الرئيسية بلوق الصفحة 102

هل تتحمّل ذنب من يأخذ نصائحها ويحرّفها لإضلال المسلمين؟

هل تتحمّل ذنب من يأخذ نصائحها ويحرّفها لإضلال المسلمين؟

السؤال:

إنني أرسل رسالات بالبريد الإلكتروني إلى أناس أعرفهم وفي هذه الرسالات أكتب ما أعرفه عن الإسلام وأركانه وما ينبغي أن يفعل المسلم وبعض الأحاديث والآيات وتفسيرها وكيفية الصلاة والصيام وما شبهه ولكن لأنهم في البريد الإليكتروني فأخاف أن أحداً قد يغير في المعلومات الموجودة ويرسلها خاطئة ويضل قوم بها فهل يقع إثم ذلك علي جزاكم الله خيرًا وهل تفضلون أن أفعل ذلك؟ والسلام.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جزاك الله خيرًا – أخي في الله – وبارك الله فيك لحرصك على إرسال الرسائل للتعريف بدين الله وأحكامه، ووفقني الله وإياك إلى طاعته والدعوة في سبيله.

ثانيًا:

لا تجعل للشيطان سبيلًا ليصدك عن الدعوة إلى الله تعالى، ولا تتوقع ما ليس كائنًا، ولا تبالغ في توقع ما ليس بحادث؛ فإن حبائل الشيطان كثيرة ومصائده قاتلة خفية، فلا يثبطنك عن نشر الدعوة إلى الله تعالى.

وقد قال تعالى { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعـذ بالله إنه هو السميع العليم} [ سورة فصلت / 36]

وقد يكون هذا من الوساوس التي قد يظنها الناس أنها من كمال التقوى وما هي كذلك ، بل هي مكايد الشيطان .

روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا  من خلق كذا، حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ” رواه البخاري ( 3102 ) ومسلم ( 134 ).

وكثيرًا ما يحدث مثل هذا الوسواس لبعض المصلين فيصلي بدل الركعة عشر ركعات وهو يظن أنه لم يصلِ إلا ركعة واحدة حتى يمل من كثرة الصلاة فيترك الصلاة.

عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: قلت:  يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبّسها عليّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثًا”. رواه مسلم (2203 ).

وقد بلغ ببعض الناس من الوسواس أنه من كثرة إعادته للطهارة شتم الدين وترك الصلاة، فليست الحيطة التي في غير موضعها من الصلاح بل هي غلوٌ مفرط وهي من مكايد الشيطان لتجعلك تترك الدعوة إلى الله تعالى.

 

 ثالثًا:

أما إن كنت متيقنًا من تلبيس أعداء الله وتحريفهم للذي تنشره وترسل به أنت بالذات، وأن لك أعداءً تعرفهم يترصدون بك وبدعوتك الدوائر، ورأيت أن ضررهم عليك وعلى دعوتك كبير بحيث يجعلون الحق باطلاً والباطل حقًا: فحاول معالجة ذلك بالأسلوب الذي ترى وبالطريقة التي تناسب.

 

فإن استعصى ذلك عليك، وكان الضرر كبيرًا بحيث يقلب الموازين: فدعك مما أنت فيه واسلك في الدعوة سبيلا أنجح وأصلح وأسلم فإن أساليب الدعوة كثيرة ومتعددة.

وما هذا البريد الإلكتروني إلا محدث جديد لم يعرفه الناس ممن هم قبلنا، وكانوا يدعون إلى الله، بل كانوا أنهض بالدعوة منا مع أن أساليبهم الدعوية عادية وقد قال تعالى { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } [ البقرة / 286 ].

– والدعوة إلى الله لا تجب إلا على المستطيع.

 

 

والله أعلم.

هل يثاب على اتباع الرسول حتى في الأمور الدنيوية؟

هل يثاب على اتباع الرسول حتى في الأمور الدنيوية؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

أنا محتار بخصوص السنة. فعندنا في أمريكا رجلان من أهل العلم وقد خالف قول كل واحد منهما قول الآخر. لقد سمعت أن السنة هو فعلٌ إذا قام الفرد به, أثيب عليه, وإن لم يفعله, لم يأثم لتركه.  وفيما يخص تتبع أفعال النبي (صلى الله عليه وسلم) بحذافيرها كالجلوس على الأرض لتناول الطعام, فقد طُرح السؤال على شخصين وهما من أهل العلم, فقال أحدهما بأنه إذا جلس الفرد على الأرض لتناول الطعام وهو ينوي بذلك متابعة فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم), فإنه يثاب على ذلك. بينما قال الآخر بأنه لا يثاب على ذلك العمل لأن ذلك الموضوع هو موضوع دنيوي. فما هو الرأي الصحيح؟ الأمر يهمني لأنه إن لم يكن هناك ثواب على الجلوس على الأرض لتناول الطعام؛ لأنه موضوعا دنيويا بحتا, فأنا أفضل الجلوس على الطاولة لتناول الطعام, وأن أرتدي الملابس التي ليست على السنة.

