يحتاج منك إلى تحرير .
قال الصنعاني رحمه الله : وقد تقرر ! أنه لا يثبت هذا الأصل بالأدلة الظنية !! . ” إجابة السائل شرح بغية الآمل ” (ص143) .
ومقصوده بـ ” الأصل ” : الإجماع.

4. وحديث ” لا تجتمع أمتي على ضلالة ” .
قال الزركشي : طرقه كثيرة و لا تخلو من علة ، إنما يتقوى بعضها ببعض … . “المعتبر ” (ص57).
فما منزلة هذا الأصل الذي يثبت بعد جمع الطرق والشواهد ؟ وما حكم من لم ير حسن هذا الحديث بطرقه وشواهده ؟

5. وأود تذكيرك – والأخوة القراء – بالفرق بين رد الاستدلال بتلك الأدلة ، وبين رد أخبار الأسماء والصفات .
والفرق : أننا لا نسلم أنها أدلة فضلا عن الاستدلال بها ، وأحاديث الصفات ثابتة دليلا واستدلالا ، فهي نصوص في الموضوع أصلا ومن ردها فبعقله أو بجهله.

= وعلى كل حال : فالأمر بحاجة لروية وتأن ، وأود أن أذكرك بأن الاستدلال بكلام أهل الأصول وحده دون أدلة ليس بمستقيم ، لأن جل من كتب فيه هم من أهل البدع كالرازي والغزالي والآمدي ..الخ ، فهم ما بين معتزلي وأشعري وصوفي .

وهم يذكرون أشياء أجزم بأننا نتفق أنهم أخطئوا فيها مثل رد أخبار الآحاد في الاعتقاد.

والله يوفقنا ويحفظنا .

176 معاني كلمات وجمل مشتهرة منتشرة في كتب أهل العلم للمشاركة

يحصل أن يقرأ بعضنا جملا وكلمات يكون كاتبها – أو قائلها – على علم ودراية بها ، ويظن الناس يعلمون علمه ، وقد تكون كذلك لكن في زمنه دون زمن من بعده .
وقد يقع بعضنا في حرج عندما يسمع – أو يقرأ – لعالم أو طالب علم وهو يقول : إن فلانا لا يعرف ( كذا ) من ( كذا ) ! ويكون المستمع أو القارئ من هذا النوع ! ويشعر بالحرج
ويذكرني هذا بقول من يصف غيره بالجهل بأنه ( لا يعرف كوعه من بوعه ) ! ولو سألت تسعة أعشار ونصف من يستمع له لكانوا من جماعة ذاك ( ابتسامة )
فلنحاول جمع ما يتيسر من الكلمات والجمل المشتهرة المنتشرة التي تحتاج لتوضيح ، فلعل في ذلك فائدة .
وأبدأ :
1. عبارة ” الشخصية الاعتبارية ”
قال الشيخ خالد المصلح :

الشخصية الاعتبارية: هي كل جهة ذات ذمة، وأهلية لثبوت الحقوق المالية لها وعليها، مستقلة عن حقوق الأفراد، ومن أمثلة هذا شخصية الدولة، وشخصية بيت المال، ونحو ذلك.
[ينظر: المدخل الفقهي للزرقا، 3/256-258 ].
من كتابه ” الحوافز التجارية ”

( المصالح المرسلة )

كثيرون يرددونها وقد يعرفون معناها والتمثيل لها ، لكنهم لا يستطيعون تفسير مفرداتها وخاصة كلمة ” مرسلة ”

فما معناها :

المصلحة ثلاثة أقسام:
1. مصالح اعتبرتها الشريعة ، فهي معمول بها ؛ لأن أدلة الشريعة اقتضت اعتبارها .
2. مصالح ألغتها الشريعة، فلا يجوز العمل بها ؛ لأن أدلة الشريعة أبطلت العمل بها .
3. مصالح مرسلة لم يأتِ في الشريعة دليل خاص يقتضي اعتبارها أو إلغاءها.
ومعنى كونها مرسلة أي : مطلقة خالية من الدليل الخاص على موضع النزاع أو البحث ، وتكثر في المعاملات .

