الرئيسية بلوق الصفحة 139

كيف يتصرف من استمع لخطيبٍ دعا إلى ضلالة أو قرَّر بدعة؟

كيف يتصرف من استمع لخطيبٍ دعا إلى ضلالة أو قرَّر بدعة؟

السؤال:

لدينا إمام المسجد المحلي يحث على فعل بعض البدع، بعض الإخوة حذَّره من هذه البدع بالدليل، ولكن إلى الآن مصرّ على هذه البدع، هل تنصحون أن لا يذهب المرء إلى خطبة صلاة الجمعة في الأيام التي يعلم أن الخطبة ستكون عن الحث في فعل البدع, كالاحتفال بالمولد، والنصف من شعبان, الخ … ؟, وماذا يفعل المرء إذا ذهب إلى خطبة الجمعة ثم بدأ الإمام يحث على فعل بعض البدع؟ هل يقوم أثنا الخطبة ويذهب إلى بيته ويصلي صلاة الظهر, أم ماذا يفعل؟ هل يحتمل المرء أيّ إثم لو شهد هذه الخطب؟ لأن بعض الإخوة نصحوا الإمام ولكنه مصرّ عليها؟ هل يرد نفس الحكم فيما لو كان يذكر الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة في بعض الخطب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

من ابتلي في مسجد حيَّه بإمام صاحب بدعة: فلا تخلو بدعته من أن تكون كفريَّة، أو دون ذلك، فإن كانت بدعة كفرية: لم يجز الصلاة خلفه، لا جمعة، ولا جماعة، وإن كانت بدعة لا تخرجه من الملة: فالراجح هو جواز الصلاة خلفه، جمعةً، وجماعة، وقد استقرَّ هذا الحكم – غالبا – حتى صار شعارا لأهل السنَّة، والصحيح – كذلك -: أنه لا يعيد الصلاة إن صلاَّها خلف ذلك المبتدع، والقاعدة في ذلك: ” أنه من صحَّت صلاته لنفسه: صحَّت إمامته “.

وإن أمكن الذهاب لغير ذلك الإمام المبتدع: فقد يتعيَّن ذلك، وخاصة على أعيان العلماء، وطلبة العلم، وذلك من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأما ترك الصلاة خلفه للصلاة في البيت: فليس هذا جائزا في الجماعة، ومن باب أولى أنه لا يجوز في الجمعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو علم المأمومُ أن الإمام مبتدعٌ، يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة، والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك: فإن المأمومَ يصلي خلفه، عند عامة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم.

ولهذا قالوا في العقائد: ” إنه يصلِّي الجمعة والعيد خلف كل إمام، بَرًّا كان، أو فاجراً “، وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد: فإنها تصلي خلفه الجماعات؛ فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده, وإن كان الإمام فاسقا.

هذا مذهب جماهير العلماء: أحمد بن حنبل، والشافعي، وغيرهما، بل الجماعة واجبة على الأعيان في ظاهر مذهب أحمد، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر: فهو مبتدع عند الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة، كما ذكره في رسالة ” عبدوس “، وابن مالك، والعطار.

والصحيح: أنه يصليها، ولا يعيدها؛ فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة، والجماعة، خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون كما كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، وابن مسعود وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة، وكان يشرب الخمر حتى إنه صلى بهم مرة الصبح أربعاً، ثم قال: أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة! ولهذا رفعوه إلى عثمان.

وفي صحيح البخاري أن عثمان – رضي الله عنه – لمَّا حُصر: صلَى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان، فقال: إنك إمام عامة، وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة، فقال: يا بن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا: فأحسن معهم، وإذا أساءوا: فاجتنب إساءتهم، ومثل هذا كثير.

والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه: لم تبطل صلاته، لكن إنما كره مَن كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة، أو فجورا لا يرتَّب إماماً للمسلمين، فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب: كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه، وصلَّى خلف غيره: أثَّر ذلك حتى يتوب، أو يُعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه: فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه: كان في مصلحة، ولم يفت المأموم جمعة، ولا جماعة.

وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعةَ، والجماعةَ: فهنا لا يَترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع، مخالف للصحابة رضي الله عنهم.

” الفتاوى الكبرى ” ( 2 / 307 ، 308 ).

ثانيا:

وبما سبق يُعلم أنه لا يجوز لمن سمع الخطيب يدعو لبدعة، أو يحث على فعلها، أو يذكر أحاديث ضعيفة، أو موضوعة: لا يحل له مفارقة المسجد، وترك الخطبة، إلا أن يكون عالِما ذا شأن، وعلى أن يفارقه ليصلِّي عند غيره، وعلى أن يكون قد سبق منه النصح لذلك الخطيب، وتبيين الحق له، وأما إن لم يكن منه سابق نصح، أو كان لا يلحق مسجدا آخر: فالظاهر هو عدم جواز الخروج من المسجد أثناء الخطبة، إلا أن يكون الخطيب ممن لا تجوز الصلاة خلفه أصلا.

وقد ذكرنا في جواب سابق حكم مقاطعة خطيب الجمعة أثناء الخطبة إذا تكلَّم بضلال، أو قرَّر بدعة، أو دعا إلى شرك، وقلنا هناك بجواز ذلك، لكنه مقيَّد بعدم ترتب فتنة بين النَّاس في ذلك، وتضييع الجمعة عليهم، ويؤجل من أراد الإنكار عليه لحين انتهاء الخطبة، فيقوم ويبين للناس خطأ ما قال الخطيب.

ونضيف هنا: أن بعض العلماء يرى وجوب ذلك الإنكار، وأنه يتعين المبادرة به قبل انفضاض الناس، على أن يقوم بهذا الأمر من عنده علم بالشريعة وأدلتها.