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

  1. المسلم مطلوب منه أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو القدوة والأسوة الصالحة لهذه الأمة.
  2. اختلف العلماء في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على عدة أقسام:
  • هواجس النفس والحركات البشرية كتصرف الأعضاء وحركات الجسد فهذا الأمر لا يتعلق به أمر اتباع ولا نهي.
  • مالا يتعلق بالعبادات ووضع فيه أمر الجبلة كالقيام والقعود ونحوهما فليس فيه تأس ولا به اقتداء ولكنه يدل على الإباحة عند الجمهور.
  • ما احتمل أن يخرج عن الجبلة إلى التشريع بمواظبته عليه على وجه معروف وهيئة مخصوصة كالأكل والشرب واللبس والنوم وخصوصا إذا وقع فيه الإرشاد إلى بعض هيئات الأكل أو الشرب أو اللباس أو النوم فهذا على الصحيح أنه داخل في التشريع وهو مذهب الشافعي ورجحه الشوكاني في كتابه ” إرشاد الفحول “، ويدخل في هذا القسم ما سأل عنه السائل.
  • ما علم اختصاصه به صلى الله عليه وسلم كالوصال في الصيام والزيادة على أربع في الزواج فهو خاص به لا يشاركه به غيره إلى غير ذلك من التقسيمات.

” إرشاد الفحول ” للشوكاني ( ص 160 ).

  1. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل على الأرض.

وورد عنه أنه قال: ” آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد “.

رواه أبو يعلى ( 8 / 318 ). والحديث: صححه العلامة الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 544 ).

وورد أيضا من حديث  أنس بن مالك قال: ” ما أكل النبي  صلى الله عليه وسلم  على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق، قلت لقتادة: على ما يأكلون قال على السفر “.

رواه البخاري ( 5099 ).

– والخِوان: ما يوضع عليه الطعام.

– سكرجة: إناء يوضع فيه المشهيات.

فمثل هذا الأمر لا يجب على المسلم أن يتأسى به وله أن يقتدي به صلى الله عليه وسلم، فإذا أكل المسلم على الطاولة لا يأثم.

وأما اللباس فإنا مأمورون أن نخالف أهل الكتاب وعموم الكفار في لباسهم، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وتحذيره من ألبسة الكفار.

قال صلى الله عليه وسلم: “من تشبه بقوم فهو منهم “. رواه أبو داود ( 4031 ).

– والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 8 / 49 ).

وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: ” هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها”. رواه مسلم ( 2077 ).

ولأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عتبة بن فرقد بقوله له : ” إياك وزي أهل الشرك”. رواه ومسلم ( 2069 ).

 

والخلاصة:

أنه يستحب للمسلم أن يتأسى بالرسول صلى الله عليه وسلم بما ذكره السائل من الأكل والشرب على الأرض ولا إثم على من أكل على طاولة وأما اللباس فإن المسلم مأمور أن يلبس زي المسلمين وأن يخالف زي المشركين.

 

 

والله أعلم.

هل يجوز اشتراط عدم الإنجاب في عقد الزواج أو الاتفاق على ذلك؟

هل يجوز الاتفاق على عدم الإنجاب أو اشتراط ذلك في عقد الزواج؟

السؤال:

هل يجوز الاتفاق على عدم الإنجاب أو اشتراط ذلك في عقد الزواج؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد بيَّنا حكم ” زواج المسيار ” في جواب سابق وذكرنا أنه عقد صحيح إذا استوفيت شروطه وأركانه وخلا من الموانع، وأنه خلاف الأولى لما فيه من أضرار ومفاسد قد ذكرناها هناك.

ثانيا:

وأما بخصوص اتفاق الزوجين على عدم الإنجاب فإن هذا إما أن يكون لأمدٍ أو يكون لأبد، وأما الحالة الأولى وهو أن يتفقا على عدم الإنجاب لفترة مؤقتة فهو أمر لا حرج فيه، وأما أن يكون اتفاق الزوجين على عدم الإنجاب للأبد فمحل خلاف بين العلماء، فمِن قائل بالجواز، ومن قائل بالتحريم والمنع، وإذا جُعل هذا شرطا في عقد النكاح فمن العلماء من يرى بطلان العقد ومنهم من يرى صحة العقد وبطلان الشرط، وهذا هو الصواب، فالمنع من الإنجاب بالكلية مخالف للشرع الذي أوصى بالتكاثر والتناسل، وجعل ذلك من مقاصد الزواج، وفي الوقت نفسه ليس ذلك بمبطل لعقد النكاح بل هو شرط باطل إذا جُعل في عقد النكاح، فيصح العقد ويبطل الشرط ولا يجوز الالتزام به من قبَل أي طرف من الطرفين.

قال شرف الدين الحجاوي – رحمه الله -:

إذا شرطا أو أحدهما الخيار في النكاح أو في المهر أو عدم الوطء أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما أو شرط عدم المهر أو النفقة أو قسمة لها أقل من ضرتها أو أكثر أو أن أصدقها رجع عليها أو يشترط أن يعزل عنها … : بطَل الشرط وصح العقد.

” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” ( 3 / 193 ).

ثالثا:

وننبه إلى صورة مسألة وحكمها تتعلق بموضوع السؤال، وهو ما يفعله بعض الأزواج من تعليق استمرار عقد النكاح على إنجاب الزوجة فإذا أنجبت طلقها، وهو زواج فاسد محرَّم.

 

 

وقد قال علماء ” المجمع الفقهي الإسلامي ” في ” رابطة العالم الإسلامي “، في الدورة الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة ما نصُّه:

  1. ” الزواج المؤقت بالإنجاب ” وهو عقد مكتمل الأركان والشروط إلا أن أحد العاقدين يشترط في العقد أنه إذا أنجبت المرأة فلا نكاح بينهما أو أن يطلقها، وهذا الزواج فاسد لوجود معنى المتعة فيه؛ لأن التوقيت بمدة معلومة كشهر، أو مجهولة كالإنجاب يصيِّره متعة، ونكاح المتعة مجمع على تحريمه.

انتهى.

قرار رقم : 106 ( 5 / 18 ).

 

 

والله أعلم.

هل يجوز الدعاء بـ ” اللهم استرنا بسترك الذي سترت به نفسك “؟!

هل يجوز الدعاء بـ ” اللهم استرنا بسترك الذي سترت به نفسك “؟!

السؤال:

عندما كنتُ في أحد المساجد بخطبة الجمعة في بلدي: سمعت دعاء الإمام قائلا: ” اللهم استرنا بسترك الذي سترت به نفسك!”، فهل يصح هذا الدعاء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الدعاء منكر، وفيه اعتداء، حيث يريد الطالب أن يجعل ستر الله تعالى عليه كستر الله تعالى نفسه عن خلقه، فيريد ما اختص الله تعالى نفسه أن يجعله له! وهذا وجه النكارة.

عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ ) رواه أبو داود ( 96 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

ورد هذا الدعاء على ألسنة بعض الناس وهو: ” اللهم استرني بسترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا عين تراك “، هل هذا صحيح يُدعى به، أفيدونا أثابكم الله؟.

فأجاب:

ما ورد هذا الدعاء، قوله: ” الذي سترت به نفسك فلا يراك أحد “: هذا خاص بالله، وهو أنه لا يُرى في الدنيا، وأنه دون الأنوار، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فلا ينبغي أن يَشرك الربَّ سبحانه وتعالى في هذا النور أحدٌ أو في هذا الستر، فله أن يدعو أن يستر الله عورته، وأن يؤمِّن روعته، كما ورد ذلك في حديث: ( اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي )، فأما سترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا يراك أحد: فلم يرِد مثل هذا.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( شريط 62 ) و ( 3 / 160 ) – ترقيم الشاملة – .

 

 

والله أعلم.

هل يجوز للداعي أن يقول: ” يا رحمن يا الله ” أو ” يا تواب يا الله “؟

هل يجوز للداعي أن يقول: ” يا رحمن يا الله ” أو ” يا تواب يا الله “؟

السؤال:

أثناء الدعاء بأسماء الله الحسنى هل تصح هذه الصيغة ” اللهم يا رحمن يا الله، يا رحيم يا الله، يا غفور يا الله، يا تواب يا الله ” تكرار لفظ الجلالة مع كل اسم من أسماء الله الحسنى؟ هل يعتبر ذلك من الاعتداء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا نرى مانعًا شرعيًّا بأن يدعو المسلم ربه تعالى، وأن يتوسل بأسمائه الحسنى بذِكر أحد أسمائه، ثم يعقبه بلفظ الجلالة ” الله “؛ لأن هذا هو ما يسمى ” ذِكر العام بعد الخاص “، فاسم الله تعالى ” الله ” يدل على جميع أسمائه تعالى، فمن دعا الله أو توسل بأسمائه الحسنى، فذكر اسمًا من أسمائه دون غيره، أو ذكر أكثر من واحد، أو ذكرَ واحدًا ثم أعقبه باسم الله تعالى الجامع لكل الأسماء وهو ” الله “، أو اكتفى باسم الله تعالى ” الله “: فكل ذلك جائز، ولا نرى مانعًا منه، ولا حرجًا في فعله، على أن يُحسن اختيار الاسم المناسب لحاجته، فالرحمن، والغفور، والتواب: يُدعى بها في حال طلب المغفرة، والعفو عن الزلات، والقوي، والقهار، العزيز: يُدعى بها في حال طلب النصرة، وهكذا.

* قال الشيخ ابن باز – رحمه الله -:

وهكذا استعمال ” يا لطيف “، أو ” يا الله “، أو نحو ذلك بعدد معلوم يَعتقد أنه سنَّة: لا أصل لذلك، بل هو بدعة، ولكن يُشرع الإكثار من الدعاء بلا عدد معين، كقوله: ” يا لطيف  الطف بنا، أو اغفر لنا، أو ارحمنا، أو اهدنا “، ونحو ذلك.