فائدة 1 :
قال الشيخ السعدي رحمه الله :
مصالح مرسلة، وهي التي لم يأت بها نص لا بإلغائها ولا باعتبارها، وقد اختلف العلماء في حجيتها، فمنهم من يثبت الحجية، ومنهم من ينفي الحجية، وقد رأى شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهم الله- أنه لا يمكن أن توجد مصلحة مرسلة، بل المصالح جميع المصالح مُعْتَبَرة جميعا. من رأى مصلحة ظنها مرسلة فلا يخلو من أحد أمرين:
الأمر الأول: أن تكون مفسدة، ولا تكون مصلحة.
والأمر الثاني: أن يدل عليها نص من الشارع خفي على ذلك الفقيه، وفي هذا القول قوة، وفيه إثبات لكمال الشريعة ولشمولها، والناظر في النصوص الشرعية يجدها شاملة لأغلب مصالح العباد، وأن المرء لا يحتاج إلى القياس إلا في مواطن قليلة تسد النقص الوارد في دليل النصوص على الحوادث.
انتهى

فائدة 2:
قال الشيخ العثيمين رحمه الله :
المصالح المرسلة لا ينبغي أن تجعل دليلاً مستقلاً، بل نقول :هذه المصالح المرسلة إن تحققنا أنها مصلحة فقد شهد لها الشرع بالصحة والقبول وتكون من الشرع، وإن شهد لها بالبطلان فإنها ليست مصالح مرسلة ولو زعم فاعلها أنها مصالح مرسلة. وإن كان لا هذا ولا هذا فإنها ترجع إلى الأصل، إن كانت من العبادات فالأصل في العبادات الحظر، وإن كانت من غير العبادات فالأصل فيها الحل، وبهذا يتبين أن المصالح المرسلة ليست دليلاً مستقلاً.
انتهى

إخلاف الوعيد بين الشيخين الشنقيطي والعثيمين

قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – :

قوله تعالى: {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} :

هذه الآية الكريمة تدل على أن من كذب الرسل يحق عليه العذاب، أي يتحتم ويثبت في حقه ثبوتاً لا يصح معه تخلفه عنه، وهو دليل واضح على أن ما قاله بعض أهل العلم من أن الله يصح أن يخلف وعيده، لأنه قال: إنه لا يخلف وعده ولم يقل إنه لا يخلف وعيده، وأن إخلاف الوعيد حسن لا قبيح، وإنما القبيح هو إخلاف الوعد، وأن الشاعر قال:

وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

لا يصح بحال ؛ لأن وعيده تعالى للكفار حق ووجب عليهم بتكذيبهم للرسل كما دل عليه قوله هنا: {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ}.

وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف العلة كقوله: سها فسجد. أي لعلة سهوه وسرق فقطعت يده أي لعلة سرقته، ومنه قوله تعالى {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}، فتكذيبهم الرسل علة صحيحة لكون الوعيد بالعذاب حق ووجب عليهم، فدعوى جواز تخلفه باطلة بلا شك .

” أضواء البيان ”

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

الوجه السادس : أن يقال : إن هذا من باب الوعيد ، والوعيد يجوز إخلافه ؛ لأنه انتقال من العدل إلى الكرم ، والانتقال من العدل إلى الكرم كرم وثناء وأنشدوا عليه قول الشاعر ‏:‏

وإني وإن أوعدته أو وعدته ** لمخلف إبعادي ومنجز موعدي

أوعدته بالعقوبة ، ووعدته بالثواب ، لمخلف إيعادي ومنجز موعدي‏ .‏

وأنت إذا قلت لابنك ‏:‏ والله ، إن ذهبت إلى السوق لأضربنك بهذا العصا‏ ،‏ ثم ذهب إلى السوق ، فلما رجع ضربته بيدك ، فهذا العقاب أهون على ابنك ، فإذا توعد الله عز وجل القاتل بهذا الوعيد، ثم عفا عنه ، فهذا كرم ‏.‏

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 8 / 220 ، 221 ) .

قلت :

فهل يمكن التوفيق بين القولين بحمل تخلف الوعيد على المسلمين ، وعدم تخلفه في حق الكفار فلا يكون ثمة إشكال ولا خلاف ؟!

ثبت بالتجربة أن كل من أدمن ( الاحتجاج بالخلاف في مواجهة النص ) أفضى به ذلك إلى ( رقة الدين ) فيصبح يستصغر كثيرا من الخطايا التي يقترفها ، والواقع شاهد .