قال الشيخ خالد المشيقح – حفظه الله -:

وأما ما سأله الأخ السائل في الفقرة الثانية من أن الخطيب ذكر أن الاحتفال بالمولد مستحب وأن التوسل بالقبور ليس شركاً… إلخ: فهذا جانب فيه الصواب، فمن كان عنده علم: فعليه أن يقوم، وأن يناقشه، وأن يبيّن الدليل، ووجه الصواب، والحق في هذه المسألة، وهذا أمر متعيّن، بل هو أمر واجب؛ لأن هؤلاء الجمع إذا انفضوا: ترسَّب ذلك في أذهانهم، واعتقدوه، وأخذوا به … إلخ. انتهى.

ويجب على أراد القيام بالإنكار أن يتلطف في بيان الحق، ونقد ما قال ذلك الخطيب، حتى يؤدي إنكار المنكر ثمرته المرجوَّة.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم الإسلام في خطيب يتحدث أثناء الخطبة، أو كلها، عن إسرائيليات، أو يذكر أحاديث ضعيفة، يبغي بذلك إعجاب الناس به؟.

فأجابوا:

إذا علمتَ يقيناً أن ما يذكره في الخطبة إسرائيليات لا أصل لها، أو أحاديث ضعيفة: فانصحه بأن يأتي بدلا عنها بالأحاديث الصحيحة، والآيات القرآنية، ولا يجزم بنسبة شيء إليه صلى الله عليه وسلم لا يعلم صحته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” الدين النصيحة ” الحديث رواه مسلم في الصحيح، على أن تكون النصيحة بالأسلوب الحسن، لا بالشدة، والعنف، وفقك الله، ونفع بك.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 229 ، 230 ).

والخلاصة:

أنه إن أمكنكم الذهاب لمسجد لا تقام فيه بدعة، ولا يدعو خطيبه لضلالة: فحسنٌ تفعلون، وإن حضر أحدكم خطبة دعا فيها الخطيب لبدعة، أو ذكر أحاديث لا أصل لها: فالحكم في ذلك يختلف باختلاف المنكِر، والمنكَر عليه، وحال الناس الذين حضروا للجمعة، فيتعيَّن على العالِم ما لا يتعين على غيره، وتقدَّر الأمور بعواقبها، وفي كل ذلك عليكم تكثيف جهودكم في الدعوة إلى الله، والحرص على التلطف، والأسلوب الحسن في دعوة الناس.

 

والله أعلم.

صوَّره والده عندما كان صغيرا وهو يقضي حاجته ويغتسل، وإخوته يرون ذلك الآن!.

صوَّره والده عندما كان صغيرا وهو يقضي حاجته ويغتسل، وإخوته يرون ذلك الآن!.

السؤال:

صورني أبي عندما كنت صغيرا في الحمام وأنا أقضي حاجتي، وأستحم، وعندما كبرت أصبح يرى هذا الفيديو إخوتي، وهم يضحكون عليَّ، إنها حقًّا مأساة، فما حكم ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف العلماء المعاصرون في حكم التصوير الفوتوغرافي، والتصوير بالفيديو، وقد سبق أن رجحنا تحريمهما، إن كان تصويرا لذوات الأرواح.

وإذا كان هذا هو قول العلماء في الصور ولو كانت لأطفال يصلون فأولى أن يكون التحريم لأطفال يقضون حاجتهم! أو يغتسلون عراة!.

وقد تساهل كثيرون في هذه المسألة، فصوروا بناتهم صغارا، ثم لم كبرن، وتزوجن، كانت صورهن تتداولها الأيدي، وتقلب النظر فيها العيون، وليت الأمر وقف عند المحارم، بل تعداه إلى الأجانب! حتى صار من الصعوبة بمكان جمع تلك الصور، أو أشرطة الفيديو لإتلافها، ومثله يقال في تصوير الأبناء وهم عراة يغتسلون، وأما تصويرهم عند قضاء الحاجة فإنه جمع بين حرمة التصوير وكشف العورة في حال لا ينبغي أن يطلع عليها أحد، وهو فعل منافٍ للحياء والعفاف.

والمعلوم أن لبعض أهل العلم أقوال في جواز النظر إلى عورة الصغير، ولمسها عند الحاجة لتنظيفه، لكن تصويره بالكاميرا، أو بالفيديو، ليس من هذا الباب؛ لأن ذلك التصوير والتسجيل يُحفظ، ويستمر عرضه، حتى لو كبر، وتزوج، وشاخ! وهو ما يوقعه في حرج بالغ، خاصة مع زوجته، وأولاده، وإذا كان المصوَّر أنثى: أحرجها ذلك مع زوجها، وأولادها.

فالواجب على الآباء المبادرة فورا لإتلاف الصور التي يحتفظون بها لأولادهم – ذكورا وإناثا – وبخاصة تلك التي يكونون فيها على حال لا ينبغي أن يراهم عليها أحد، وهو ما نوصي والدك بفعله، وعليه أن يراعي حرمة النظر إلى العورات، ويراعي شعورك تجاه عرض تلك الصور والأفلام أمام أشقائك، وغيرهم.

وليُعلم أن من يجيز التصوير الفوتغرافي، أو التصوير بالفيديو: لا يُجيز تصوير أحدٍ وهو يقضي حاجته، أو وهو يغتسل، ولو كان صغيراً، وليُفصل بين مسألة نظر الوالدين لعورة صغيرهم عند الاغتسال، أو التنظيف من النجاسة، أو تعليم الطهارة، وبين مسألة تصوير ذلك والاحتفاظ بها؛ فإن بينهما فرقا كبيرا، وبونا شاسعا، وليس هذا الأمر كذاك.

فاطلب من والدك بلطف أن يتخلص من تلك المحفوظات, وأوقفهم على حكم الشرع في فعله قديما وحديثا، وفي حال عدم استجابته: اطلب من أشقائك عدم النظر إلى تلك الصور والأفلام، ولعلَّ الله أن يخلصك من هذه المشكلة، وأن يُزيل عنك همَّها، وغمَّها.