وهكذا يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا غفور، يا حكيم، يا عزيز، اعف عنا، وانصرنا، وأصلح قلوبنا وأعمالنا، وما أشبه ذلك؛ لقول الله سبحانه: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) غافر/ 60، وقوله عز وجل: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) البقرة/ 186.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 26 / 176 ، 177 ).

 

 

والله أعلم.

هل يجوز وضع علامات على القبر؟

هل يجوز وضع علامات على القبر؟

السؤال:

العادة عندنا أن القبر يوضع فيه حجر أو السمنت أو وتد من قصب في جهة رأس الميت وفي رجله وأحيانا في رأسه فقط, فما حكم الإسلام في ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

حرَّم الشرع البناء على القبور، وأمر بهدم ما بني عليها، وأجاز وضع علامة على قبر الميت يتعرف من خلالها أهله وأصحابه عليه، ولا ينبغي أن تكون هذه العلامة بناءً أو شيئًا آخر منع منه الشارع.

  1. أما تحريم البناء على القبور فدليله:

عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجَصَّصَ القبر وأن يُقعد عليه وأن يُبنى عليه. رواه مسلم ( 970 ).

– التجصيص: الطلاء بالجص وهو الكِلس.

قال الشوكاني:

قوله ” وأن يُبنى عليه “: فيه دليل على تحريم البناء على القبر.

وفصَّل الشافعي وأصحابه فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام. ولا دليل على هذا التفصيل.

وقد قال الشافعي: رأيتُ الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى.

ويدل على الهدم حديث علي المتقدم.

” نيل الأوطار ” ( 4 / 132 )، وقول الشافعي في ” الأم ” ( 1 / 277 ).

وحديث علي رضي الله عنه المشار إليه: هو الآتي في الفقرة التالية.

 

  1. وأما الأمر بهدم ما بني على القبور، فقد ثبت ذلك في السنة.

عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أن لا تدع تمثالا إلا طمستَه ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّيتَه.

رواه مسلم ( 969 ).

قال الشوكاني:

قوله ” ولا قبرًا مشرفًا إلا سويتَه ” فيه: أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا مِن غير فرقٍ بين مَن كان فاضلا ومَن كان غير فاضل.

والظاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك.

والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير كما قال الإمام يحيى والمهدي في ” الغيث ”  لا يصح لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية وتحريم رفع القبور ظني.

ومِن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوليًّا: القُبب والمشاهد المعمورة على القبور وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد وقد لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعل ذلك.

” نيل الأوطار ” ( 4 / 130 ).

 

  1. وأما جواز تعليم القبر بشيء مباح، فقد جاء في السنة ما يبين ذلك.

عن كثير بن زيد المدني عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدُفن؛ أَمَر النبي  صلى الله عليه وسلم  رجلا أن يأتيه بحجَرٍ فلم يستطع حملَه، فقام إليها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وحسر عن ذراعيه – قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: – كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أَتَعَلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي.

رواه أبو داود ( 3206 ). والحديث: حسَّن إسنادَه الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 2 / 133 ).

قال ابن قدامة:

ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة، قال أحمد: لا بأس أن يعلِّم الرجل القبرَ علامةً يعرفه بها، وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم قبرَ عثمان بن مظعون.

” المغني ” ( 2 / 191 ).

 

 

والله أعلم.

هل يدفع زكاة ماله لأخيه الذي يصرف عليه والده؟

هل يدفع زكاة ماله لأخيه الذي يصرف عليه والده؟

السؤال:

هل يجوز أن أدفع كامل مبلغ زكاة أموالي ( 8400 ) ريالا لأخي الذي لم يكمل دراسته الجامعية بسبب ظروفه الصحيَّة النفسيَّة ولم يجد وظيفة، وهو الآن مقيم عند والدي الذي يصرف عليه علما أن والدي مستور الحال؟

 

الجواب:

الحمد لله

دفع الزكاة إلى الأقارب الذين هم من أهلها أفضل من دفعها إلى من هم ليسوا من قرابتك؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، إلا إذا كان هؤلاء الأقارب ممن تلزمك نفقتهم وأعطيتهم من الزكاة ما تحمي به مالك من الإنفاق فإن هذا لا يجوز.

 

وتجب نفقة أخيك على والدك، ولا يجوز لك دفع الزكاة لوالدك إن احتاج للنفقة واستطعت النفقة عليه، فإن كان مستور الحال ولا يحتاج لنفقتك، وكان أخوك الذي في رعاية والدك محتاجا للمال لفقره أو مسكنته وكان غير قادر على الكسب: فيجوز لك إعطاءه من زكاة مالك، وهي صدقة وصلة، وبخاصة أنك لا ترثه.

 

* فالأخ يعطي أخاه من زكاة ماله في حالات معينة:

  1. إذا كان المزكِّي لا تجب عليه نفقة أخيه لكونه غير وارث منه.
  2. إذا كان المزكِّي لا ينفق على أخيه لعدم كفاية ماله لتلك النفقة.
  3. إذا كان مال الزكاة في قضاء ديْن الأخ.