ثبت بالتجربة أن كل من أدمن ( الاحتجاج بالخلاف في مواجهة النص ) أفضى به ذلك إلى ( رقة الدين ) فيصبح يستصغر كثيرا من الخطايا التي يقترفها ، والواقع شاهد .

و قد نبّه الشاطبي على هذه العلاقة فقال : ” في اتباع رخص المذاهب من المفاسد : الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف ، والاستهانة بالدين إذ يصير سيالاً لا ينضبط ”

” الموافقات ” 5/102
منقول

(اللغة العربية لغة الظاء لا الضاد)

(اللغة العربية لغة الظاء لا الضاد)

شاع على ألسنة المشتغلين بالعربية وغيرهم أن العربية لغة الضاد ..
ويساق في هذا الصدد حديث حكم ابن كثير عليه بأن لا أصل له :
«أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش» . ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تح: مازن الجصلي، جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، ط1، 2004(29/1).
كما يساق قول المتنبي :
لاَ بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي …
وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لاَ بِجُدُودِي
وبهم فخـر كل من نطق الضا …
دَ وعوذ الجاني وغوث الطريد

ولكن عند التحقيق ربما حكمنا بأن هذه التسمية فيها نوع من المجازفة العلمية كبير ….
إليكم هذه النقول :
يقول ابن دُرَيد “ت321 هـ :”ستة أحرف للعرب، ولقليل من العجم؛ وهن: العين، والصاد، والضاد، والقاف، والطاء، والثاء”].
انظر:ابن دريد، جمهرة اللغة، تح: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين لبنان، ط1، 1987. ج1 ص41.
فهذا يثبت وجود الضاد عند العجم
وذهب مكي بن أبي طالب إلى أن الخصوصية للعرب في الضاد يرجع فقط إلى كثرة استعمال العرب للضاد مقارنة بغيرهم لا إلى احتكاره دون غيرهم .
يقول مكيُّ بن أبي طالب “ت437هـ”:
“ستَّة أحرف انفردت بكثرة استعمالِها العربُ، وهي قليلة في لغات بعضِ العجم، ولا توجد ألبتة في لغات كثير منهم، وهي: العين، والصاد، والضاد والقاف، والظاء، والثَّاء”
( انظر :مكي بن أبي طالب، الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، تح: أحمد حسن فرحات، دار عمار، الأردن، ط3، 1996. ص113)

ولهذا الرَّأي الأخير انتصر طائفةٌ من المُحَقِّقين؛ من أمثال: أبي حيَّان النَّحْوي “ت745هـ”[انظر :همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تح: عبدالحميد هنداوي، المكتبة التوفيقية، مصر، د.ت. ج3ص490]، وعزِّ الدين ابن جماعة “ت767هـ”[شرح كافية ابن الحاجب، تح: محمد محمد داود، دار المنار، د.ت. ج1 ص338.].

وهذا المذهب يتوافق مع ما توصَّلَ إليه المُشتغِلون بعلم اللغات المقارن؛ فإنهم يكادون يُجمِعُون على أنَّ مقولة: “العربية لغة الضاد” ليست دقيقة تمامًا، ومال بعضُهم إلى تأكيد وُجودِ صوت الضاد أو أَثَرٍ منه في اللُّغات السَّامية الأخرى،
ومن البحوث الرَّائدة في هذا المجال: الدراسة التي تقدَّمت بها “سلوى ناظم” إلى مؤتمر مَجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الخامسة والستِّين، موسومةً بـ: “العربية لغة الضاد أم الظاء؟!”، وفيها تُقرِّر: “أن الضاد التي وصفها القدامى لها وجودٌ في اللغات الحبشية.
(انظر: كمال بشر، علم الأصوات، دار غريب، مصر، 2000. ص264).
……………….