 

والله أعلم.

صفات إبراهيم – عليه السلام – التي استحق لأجلها الخُلَّة

صفات إبراهيم – عليه السلام – التي استحق لأجلها الخُلَّة

السؤال:

لماذا مُيِّز إبراهيم عليه السلام عن غيره من الأنبياء بخلة الرحمن؟ وهل في قصة ذبح إسماعيل عليه السلام علاقة بهذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لم يختص إبراهيم عليه السلام بخُلَّة الرحمن سبحانه وتعالى، بل شاركه فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

عن جُنْدَب بنِ عَبْدِ الله البَجَلي قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: ” إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا “. رواه مسلم ( 532 ).

قال ابن القيم – رحمه الله -:

مرتبة الخلة التي انفرد بها الخليلان: إبراهيم، ومحمد، صلى الله عليهما وسلم، كما صح عنه أنه قال: ” إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلاً “، وقال: ” لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن “، والحديثان في الصحيح، وهما يبطلان قول من قال: ” الخلة لإبراهيم، والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليله ومحمد حبيبه “.

” مدارج السالكين ” ( 3 / 30 ).

ثانيا:

وقد أنكر بعض أهل البدع صفة الخُلَّة للرحمن تبارك وتعالى، وهذه الطوائف المبتدعة تزعم أنها تنزِّه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، ولم تدر أنها هي التي شبهت الخالق بالمخلوق، وتشبيهها هذا دعاها لتعطيل الصفة، فجمعوا بين ضلالين، ولم يكتفِ بعضهم بذينك الضلالين حتى أضاف لهما ثالثا، وهو تحريف الصفة، وسموا تحريفهم: ” تأويلا “.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأصل الخُلَّة: عبادة الله وحده، والعبادة: غاية الحب، والذل، وموسى صاحب الكتاب والكلام، ولهذا كان الكفار بالرسل ينكرون حقيقة خلة إبراهيم، وتكليم موسى، ولما نبغت البدع الشركية في هذه الأمة: أنكر ذلك الجعد بن درهم، فقتله المسلمون …. ” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 202 ، 203 ).

وقال – رحمه الله – ناقلا عن الإمام أبي عبد الله محمد بن خفيف من كتابه ” اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات ” قوله -:

والخُلَّة والمحبة صفتان لله، هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخُلَّة جائز عليها الكيف، فأما صفاته تعالى: فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف، قد انتفى عنهما التشبيه، فالإيمان به واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط. ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 80 ).

ثالثا:

وقد استحق كلا النبيين عليهما السلام هذه المنزلة لما لهما من الصفات، والأفعال، التي لأجلها اتخذهما الرحمن خليلين له.

وبخصوص النبي إبراهيم عليه السلام: فإن الله تعالى قد أثنى عليه في القرآن ثناء عظيماً، وذكر له من الصفات والأفعال ما استحق بها أن يكون خليلاً لربه تعالى، وأعظم تلك الصفات والأفعال: تحقيقه للتوحيد، وبراءته من الشرك والمشركين، حتى نسب الدين والملَّة إليه عليه السلام، ولذا فلا عجب إن علمنا أن الله تعالى أمر نبيَّه محمَّداً صلى الله عليه وسلم أن يتبع هذه الملَّة في قوله: ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ النحل / الآية 123 ] ، وأمر سبحانه عبادَه جميعهم بذلك الاتباع لتلك الملَّة إتباعه في قوله: ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) [ آل عمران / الآية 95 ].

ومن عظيم صفات وأفعال إبراهيم عليه السلام:

1 – 5 قال تعالى : ( إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتا لِّلَّهِ حَنِيفا . شَاكِرا لأَنْعُمِهِ ) [ النحل / الآية 120 – 121 ].

6 – 8 قال تعالى: ( إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ) [ هود / الآية 75 ].

  1. كرمه وسخاؤه، قال تعالى: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ . إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًاً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ . فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ . فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ) [ الذاريات / الآية 24 – 27 ].
  2. الصبر، قال تعالى: ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) [ الأحقاف / الآية 35 ] ، وإبراهيم عليه السلام من أولي العزم من الرسل، كما لا يخفى، وهم المذكورون في قوله تعالى: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) [ الشورى / من الآية 13 ].
  3. البراءة من الشرك والمشركين، قال تعالى: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وممَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ … ) [ الممتحنة / من الآية 4 ].

وقال تعالى: ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) [ التوبة / من الآية 114 ].

  1. قيامه بالأوامر، قال تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة / الآية 124 ].

وغير ذلك من الصفات والأفعال، وقد كتبت في ذلك دراسات، وبحوث متخصصة، يمكن الرجوع إليها لمزيد بيان، وبمجموع تلك الصفات، وبعظيم تلك الفعال: استحق إبراهيم عليه السلام أن يكون خليلا لله تعالى.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وإنما سمي خليل الله: لشدة محبة ربه عَزَّ وجَلَّ له؛ لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 423 ).

رابعا:

وأما عن علاقة الأمر بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بالخلة: فالذي يظهر أن لذلك أعظم الصلة، وأقوى الارتباط، وقد بيَّن الإمام ابن القيم رحمه الله ذلك، فقال:

والخُلة هي: المحبة التي تخللت روح المحب، وقلبه، حتى لم يبق فيه موضع لغير المحبوب كما قيل:

قد تخللتِ مسلك الروح منِّي … ولذا سمي الخليل خليلا

وهذا هو السر الذي لأجله – والله أعلم – أُمر الخليل بذبح ولده، وثمرة فؤاده، وفلذة كبده؛ لأنه لما سأل الولدَ فأعطيه: تعلقت به شعبة من قلبه، والخلة منصب لا يقبل الشِّركة، والقسمة، فغار الخليلُ على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبح الولد؛ ليُخرج المزاحم من قلبه، فلما وطن نفسه على ذلك، وعزم عليه عزما جازماً: حصل مقصود الأمر، فلم يبق في إزهاق نفس الولد مصلحة، فحال بينه وبينه، وفداه بالذبح العظيم، وقيل له: يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا، أي: عملت عمل المدق.