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

توفي والدي رحمه الله وترك أسرة مكونة من سبعة أشخاص مع امرأة أخرى غير والدتي، وليس لهم معيل سواي بعد الله سبحانه، فهل يجوز اعتبار ما أنفقه عليهم من مالي الخاص زكاة شرعية لأموالي تلك – علما بأنني متزوج وأعول أسرة أنا الآخر -؟

ثانيا: لي أخ أكبر متزوج من زوجتين، وله من العيال الكثير، ولا يكاد يكفيهم، ويطلب مني المساعدة كثيرا، فهل يجوز اعتبار ما أرسله له من الزكاة الشرعية؟.

فأجابوا:

لا مانع من صرف الزكاة لأخوتك من الأب ذكورهم وإناثهم مستقبلا، إذا كانوا فقراء ليس لديهم من المال ما يغنيهم عن الزكاة، وهكذا يجوز لك صرف الزكاة مستقبلا لأخيك الأكبر إذا كان فقيرا ليس لديه من المال أو الكسب ما يغنيه عن الزكاة لعموم آية الصدقات في قوله تعالى: { إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } [ التوبة / 60 ].

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 10 / 57 ، 58 ).

 

* وقالوا – في موضع آخر -:

يجوز لكم إعطاء إخوتك الأشقاء ووالد زوجتك من الزكاة ما يكفيهم إذا كان ما يدخل عليهم لا يكفيهم. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 10 / 59 ).

 

* وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

وسؤالكم عما إذا كان لكم أخ، أو أخت شقيقة، فهل يجوز دفع زكاتك إليه؟.

جوابه: إن كان دفعك الزكاة إليه يتضمن إسقاط واجب له عليك، مثل أن تكون نفقته واجبة عليك فتعطيه من الزكاة، لتوفِّرَ مالك عن الإنفاق عليه: فهذا لا يجوز؛ لأن الزكاة لا تكون وقاية للمال، وإن كان لا يتضمن إسقاط واجب له، مثل أن تكون نفقته غير واجبة عليك، لكونك لا ترثه، أو لكون مالك لا يتحمل الإنفاق عليه مع عائلتك، أو تعطيه لقضاء دين عليه لا يستطيع وفاءه: فهذا جائز أن تدفع زكاتك إليه، بل هو أفضل من غيره وأولى؛ لأن إعطاءه صدقة وصلة.

” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 18 / 422 ، 423 ).

 

 

والله أعلم.

هل يدخل النار إذا زادت السيّئات على الحسنات؟ وهل هناك مسلم لن يدخل الجنّة؟

هل يدخل النار إذا زادت السيّئات على الحسنات؟ وهل هناك مسلم لن يدخل الجنّة؟

السؤال:

إذا زادت سيئات العبد عن حسناته فسوف يدخل النار. هل هذا صحيح؟ وإذا انتهى عقاب المسلم في النار هل يذهب الجنة؟ وهل هناك أي مسلم لن يدخل الجنة مطلقًا؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إنَّ الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلها وجعل لها من يسكنها من المجرمين، غير أن الذين كتب الله لهم أن يدخلوا النار منهم من يؤمن بالله تعالى وبرسوله الذي أرسل وبكتابه الذي أنزل غير أنه أسرف على نفسه بارتكاب بعض المعاصي فجعل الله تعالى له قسطا من النار، ولكن مهما طال به المقام فيها فإنه – ولا بد – خارج منها إلى الجنة.

وعصاة المسلمين وإن عذبوا بالنار فإنهم سيخرجون منها، وهذا الذي قلناه أجمع عليه العلماء من سلف الأمة وخلفها ولا تجد عالمًا واحدًا من أهل السنَّة قال بغيره.

والأدلة على ما قلنا:

عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله:  …….  يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النَّار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه، فيُخرجون مَن عرفوا ثم يعودون فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيُخرجون مَن عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا …….

رواه البخاري ( 7001 ) ومسلم ( 183 ).

وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”  إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النَّار رجلٌ يخرج منها زحفًا، فيقال له: انطلق فادخل الجنَّة، قال: فيذهب فيدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال: له أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمن، فيتمنى، فيقال له: لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا، قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.  رواه مسلم ( 186 ).

* قال الطبري: 

لأنَّ الله قضى على أهلها بالخلود في النَّار، والخلود في النَّار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به.

” تفسير الطبري ” ( 1 / 385 ).

 

وقال ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: 

ومما يبين به الفرق أيضاً أنه سبحانه قال هناك: { وأعدَّ لهم عذابًا مهينًا }، والعذاب إنَّما أُعدَّ للكافرين فإنَّ جهنَّم لهم خلقت؛ لأنَّهم لا بد أن يدخلوها وما هم منها بمخرجين، وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا غفر الله لهم وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين.