أما أن اللغة العربية هي لغة الظاء فهذا أقرب إلى الحقيقة منه إلى المجازفة …
فقدصَرَّح الخليل في مقدمة “العين” قائلاً: “وليس في شيءٍ من الألسن ظاءٌ غير العربية”[العين. ج1 ص53]، وكرَّر هذا المعنى في موضع آخر من الكتاب عينِه بقوله: “والظاء عربية لم تُعطَ أحدًا من العجم، وسائر الحروف اشتركوا فيها”(المصدر نفسه. ج8 ص174).
وبمثل قول الخليل يصرِّحُ مكي بن أبي طالب[الرعاية لتجويد القراءة. ص113]، وأَبو حيَّان النحوي، وشيخُه ابنُ أَبي الأَحْوَص، وغيرُ واحِدٍ[تاج العروس من جواهر القاموس. ج38 ص529.]، بل قد نقل أبو عمرٍو الداني الإجماعَ في هذه المسألة؛ فقال:
“أجمع علماء اللُّغة على أنَّ العرب خُصَّت بحرف الظاء دون سائر الأمم، لم يتكلَّم بها غيرهم”[الفرق بين الضاد والظاء في كتاب الله – عز وجل – وفي المشهور من الكلام، تح: حاتم صالح الضامن، دار البشائر، سورية، ط1، 2006. ص 34.]؛
فعلى هذا تكون العربية لغةَ الظَّاء لا الضَّاد.

فمن مجموع ما تقدَّم يُمكن القولُ: إنَّ نعتَ اللغة العربية بأنها لغة الظاءُ أَولى من نعتِها بكونها لغةَ الضاد؛
يقول كمال بشر: “هناك إشارات متناثرة في أعمال السابقين والخالفين تشير بل تكاد تُؤكِّد أنَّ صوت الظاء “لا الضاد” هو الخاص بالعربية”[علم الأصوات. ص272.]، ومن جملة تلك الإشارات المُومَأ إليها: البحث الموسوم بـ: “العربية لغة الضاد أم الظاء؟”، الذي تقدَّمت به “سلوى ناظم” إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الخامسة والستين[المرجع السابق. ص264.]، تُثبِتُ من خلاله أن الأَولى نعتُ اللسان العربي بأنه لسان الظاء.

ولكن :، نظريًّا لا يختلف عاقلان أن الحُكم على صوتٍ ما بأنه حِكرٌ على لسانٍ بعَينه، لا يتأتَّى إلا بعد استقراء جميع لغات البشر، وهيهاتَ لإنسانٍ أن يستقرئ جميع أنواع اللسان، فهذا الشافعيُّ “ت 204هـ” يقول:
“ولسان العرب أوسعُ الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يُحيط بجميع علمِه إنسانٌ غير نبيٍّ، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامَّتها حتى لا يكون موجودًا فيها مَن يعرفه” (لرسالة، تح: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، لبنان د. ت. ص42).

فإذا كانت الإحاطة باللسان العربي نفسِه مُمتنِعة، مع أنَّ أهلَه كانوا موجودين في رقعة جغرافية محدَّدة؛ فكيف الإحاطة بلغات سائر البشر، والحكم على صوت أو أصوات بعينِها بأنه قد خُصَّت به لغة دون بقيَّة اللغات؟!