( إنا كنا كذلك نجزي المحسنين ) نجزي من بادر إلى طاعتنا، فنقر عنه، كما أقررنا عينك بامتثال أوامرنا، وإبقاء الولد، وسلامته.

( إن هذا لهو البلاء المبين ) وهو اختبار المحبوب لمحبه، وامتحانه إياه ليؤثر مرضاته، فيتم عليه نعمَه، فهو بلاء محنة، ومنحة، عليه معا.

” مدارج السالكين ” ( 3 / 30 ، 31 ).

 

والله أعلم.

يطلب النصيحة: هل يُكمل تعليم بناته بعد مرحلة الابتدائية؟.

يطلب النصيحة: هل يُكمل تعليم بناته بعد مرحلة الابتدائية؟.

السؤال:

سائل يسأل ويقول: عنده بنات تخرجن من المرحلة الابتدائية، وهو متردد الآن، هل يجعلهن يواصلن دراسة المرحلة المتوسطة والثانوي، أم يقتصر على المرحلة الابتدائية؟. أرجو التوضيح، والإشارة بما يراه الشيخ – حفظه الله-، ونفع بعلمه.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يخفى على المسلم ما تعانيه الأسر الملتزمة من آثار سيئة في ذهاب بناتهم إلى المدارس؛ حيث يلتقين بغيرهن من البنات على اختلاف دينهن، وسلوكهن، وبيئاتهن، مما يسبب في كثير من الأحيان تضادًّا فيما يتعلمنه ويتربين عليه في البيوت، مع ما يسمعنه، ويرينه من أولئك البنات.

وبخصوص النصيحة بتعليم البنات بعد مرحلة الابتدائية: فإن النظر يكون من جهات متعددة:

  1. المنهج الدراسي.
  2. المدرسات.
  3. بيئة الدراسة.

فإذا كان المنهج الدراسي للمراحل بعد الابتدائية مستقيماً، نظيفاً، ليس فيه خلل، ولا مخالفات للشرع، وكانت المدرسات على قدر من الالتزام والاستقامة وحسن التربية، وكانت البيئة التي تدرس فيها البنت بيئة نظيفة، من حيث سلوك الطالبات، والأمن في التوصيل والرجوع من المدرسة: فإننا لا نرى حرجاً من أن تكمل البنت دراستها بعد المرحلة الابتدائية، وأما مع وجود خلل فيما ذكرناه من تلك الجهات: فننصح بالبحث عن الشيء الكامل في الباب، أو الاكتفاء بتلك المرحلة، مع التنبيه على ضرورة – في حال الاكتفاء بالابتدائية – وضع برنامج دراسي، وتثقيفي للبنات في البيت، فيُستعان بمعلمة مربية تقوم على تعليم وتربية البنات في البيت، وتضع لهن منهاجا متكاملا يجمع بين العلم الشرعي، وحفظ القرآن، وبين العلوم الحياتية الدنيوية، وبذا يأمن المسلم على عرضه، ويقوم بواجبه في جانب التعليم والتربية، ويكون قد بذل من الأسباب ما نرجو أن يؤجر عليه، وأن يُحفظ له عرضه من الإساءة.

وإنما ذكرنا تلك الجهات الثلاث لما نراه ونسمعه ونقرؤه من جناية على الطالبات، وتلويث سلوكهن، منذ الصغر، إما بسبب المنهاج التعليمي السيء، أو بسبب المعلمات – في الحكومة ، أو القطاع الخاص -، أو بسبب الطالبات اللاتي تتنوع بيئاتهن، ويعلِّمن الصغيرات على الشر والفساد، كمراسلة الفتيان، وتكوين علاقات معهم، ونشر المقاطع العارية الفاسدة عن طريق البلوتوث، أو” السيديات “، أو تداول قصص الحب والغرام، وكل هذا يصدر من بنات في ” الإعدادية “، ولسنا نتكلم من فراغ، ولا نبالغ في الوصف، بل هي حقائق لا تُنكر.

نعم، ويوجد مناهج نظيفة طيبة، ومدرسات على خُلُق، ودِين، وبيئة تدريس ليس فيه شوب، ولا خلل، ونحن إنما ندعو إلى تعليم البنات – وكذا الأبناء – في مثل هذا.

مع التنبيه على أنه يوجد في قوانين بعض الدول: الإلزام للأهل بتعليم أولاده إلى مرحلة معينة، فلينتبه لهذا؛ لئلا تترتب مفاسد عليه أعظم من المصالح التي يحققها، وذلك في حال أن يكون الاكتفاء بالمرحلة الابتدائية هو قراره.

 

والله الموفق.

شكوى على والدها الملتزم أنه يسيء إلى أهل بيته ويحسن للزوجة الثانية!.

شكوى على والدها الملتزم أنه يسيء إلى أهل بيته ويحسن للزوجة الثانية!.