” دقائق التفسير ” ( 2 / 460 ).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى –: عن الشفاعة في أهل الكبائر من أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يدخلون الجنة أم لا ؟

 فأجاب:

إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم ولا يبقى في  النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان بل كلهم  يخرجون من النار ويدخلون الجنة ويبقى في الجنة فضل فينشئ الله لها خلقا آخر يدخلهم الجنة …..  ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 309 ).

* وقال ابن تيمية أيضًا:

قلت: فأحمد بن حنبل لم يرد قط أنه سلب جميع الإيمان فلم يُبق معه منه شيءٌ كما تقوله الخوارج والمعتزلة فإنَّه قد صرح في غير موضع بأن أهل الكبائر معهم إيمان يخرجون به من النار واحتج بقول النبي عن الله عز وجل: ” أَخرِجوا من  النَّار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان “، وليس هذا قوله ولا قول أحد من أئمة أهل السنة، بل كلهم متفقون على أن الفساق الذين ليسوا منافقين معهم شيءٌ من الإيمان يخرجون به من النار، هو الفارق بينهم وبين الكفار والمنافقين. ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 257 ).

ثانيًا:

ومعتقد أهل السنَّة أن المسلم ما دام لم ينقض إسلامه وتوحيده بناقض يخرجه من الإسلام فإنه سيدخل الجنة ولا بد، ولن يكون أي مسلم من المسلمين من الخالدين في النار، حتى ولو ارتكب أكبر الكبائر فتجري عليه أحكام المسلمين في الدنيا والآخرة.

وخالفت فرقة الخوارج أهل السنة وحكمت على العصاة من أصحاب الكبائر بالكفر والخروج من الدين فحكمت عليه بالخلود في النار، فأجرت عليه أحكام الكفر في الدنيا والآخرة.

وقالت المعتزلة: نحن نقول بالمنزلة بين المنزلتين فهو ليس بكافر ولا تجري عليه أحكام الكفر في الدنيا، فيصلى عليه إذا مات، ويرث ويورث، وينكح وينكح وغير ذلك من الأحكام التي تجري على المسلمين في الدنيا، ولكن قالوا: هو – في الآخرة – ليس مسلمًا وهو خالد في النار يوم القيامة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: 

حيث كفَّرت الخوارجُ بالذنب وجعلوا صاحب الكبيرة كافرًا مخلداً في النار ووافقتهم المعتزلة على زوال جميع إيمانه وإسلامه وعلى خلوده في النار لكن نازعوهم في الاسم فلم يسمُّوه كافرًا بل قالوا: هو فاسقٌ لا مؤمنٌ ولا مسلمٌ ولا كافرٌ، ننزله منزلةً بين المنزلتين، فهم وإن كانوا في الاسم إلى السنَّة أقرب فهم في الحكم في الآخرة مع الخوارج، وأصل هؤلاء أنهم ظنُّوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والحمد والذم، بل إمَّا لهذا، وإما لهذا، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها وقالوا: الإيمان هو الطاعة، فيزول بزوال بعض الطاعة. ” العقيدة الأصفهانية ” ( 1 / 175 ).

 

والله أعلم.

هل يعذَّب في قبره من تكون حسناته أكثر من سيئاته في الميزان؟

هل يعذَّب في قبره من تكون حسناته أكثر من سيئاته في الميزان؟

السؤال:

أفهم، وأدرك، أن المسلم يمكن أن يُعذَّب في القبر، لكن الذي أريد أعرفه هو التالي: نعلم أن الإنسان المسلم سوف توزن أعماله يوم القيامة، فإن رجحت الحسنات على السيئات: فإن الله عز وجل سيغفر لهذا المسلم، أو المسلمة، ويدخله الجنة، سؤالي هو: عندما يكون نفس هذا الإنسان المسلم في القبر, فهل سيعذَّب في قبره على الرغم من الله عز وجل سيغفر له يوم القيامة؟ وهل سنُعذب في الآخرة على الرغم من أننا سندخل الجنة؟.  وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثبت عذاب القبر ونعيمه عند أهل السنَّة والجماعة، كما جاء ذلك دلت في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وعليه أجمع سلف الأمة.

وأن الأصل في عذاب القبر ونعيمه أنه على الروح، وقد تتصل الروح بالبدن فيصيبه شيء من العذاب أو النعيم.

– وعذاب القبر منه ما يستمر إلى قيام الساعة، ومنه ما ينقطع.

ثانيًا:

وأما بخصوص سؤالك أخي الفاضل: فاعلم أن كثرة الحسنات على السيئات ليست بمنجية صاحبَها من عذاب القبر بذاتها؛ لأن الوعيد المترتب على العذاب في البرزخ ليس هو الوعيد المترتب على العذاب في نار جهنم، وقد يأتي المسلم بسيئة واحدة تُوعِّد على مثلها بالعذاب في قبره، فيعذَّب عليها، وله أمثال الجبال من الحسنات.

والميزان الذي توزن به أعمال الناس فيشقى بعده طوائف خفت موازينهم، ويسعد آخرون ثقلت موازينهم: إنما يكون هذا في آخر المطاف بعد أن يقطع الناس أشواطًا في مراحل الدار الآخرة، وما قبل الميزان لا تعلق للأعمال ثقلًا وخفة، وكثرة وقلة، بالعذاب.

* قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -:

والذي تدل عليه الآي، والأخبار: أن من ثقل ميزانه: فقد نجا، وسلِم، وبالجنة أيقن، وعلِم أنه لا يدخل النار بعد ذلك، والله أعلم.

” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 272 ).

والمسلم الذي نفترض كثرة حسناته لو وضعت في الميزان بعد موته مباشرة: لا ينجو من عذاب القبر إن شاء الله تعذيبه على بعض سيئاته تلك، وليتأمل الأخ السائل المسائل التالية فهي تحل الإشكال الوارد في ذهنه:

  1. من كثرت حسناته على سيئاته وأجاب الملَكين في القبر عن أسئلتهم: لا يعني بالضرورة أنه ينجو من عذاب القبر إذا جاء بما يستحق عليه العذاب من سيئاته تلك، وشاء الله أن يعذبه عليها، عذابًا دائمًا، أو منقطعًا.
  2. من كثرت حسناته على سيئاته ليس بالضرورة إذا رأى مقعده من الجنة في قبره أنه لن يعذَّب على ما شاء الله من ذنوبه، وللعلماء في هذا قولان:

الأول: أن من ارتكب سيئات وشاء الله تعذيبه في القبر، وهو في الآخرة من أهل الجنة: أنه يرى مقعده من الجنة باعتبار مآله.

والثاني: أنه يرى مقعده من النار باعتبار حاله.

ويشبه هذا الذي ذكرناه آنفًا: أنه من أخذ كتابه بيمينه يوم تطاير الصحف فإنه لا يلزم أنه لا يُعذَّب على ما شاء الله من ذنوبه؛ فإن من اعتقاد أهل السنَّة أن أهل الكبائر يأخذون كتبَهم بأيمانهم، ومع هذا فقد ينالهم نصيب من العذاب.

* وعليه:

فكل ما ورد في السنَّة الصحيحة من وقوع بعض عذاب القبر – البرزخ – على طائفة من الناس: فإننا ندري جزمًا أن بعضهم تزيد حسناته على سيئاته، ومنهم أولئك الصحابة الذين شفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف من عذابيهما في القبر، وكان أحدهما لا يستبرئ من بوله، والآخر يمشي بالنميمة، فمثل هؤلاء لا شك أن حسناتهم تزيد على سيئاتهم، لكن هذا العذاب الذي في القبر قبل ميزان الأعمال، وليس بالضرورة من ينجو في الآخرة بعد ميزان أعماله أنه ينجو قبل ذلك.

ثالثًا:

ومن حكمة الله تعالى أنه لم يجعل الميزان أول موت العبد؛ ويبدو لنا بعض الحكَم من ذلك نرجو أن تكون موفقة للصواب:

  1. أنه يُخفف حِمل السيئات على العاصي بما يصيبه من عذاب القبر؛ تخفيفًا عنه من عذاب جهنم، ولا شك أن ما يصيب العاصي من عذاب القبر أهون عليه مما يصيبه من نار جهنم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب: فإن ذلك يُكفِّر الله به خطاياه، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا حزَن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله به من خطاياه ). ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 375 ).

 

* قال رحمه الله:

السبب الثامن: ما يحصل في القبر، من الفتنة، والضغطة، والروعة، فإن هذا مما يكفّر به الخطايا. ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 500 ).

  1. أنه ليس كل مَن جاء بحسنات تبقى معه حتى يدخل بها الجنة، ولا من جاء بسيئات تبقى معه حتى يدخل بسببها النار، فثمة ما يُسمَّى ” المقاصة “، وهو أخذ أصحاب الحقوق من حسنات من ظلمهم، أو إلقاء سيئاتهم عليه، كما في حديث ” المفلس ” الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهذا إنما يكون قبل الميزان.

* قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -:

و أما المخلِّطون: فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل؛ فإن كانت الحسنات أثقل، ولو بصؤابة – وهي بيضة القَمْل -: دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل، ولو بصؤابة: دخل النار، إلا أن يغفر الله، وإن تساويا: كان من أصحاب الأعراف، هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات، وكانت له حسنات كثيرة: فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات، فيحمل عليه مِن أوزار مَن ظلمه، ثم يعذب على الجميع، هذا ما تقتضيه الأخبار.

” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 269 ، 270 ).

  1. أنه لم تنقطع الحسنات، ولا السيئات بالموت، بل ثمة ” حسنات جارية “، و ” سيئات جارية “، فالأول: كمن تصدَّق بصدقة جارية، أو علَّم علما نافعا، أو دلَّ غيره على عمل صالحٍ، أو كان له ذرية يعملون بعد موته بطاعات، وكل ذلك مما يجعل للميت مجالاً لزيادة الحسنات، وأما الثاني: فهو لمن دلَّ غيره على عمل فاسد، أو ابتدع بدعة، وغير ذلك مما تجري سيئات أعمالهم على فاعلها، وعلى الميت، الذي كان سببا في فعل تلك السيئات والبدع.