#مشاركاتكم_
……

الشيخ بلعام

قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ وَاتـَّــبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذيِنَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } [الأعراف/175-176-177].
قال ابن القيم رحمه الله: فشبَّه سبحانه مَن آتاه كتابه وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيرَه فترك العمل به واتَّبع هواه وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو مِن أخبث الحيوانات وأوضعها قدراً، وأخسِّها نفساً، وهمَّته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهاً وحرصاً، ومِن حرصه أنَّه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمَّم ويستروح حرصاً وشرهاً. ولا يزال يَشُمُّ دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجرٍ رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو مِن أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا. والجيفُ القذرة المروحة أحبُّ إليه مِن اللحم الطري. والعذرة أحبُّ إليه مِن الحلوى وإذا ظفر بميتةٍ تكفي مائةَ كلـبٍ لم يَدَع كلباً واحداً يتناول منها شيئاً إلاّ هرَّ عليه وقهره لحرصه وبخله وشَرَهِه.
ومِن عجيبِ أمره وحرصه أنَّه إذا رأى ذا هيئةٍ رثةٍ وثيابٍ دنيَّةٍ وحالٍ زرِيَّةٍ نبحه وحمل عليه، كأنَّه يتصور مشاركتَه له ومنازعتَه في قُوتِه. وإذا رأى ذا هيئةٍ حسنةٍ وثيابٍ جميلةٍ ورياسةٍ وضع له خطمه بالأرض، وخضع له ولم يرفع إليه رأسه.
وفي تشبيه مَن آثر الدنيا وعاجلها على اللهِ والدارِ الآخرةِ مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سِرٌّ بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله مِن انسلاخه مِن آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لـهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولـهفه نظير لـهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى.
قال ابن جريج: الكلبُ منقطعُ الفؤاد، لا فؤاد له، إنْ تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهُدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطعٌ.
قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنَّه ليس له فؤادٌ يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا مِن قلة صبره عنها،وهذا يلهث مِن قلة صبره عن الماء، فالكلب مِن أقل الحيوانات صبراً عن الماء، وإذ عطش أكل الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبرٌ على الجوع.
وعلى كلِّ حالٍ فهو مِن أشدِّ الحيوانات لـهثاً، يلهث قائماً وقاعداً وماشياً وواقفاً، وذلك لشدَّة حرصه، فحرارةُ الحرصِ في كبده توجبُ له دوام اللهث.
فهكذا مشبَّهه شدةُ الحرص وحرارةُ الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث، فإنْ حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركتَه ولم تعظْه فهو يلهث.
قال مجاهد: ذلك مثَل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. وقال ابن عباس: إنْ تحمل عليه الحكمة لم يحملْها، وإن تتركْه لم يهتدِ إلى خيرٍ، كالكلب إنْ كان رابضاً لهث، وإنْ طرد لهث.
وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحقِّ، دُعي أو لم يُدْع، وُعظ أو لم يُوعظ، كالكلب يلهث طرداً وتركاً.
وقال عطاء: ينبح إنْ حملتَ عليه أو لم تحمل عليه.
وقال أبو محمد بن قتيبة: كلُّ شيءٍ يلهثُ فإنما يلهثُ مِن إعياءٍ أو عطشٍ إلا الكلب، فإنَّه يلهث في حالِ الكلال وحالِ الراحة وحالِ الصحة وحالِ المرض والعطش فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، وقال: إنْ وعَظْتَه فهو ضالٌّ، وإن ترَكْتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إنْ طردتَّهُ لهث وإنْ تركْتَه على حاله لهث ونظيره قوله سبحانه: { وَإِنْ تَدْعُوهُم إِلى الهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُم سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُم أَمْ أَنْتُم صَامِتُونَ } [الأعراف/193].
وتأمَّلْ ما في هذا المثل مِن الحِكم والمعاني:
– فمنها: قوله: { آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } فأخبر سبحانه أنَّه هو الذي آتاه آياته، فإنَّها نعمةٌ، والله هو الذي أنعم بـها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } أي: خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ مِن جلدها، وفارقها فراق الجلد يُسلخ عن اللحم. ولم يقل (فسلخناه منها) لأنَّه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه.
– ومنها: قوله سبحانه: { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان } أي: لحقه وأدركه، كما قال في قوم فرعون: { فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ } [الشعراء/60] وكان محفوظاً محروساً بآيات الله محميَّ الجانب بـها من الشيطان لا ينـال منه شيئاً إلا على غِرَّةٍ وخطفة. فلمَّا انسلخ مِن آيات الله ظفِر به الشيطانُ ظفَر الأسد بفريسته {فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} العاملين بخلاف علمهم الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.
– ومنها: أنَّه سبحانه قال: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فأخبر سبحانه أنَّ الرفعة عنده ليست بمجرد العلم – فإنَّ هذا كان مِن العلماء- وإنَّما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله، فإنَّ هذا كان مِن أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به، نعوذ بالله مِن علمٍ لا ينفع.