السؤال:

سؤالي عن الأب الذي يهمل أولاده وبيته، ويبخل عليهم بكل شيء، وكلما طلبنا منه شيئا قال: ” ليس لديَّ مال، ما عندي شيء “، وبيته متهالك، وقديم، ويحتاج إلى تجديد، بالإضافة إلى سوء حالة الأثاث، وحتى ثياب أبنائه رثة، ورخيصة، وكلما طلبوا منه شيئاً يقول: ” ثوب واحد يكفي، الإسراف حرام، وأنا لست جالسًا على بنك “، والأكل يتركهم يطبخون الأرز بدون إيدام، وإذا جاءه الضيوف ذبح، ووضع كل أنواع الأكل للضيوف! وأولاده وبيته يحرِّم عليهم الأكل الطيب، ويشك في بناته مع أنهن عفيفات، وشريفات، ويفتش في أغراضهن، وجوالاتهن، وحتى أم عياله لا يحترمها، ولا يقدرها، ويحرمها من أهلها، حتى إن أمها وأباها توفوا ولم ترهم!, والمصيبة أن الأب مطوَّع ( ملتزم ) !، ويخرج في سبيل الله، ويعتكف في المساجد، ويقيم حلقات الذِّكر في المساجد، لكن خارج البيت يضحك، ويمزح، وعندما يدخل البيت ينكِّد على أهل بيته، ويغثهم بكلامه الجارح، ومعاملته السيئة، وفوق هذا كله تزوج الثانية، وبنى لها بيتاً كبيراً جدًّا – 3 طوابق -، وديكور، وأثاث، ولو ترى بيت زوجته الأولى تقول: بيت فقراء، والذي يقهرني أنه مقتدر، وعنده المال، ويبخل علينا، منقهرة على كل السنين التي راحت، وهو يلبسنا أرخص ملابس، ونعيش في بيت حالته سيئة جدًّا، وكأنه بيت إنسان فقير ومحتاج، ولما تزوج الثانية عمل لها كل شيء راقي، فلماذا خرجت أمواله الآن عندما تزوج، ونحن عياله، وبناته يوم كنَّا نطلب يقول: ” ما عندي، أنتم طلباتكم ما تخلص، أزعجتوني، لا تطلبون مني شيئاً، أنا لا أجلس على بنك “، والله – يا شيخ – أني كرهت أهل المساجد! والملتزمين! بسببه، وأحس أنهم كلهم ظالمون، ومنافقون مثله، وحتى إنني في بعض المرات لا أصلي، وأقول: ” يا رب نحن عمرنا ما عملنا شيئاً يغضبك، ونعيش صح، ونخاف الله، وهذا حالنا؟ والناس العاصون والذين ما يخافون الله مرتاحون في حياتهم؟ “,  حتى أبي كرهته، وعرفت أنه ما يحبنا، وجعلنا طول عمرنا في حاجه للناس, حتى أيام المدرسة لما كانت أمي تطلب ملابس وقمصان بنت الجيران القديمة لنلبسها؛ لأن أبي لا يشتري لنا، وأنا الآن لا أسلم عليه، ولا أقبِّل رأسه مثل الأول، وأكلمه بجفاء، ولا أجلس معه لأني أحس أنه لا يحبنا، ويكرهنا.

أرجوك أن تقرأ موضوعي كله، وتقول لي كيف أتصرف؛ لأن نفسيتي تعبت، وما أعرف كيف أتصرف، وجزاك الله خيرا.

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد عُرف عن الإخوة في جماعة التبليغ التواضع، وحسن الخلق، والحرص على الدعوة للقريب والبعيد، وما ذكرته السائلة من حال وصفات والدها يخالف المعروف عنهم، وهذا لا يعني عصمتهم من الوقوع في الزلل، وإنما ننبه على هذا حتى لا يكون مثل السؤال باب للطعن في الجماعة نفسها، أو لتعميم الحكم على أفرادها، أو على الملتزمين جميعهم – كما فعلته السائلة هداها الله -.

وها هم المسلمون أنفسهم قد أنزل الله لهم قرآنا، فيه ما يصلح حالهم، وفيه التحذير من الوقوع فيما يُغضبه عز وجل من سيئات الأخلاق والأفعال، ومنهم طوائف كثيرة لم تستجب لما يحب الله، ووقعت فيما يُغضبه تعالى، وإنما العيب فيهم ومنهم، لا من التشريع المطهَّر الذي فيه خيرهم وصلاحهم، ولا يجوز التوصل إلى الطعن بالإسلام من أجل تصرفات أولئك العصاة المخالفين لشرع ربهم تعالى.

ومنه – مما له تعلق بالسؤال -: تعدد الزوجات، فهو تشريع محكم، وأحكامه واضحة بينة في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يجوز لمن لا يستطيع العدل بين الزوجات أن يعدد، وأنه يجب عليه أن يعدل بينهم في النفقة، والكسوة، والمبيت، فإذا وُجد من يخالف هذا، ويظلم حق الأولى، أو الثانية: فالعيب فيه، ومنه، ولا دخل للشرع المطهَّر بتصرفاته، بل إنه قد جاءه فيه التحذير، والوعيد، إن ظلم، أو جار في تعدده.

ثانيا:

وما يراه المسلم من تصرفات بعض الملتزمين لا ينبغي أن يعكس ذلك عليه يؤثر في دينه واستقامته؛ لأن كل بني آدم خطَّاء، وعلى المسلم أن يساهم في تكثير النماذج الطيبة الصالحة في هذه الطائفة من الناس، لا أن يتخلى عنهم، ويتزع عنه لباسهم، فإن إن فعل ذلك فقد انتقل إلى ما هو أسوأ، وأشر، وأقبح مما كان فيه، وقد يكون انتقل من إسلام إلى كفر، كمن ارتدَّ بسبب تصرف مسلم، أو ترك الصلاة – كحال السائلة أحيانا -، وهذا غاية ما يحرص عليه أبالسة الإنس والجن، عندما يشيعون تصرفات بعض الملتزمين السيئة، سواء كانت صحيحة في أصلها، أو هي عليهم مفتراة.