وبه يُعلم أنه ليس بالموت يقف ” عدَّاد ” الحسنات، والسيئات، ولذا نرى عظيم الحكمة في عدم اعتبار الميزان أول موت المسلم، بل لا يكون ذلك إلا في آخر المطاف، وبعدها يكون دخول الجنة، أو النار، وعندها يمكن للمسلم أن يفهم معنى قوله تعالى: ( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الأعراف/ 8، وقوله: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) القارعة/6، 7.

  1. ولو كان الاعتبار في القبر بغلبة الحسنات على السيئات: لما كان للوعيد على فعل بعض السيئات التي توعَّد الله تعالى أصحابها بعذاب القبر، لئلا يفعلوها، كمثل عقوبة المرابي وأنه يسبح في نهر دم، وعقوبة الزناة والزانيات، والعقوبة على النميمة، والغلول من الغنائم، والكذب، وعدم الاستبراء من البول، وغير ذلك مما جاءت النصوص واضحة في التنصيص على معاصٍ بعينها.

 

  1. ولو جعل ميزان الأعمال هو الفيصل في القبر: لفُقد القسم الثالث من الناس، وهم ” أصحاب الأعراف “! وهم الذين تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، والمعروف أن القبر لا يكون إلا جنة أو نارا، فماذا سيكون مصير أولئك لو كان ميزان الحسنات والسيئات هو الفيصل للحكم على أهل القبور؟!.

 

* والخلاصة:

أن المسلم لا تقف أعداد حسناته وسيئاته على ما مات عليه مما كسبه، واكتسبه، فقد تزيد الحسنات، والسيئات، وقد تقلان، بما ذكرناه سابقا، وأن العبرة بالميزان هو ما يكون فيه في آخر المطاف قبل السعادة والشقاء بثقل موازين الحسنات وخفتها، وأن الوعيد بالعذاب في القبر – البرزخ – بفعل بعض السيئات لا يمنع منه قيامه بكثير من الحسنات، إنما العذاب على فعل تلك السيئات، وبين الأمرين فرق كبير، فالعذاب في القبر – إن شاءه الله للعاصي – يكون بفعل ما يستوجبه من كبائر وذنوب، ودخول الجنة أو النار في آخر المطاف يكون بالموازنة بين الحسنات والسيئات.

 

 

والله أعلم.

يريدون نصيحة في زيادة إيمانهم

السؤال:

نعيش في بلاد عربية إسلامية لكنا عدنا لم نذق طعم الايمان، فنشكو قلة أهل الخير الذين يذكرونا بالله فجزاكم الله خيرا انصحونا بوصية ننتفع بها.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ننصحك أن تقرأ القرآن كثيرًا، وتكثر من الاستماع لتلاوته وتتدبر معاني ما تقرأ وما تسمع منه بقدر استطاعتك، وما أشكل عليك فهمه فاسأل عنه أهلَ العلم ببلدك أو مكاتبة غيرهم من أهل العلم من علماء السنَّة.

وننصحك أيضًا بالإكثار من ذِكر الله بما ورد من الأذكار في الأحاديث الصحيحة مثل ” لا إله إلا الله ” ومثل ” سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ” ونحو ذلك، وارجع في ذلك إلى كتاب ” الكلِم الطيب ” لابن تيمية، وكتاب ” الوابل الصيِّب ” لابن القيم، وكتاب ” رياض الصالحين ” وكتاب ” الأذكار النووية ” للنووي وأمثالها.

فإنَّ ذِكر الله يزداد به الإيمان وتطمئن به القلوب، قال الله تعالى { إلا بذكر الله تطمئن القلوب }.

وحافظ على الصلاة والصيام وسائر أركان الإسلام مع رجاء رحمة الله، والتوكل عليه في كل أمورك، قال الله تعالى { إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقّاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم }.

” اللجنة الدائمة ” ( 3 / 185، 186 ).

عبد العزيز بن باز، عبد الرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان، عبد الله بن قعود.

 

  1. الإيمان يزيد بطاعة الله، وينقص بمعصيته، فحافظ على ما أوجب الله من أداء الصلوات في وقتها جماعة في المساجد، وأداء الزكاة طيبة بها نفسك طُهرة لك من الذنوب ورحمة بالفقراء والمساكين.

وجالس أهل الخير والصلاح ليكونوا عونًا لك على تطبيق الشريعة، وليرشدوك إلى ما فيه السعادة  في الدنيا والآخرة.

وجانب أهل البدع والمعاصي لئلا يفتنوك ويضعفوا عزيمة الخير فيك.

وأكثِر مِن فِعل نوافل الخير، والْجأ إلى الله، واسأله التوفيق.

إنك إن فعلتَ ذلك: زادك الله إيمانًا، وأدركتَ ما فاتك من المعروف، وزادك الله إحسانًا واستقامة على جادة الإسلام.

” اللجنة الدائمة ” ( 3 / 187 ).

عبد العزيز بن باز، عبد الرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان.

 

والله الهادي.