وأخبر سبحانه أنَّه هو الذي يرفع عبدَه إذا شاء بما آتاه من العلم، وإنْ لم يرفعه الله فهو موضوعٌ، لا يرفعُ أحدٌ به رأساً، فإنَّ الربَّ الخافضَ الرافعَ سبحانه خفضه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه وشرَّفْناه ورفعنا قدرَه ومنـزلته بالآيات التي آتيناه.
قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه.
وقالت طائفة: الضمير في قوله: {لَرَفَعْنَاهُ } : عائدٌ على الكفر والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه.
وهذا المعنى حقٌّ ، والأول هو مراد الآية، وهذا مِن لوازم المراد ، وقد تقدم أنَّ السلف كثيراً ما ينبهون على لازمِ معنى الآية، فيظنُّ الظانُّ أنَّ ذلك هو المراد منها.
وقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ }. قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض، وقال مجاهد: سكن. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ.
والمـُخلِدُ من الرجال: هو الذي يبطىء في مِشْيته، ومِن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى أنْ تخرج رَباعيَّتُه. وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود، وهو الدوام والبقاء. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به. قال مالك بن نويرة:
بأبناء حيٍّ مِن قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قلت: ومنه قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة/17] أي: قد خُلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سنٍّ واحدٍ أبداً.
وقيل: هم المقرَّطون في آذانهم، والمسوَّرون في أيديهم. وأصحاب هذا القول فسَّروا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد على ذلك السنِّ فلا تنافي بين القولين.
وقوله: { فَاتَّبَعَ هَوَاهُ }، قال الكلبي: اتَّبع مسافل الأمور وترك معاليها. وقال أبو رَوْق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى وقومه. وقال ابن يمان: اتَّبع امرأته لأنهَّا هي التي حملته على ما فعل.
فإنْ قيل: الاستدراك بـ (لكن) يقتضي أنْ يثبت بعدها ما نفى قبله، أو ينفي ما أثبت كما تقول: (لو شئتُ لأعطيتُه، لكني لم أعطِه) و (لو شئتُ لما فعلتُ كذا لكني فعلتُه).
والاستدراك يقتضي: (ولو شئنا لرفعناه بـها ولكنَّا لم نشأ، أو لم نرفعه)، فكيف استدرك بقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ } بعد قوله : { لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }؟
قيل: هذا مِن الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أنَّ مضمون قوله: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أنَّه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات: مِن إيثار الله ومرضاته على هواه، ولكنَّه آثر الدنيا وأخلدَ إلى الأرض واتَّبع هواه.
وقال الزمخشري: المعنى: ولو لزم آياتنا لرفعناه بـها، فذكر المشيئة، والمراد: ما هي تابعةٌ له ومسببةٌ عنه، كأنَّه قيل: ولو لزمها لرفعناه بـها. قال: ألا ترى إلى قوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أنْ يكون { وَلَوْ شِئْنَا } في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره: لوجب أنْ يقال: ولو شئنا لرفعناه، ولكنَّا لم نشأ. ا.هـ.
فهذا من الزمخشري شنشنةٌ نعرفها مِن قدريٍّ نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنُّجعة في جعْلِ كلام الله معتزليّاً قدريّاً. فأين قوله: { وَلَوْ شِئْنَا } مِن قوله: ولو لزمها؟. ثم إذا كان اللزوم لها موقوفاً على مشيئة الله -وهو الحق- بَطَل أصله.
وقوله: (إنَّ مشيئة الله تابعةٌ للزوم الآيات) مِن أفسدِ الكلام وأبطلِه، بل لزومه لآياته تابعٌ لمشيئة الله، فمشيئةُ الله سبحانه متبوعةٌ لا تابعةٌ، وسببٌ لا مسبَّب، وموجب مقتضٍ لا مقتضى، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده) ا.هـ .
انظر : ” أعلام الموقعين ” [1/165-169]. وانظر: ” الفوائد ” [ص150].
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:
ضرب اللهُ المثلَ لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها: بالكلب، ولم تكن حقارةُ الكلبِ مانعةً مِن ضربه تعالى المثلَ به. وكذلك ضربُ المثلِ بالذباب في قوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَـنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ } [الحج/73] ، وكذلك ضربُ المثلِ ببيتِ العنكبوت في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت/41]. وكذلك ضربُ الله المثلَ بالحمارِ في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةِ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة/5] وهذه الآيات تدل على أنَّه تعالى لا يستحيي مِن بيانِ العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة. وقد صرَّح بهذا المدلول في قوله: { إنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [البقرة/26]. ا.هـ (أضواء البيان [2/303]).

التعريف والتنكير

التنكير للأقل والتعريف للأعظم ( فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) هو الحديبية ،( إذا جاء نصر الله والفتح ) هو فتح مكة ، ( إنه كان فاحشة) هو الزنا ، ( أتأتون الفاحشة ) هو اللواط .