ثالثا:

كما نحذر السائلة – وغيرها – من التسخط على قدر الله، والطعن في حكمته تعالى، ففي سؤالها جملة يُفهم من ظاهرها الاعتراض على الله في تقديره، والطعن في حكمته عز وجل، فهي تظن أن المسلم إن كان يخشى ربه، ويتقيه أنه سيعيش أبد عمره في سعادة، وهناء، وأن حال الشقاء والهموم والغموم إنما هي من نصيب العصاة! وهذا ليس بصحيح شرعا، ولا هو واقع فعلا، قال تعالى: ( فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ . كلَاَّ ) [ الفجر / الآية 15 – 17 ] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

بيَّن سبحانه أنه ليس كل مَن ابتلاه في الدنيا يكون قد أهانه، بل هو يبتلي عبده بالسراء والضراء، فالمؤمن يكون صبَّاراً شكوراً، فيكون هذا، وهذا: خيراً له، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له, وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر, فكان خيرًا له, وإن أصابته ضراء صبر, فكان خيرًا له “.

” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 75 ).

فالابتلاء للطائعين يحصل كثيرا، وكثيرا ما يُعاقب العصاة بضيق صدر، وبهموم وغموم، فضلاً عن العقوبات في أبدانهم.

والمسلم يعلم أنه قد يفتن في دنياه، قال تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ .وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) [ العنكبوت / الآية 2 – 3 ].

والمسلم يعلم أنه يتقلب بين السراء والضرَّاء، فعَنْ صُهَيْبٍ الرُّومي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ, فَكَانَ خَيْرًا لَهُ, وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ, فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ” رواه مسلم (  2999 ).

فلا عجب بعد أن يعلم المسلم هذا أن يصيبه الله بضرٍّ، أو يعرضه لفتنة، وفي كل ذلك حكَم لله جليلة، ومصالح للمسلم عظيمة.

ثم كيف تغير السائلة معاملتها مع والدها إلى السيء، وتكره المصلين في المساجد، وتترك الصلاة أحيانا: ثم ترى أنها تستحق النعيم، والسعادة في حياتها؟ بل وتقول “: ” يا رب نحن عمرنا ما عملنا شيئا يغضبك، ونعيش صح، ونخاف الله، وهذا حالنا؟ والناس العاصون والذين ما يخافون الله مرتاحون في حياتهم؟ ” فأين الصح مع هذه المعاصي، وهي تدور بين كونها كبائر، وكفر مخرج من الملة؟!.

فإنك إن كنتِ محسنة في فعالك: كان ما يصيبكم ابتلاء من الله، فعليكم الصبر، وإن كنتِ مسيئة مع الناس ومع الله: كان ما أصابك عقوبة من الله على ذلك، فاتركي تلك المعاصي، وأقبلي على الطاعات، واعلمي أن الله تعالى لا يقدِّر شيئاً إلا لحكمة بالغة.

رابعا:

وما ذكرته السائلة عن والدها إن صحَّ عنه: فهو في غاية السوء، وإن عليه أن يتوب منه، وأن يصلح ما بينه وبين ربِّه، وإن عليه أن يعطي كل ذي حقٍّ حقَّه، فيعدل بين زوجتيه، وينفق على أهل بيته بالمعروف، فلا يسرف، ولا يقتِّر، وعليه أن يتقي الله في اتهامه بناته بما ليس فيهن، وما يفعله من مخالفات ليس بين أحدٍ من أهل الإسلام فيها اختلاف، بل كلها معاصٍ متفق على قبحها، وسوئها، وتعريض صاحبها لوعيد الله تعالى.

وعليكِ أنتِ أن تصبري على بخل والدك، وأذيته، وسوء فعاله، وعليك مداومة تذكيره بما أوجب الله عليه من تحمل الأمانة، ومن العناية والرعاية بأهل بيته، وعليكم نصحه بأن لا يكون ذا وجهين، وأن أهله أولى من غيرهم أن يتبسط معهم، ويُسعدهم، وإن استمر على عدم تغيير حاله للأفضل: فيمكنكم تكليم شيوخه، وعقلاء أصدقائه في الدعوة، لينصحوه، ويوجهوه نحو الأفضل في التعامل مع أهل بيته، وهؤلاء قد عُرف عنهم حسن التعامل مع الناس، والصبر على أذيتهم، بل وضررهم، فالطريق إلى قلوبهم، وعقولهم: سهل، ويسير، ويُرجى أن يكون نافعاً فيهم أكثر من غيرهم.

واعلمي أن لأبيك عليك حقًّا في الاحترام، والتقدير، وإن أساء إليكم ما أساء، وليس مثل أن تطيعوا الله فيمن عصى الله فيكم.

واستعيني بالله تعالى ربكم، بطاعته، ودعائه، أن يهديه، ويصلح باله، ويوفقه، وأن يجمع بينكم جميعاً على طاعة، وخير.

 

والله أعلم.

يخشى إن أعفى لحيته وقصَّر إزاره من الملاحقة الأمنية، فماذا يصنع؟

يخشى إن أعفى لحيته وقصَّر إزاره من الملاحقة الأمنية، فماذا يصنع؟

السؤال:

أنا في بلد مسلم، وعربي، ولكن يشذ فيه من يعفى لحيته، ويقصر سرواله، وهو المظهر الإسلامي الشرعي للرجل، وكنَّا دائما نسمع عنهم في السجون، وفي مشاكل مع الحكومة، ومعاملتها لهم السيئة؛ وذلك لأن في بلادنا من يدَّعي الإسلام بمظهره، ويتعامل بما يخالف ذلك ( الإرهابيون على حد تعبيرهم )، فخفتُ على نفسي من أن أكون مثلهم في عيون الحكومة، وأن يصيبني ما أصابهم في ذلك، وعلما بأننا نتبع في بلادنا المذهب المالكي، ولدينا شيوخ أفتوا في هذا الأمر، بتخفيف اللحية، أو حلقها، للضرورة، وإسبال السروال، وأفتاني أحد شيوخنا أيضا على أن الخوارج، والشيعة، والمشركين المتدينين أيضًا أعفوا لحاهم، فمخالفتهم في ذلك أصبحت معدومة، وأنا في قلق شديد من ذلك، ومع أني – الحمد لله – محافظ على أمور ديني الأخرى، وتقلقني هذه المسألة.

فأنتظر إجابتكم وردكم بفارغ الصبر، وبارك الله لي ولكم في نعمة الإسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

سبق بيان أدلة تحريم حلق اللحية في جواب سابق.

 

ثانيا:

وأما القول بأن العلة من وجوب إعفاء اللحية هي مخالفة المشركين، وقد زالت هذه العلة الآن، وعليه فلا يجب إعفاء اللحية: فهو قول باطل.

 

ثالثا:

ولا يخفى علينا تعرض أهل الخير والصلاح في بعض بلاد الإسلام – للأسف – لمضايقات، بسبب التزامهم بشرع الله تعالى في لباسهم، وهيئتهم، وأنهم لا يستطيعون إظهار ذلك إلا بمشقة بالغة، مع احتمال تعرضهم للمساءلة، بل السجن، والإيذاء.

والذي يقال في هذه المسألة هو: أن الناس ليسوا سواء في احتمال تعرضهم للأذى في بلدانهم، وأن الأمر عند بعضهم لا يعدو كونه وهماً، واحتمالاً ضعيفاً، ومثل هؤلاء لا يحل لهم التلبس بفعل المعصية، من حلق اللحية، أو إسبال الثوب، وأما إن كان الخطر حقيقيًّا، وكان احتمال التعرض للأذى قويًّا ظاهراً: فهنا يجوز لهم الترخص بارتكاب المحذور من حلق لحية، وإسبال إزار.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

من اضطر لحلق لحيته لأسباب، وإذا لم يحلقها سوف يؤذى في نفسه، وماله، فهل له أن يحلقها؟.

فأجاب:

إن الظن من بعض الناس: لا أصل له، بعض الناس يقول: أخشى إذا دخلتُ البلد الفلاني وأنا ملتحي: أخشى أن أُعذَّب، أو أُحبس، أو ما أشبه ذلك، ولكنَّ هذا وهمٌ من الشيطان؛ لأن هذا البلد الذي يقول: ” أخشى إن دخلته أن أُعذَّب “: يدخله أناس – نعرفهم نحن – وهم ملتحون، ولا يُنالون بسوء، وهذا الشيء يُعتبر من السائل، أو ممن يظن ذلك: وهماً لا حقيقة له، ولا يحل له بناءً على هذا الوهم أن يحلق لحيته.

نعم، لو أنهم قالوا – حينما دخل هذا الرجل إلى البلد -: إما أن تحلق لحيتك، أو نحبسك: فحينئذٍ يحل له أن يحلقها، لكن يحلقها دفعاً للإكراه؛ لأن الله تعالى أباح للإنسان أن يَكفر دفعاً للإكراه، فقال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ) [ النحل / من الآية 106 ].

فهذا الذي أُكره على حلق لحيته، فأُمسك، وقيل له: احلق أو حبسناك: هذا لا شك أن قلبه غير منشرح بالحلق، لكنه أُكره عليه، فإذا فعله دفعاً للإكراه: فلا إثم عليه، أما وهماً، يخشى أن يُمسك: فهذا لا يبيح له المحذور؛ لأن ارتكاب المحذور مُتيقَّن، وهذا الوهم: غير متيقَّن.

” فتاوى الحرم المدني ” ( شريط رقم: 25، وجه: أ ).

ونقول للإخوة الذي يتعرضون لمثل هذا: إنهم بإمكانهم تخفيف لحيتهم بدلا من حلقها، فالتخفيف هنا أولى من الحلق، وكذا أن تكون أثوابهم قريبة جدًّا من كعبي رجليهم، بدلا من إسبالها، وليس ثمة داعٍ للمبالغة في تقصير الثوب ليلتفت الأخ نظر الناس إليه، ولا يعد مرتكبا لإثم في هذه الحالة، بل فعل ما هو جائز له، ويُرجى أن يحصِّل أجراً على تركه الأفضل – عنده – لأنه تركه مرغماً، ودفعاً للحرج، والوقوع في أيدي من لا يتقي الله تعالى ولا يخافه.

 

ونسأل الله تعالى أن يفرِّج كرب المسلمين في كل مكان، وأن يكتب لهم العز والتمكين، وأن يثبتهم على دينه، ويعينهم على طاعته.

 

والله أعلم.

هل يجوز تأجير أرض أو عمارة لشركة اتصالات لإقامة أبراجها عليها؟

هل يجوز تأجير أرض أو عمارة لشركة اتصالات لإقامة أبراجها عليها؟

السؤال:

عرضت عليَّ شركة ” موبايلي ” لوضع برج جوال، هل هذا حلال؟ خاصة في الآونة الأخيرة سمعت بعضهم يقول: إن فيها ضررا، وآخر يقول: لا ضرر، علما أنهم يعطون مبلغا سنويًّا للإيجار، هل هذا المبلغ حلال لي أم حرام لأن فيه مضرة؟ علما أن الأرض الآن بعيدة عن النطاق العمراني، ويمكن بعد عشرين سنة يأتي العمران، الآن استراحات فقط.

 

الجواب:

الحمد لله

يُعرف حكم تأجير صاحب الأرض أرضَه لشركة اتصالات لإقامة أبراجها عليها: بالوقوف على أمرين:

الأول: طبيعة خدمات هذه الشركة.

الثاني: معرفة الضرر الذي تسببه هذه الأبراج على السكان المحيطين بها، وعلى الأرض المحيطة بها، كأن تكون أرضاً زراعية، تنتج محاصيل يأكلها الناس، أو أرضاً تربَّى فيها حيوانات مأكولة.

فإن كانت شركة الاتصالات تلك تنقل البث الفضائي دون التزام بالشرع، أو تمكن لمشتركيها نغمات اتصال تحتوي على موسيقى، أو تنقل رسائل المصوتين للقنوات الفضائية للمشاركة في برامج محرَّمة، كالمسابقات، وبرامج التعارف بين الجنسين، وبرامج السحر، وبرنامج ” ستار أكاديمي ” وشبيهه: فإن تمكين الشركة من إقامة أبراجها على تلك الأرض: يكون مشاركة لها في أفعالها المحرَّمة، ويكون من التعاون على الإثم والعدوان، والكسب الناتج من تأجير الأرض: كسب محرَّم.

وإن خلت شركة الاتصالات من شيء من تلك المحرمات – وغيرها مما هو معروف من أدلة الشرع وقواعده -: فيُنظر إلى الجهة الأخرى، وهو الضرر الذي تسببه تلك الأبراج على السكان المحيطين بها، وقد اختلف أهل الاختصاص في ذلك، فمنهم من يثبت وجوده، ومنهم من ينفيه، وهم الأكثر، ومَن يثبته يختلفون في المدى الذي يصل إليه ضرر تلك الأبراج، وقد اختلفوا – كذلك – في طبيعة ما تحدثه تلك الأبراج من ضرر.

والأصل في تحريم الضرر بالنفس وبالآخرين أدلة كثيرة، وقواعد في الشرع متفق عليها، ومن ذلك:

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ ” لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ” رواه ابن ماجه ( 2314 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

ويجب أن يُعلم أن تحديد كون الشيء مضرًّا إنما مرجعه لأهل الاختصاص بالشيء المدَّعى أن فيه ضررا.

قال ابن فرحون المالكي – رحمه الله -:

وليس تنفذ شهادة بالضرر فيما لم يره أهل العلم ضررا . ” تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام ” ( 5 / 440 ) – ترقيم الشاملة -.

وبالنظر في مسألتنا هذه: وجدنا أن أكثر المنظمات الصحية، والمؤسسات البحثية تنفي وجود ضرر في تلك الأبراج المقوية للإرسال، وهو رأي لجنة مختصة تكونت بأمر أمير الرياض، بعد شكوى مواطنين على تلك الأبراج، وزعمهم أنها تسبب أمراضا، وقد ذكرت تلك اللجنة خلاصة تقارير أهل الاختصاص، ومنها:

أ . تقرير منظمة الصحة العالمية التي أشارت فيه إلى ” إن الأبحاث الحديثة التي تم إجراؤها لم تجزم بأن التعرض للموجات اللاسلكية المنبعثة من الهواتف الجوالة، والمحطات القاعدية تؤدي إلى مخاطر صحية، إلا أن هناك نقصاً في بعض المعلومات، وتتطلب المزيد من البحوث للمساعدة في تقييم المخاطر الصحية بصورة أفضل، وسوف تستغرق ما بين الثلاث إلى أربع سنوات لاستكمال هذه الأبحاث، وتقويمها، ونشر المعلومات عن أية أخطار صحية “.

ب. تقرير الجمعية الملكية في كندا التي أشارت فيه إلى أنه ” حتى الآن لا يوجد دليل على حدوث زيادة مستمرة في المخاطر الصحية بسبب التعرض للموجات.

ومن الواضح أن شدة هذه الموجات المنبعثة من محطات الاتصالات اللاسلكية ضعيفة بدرجة تجعل من غير المتوقع حدوث مخاطر على الصحة عند تعرض العامة لها “.

وخلصت اللجنة إلى هذه النتيجة:

بالإشارة إلى ما ذُكر أعلاه: فترى اللجنة: أن الدراسات، والأبحاث العلمية التي أُجريت حتى الآن، توصلت إلى أنه لا يوجد دليل علمي على أن الموجات اللاسلكية الخاصة بالجوال قد تؤدي إلى مرض السرطان أو غيره، ولا يزال هناك العديد من الدراسات التي تجري في معامل، ومختبرات جهات مختلفة من العالم حول هذا الموضوع، وهذا ما تم التوصل إليه.  انتهى.

ينظر كامل الموضوع في ” جريدة الرياض ” عدد رقم: 13796، الأحد 4 ربيع الأول 1427هـ، 2 أبريل 2006 م.

http://www.alriyadh.com/2006/04/02/article143080.html

 

 

 

 

وعليه:

فإن كانت الأرض المؤجرة لإقامة الأبراج عليها لا تسبب لأحدٍ حولها – من سكان ومزروعات وحيوانات – ضررا، وكانت الشركة تخلو خدماتها من أشياء محرَّمة: فإنه يجوز تأجير الأرض لها، ولا حرج على صاحبها من اكتساب المال من ذلك التأجير.

وهذا الجواب عام، ليس يختص بشركة معينة، وكل مؤجر في بلده عليه النظر في طبيعة خدمات شركة الاتصالات التي ترغب باستئجار عمارته، أو أرضه لنصب أبراجها، كما عليه سؤال أهل الاختصاص في بلده عن أبراج تلك الشركة، ومدى ما تحدثه من أضرار، فالشركات تختلف من واحدة لأخرى في طبيعة أبراجها، وتطورها، والدول تختلف من واحدة لأخرى في قوانين الحماية قبل ترخيص إقامة تلك الأبراج، والدراسات مستمرة في هذا الباب، وقد يتأكد وجود ضرر من تلك الأبراج فيما بعد، ويتفق على ذلك.

 

والله أعلم.

هل هناك أحاديث نبوية تخبر عن هدم المسجد الأقصى؟

هل هناك أحاديث نبوية تخبر عن هدم المسجد الأقصى؟

السؤال:

هل هناك أحاديث نبوية عن هدم المسجد الأقصى من قبل اليهود؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لم نقف في السنة النبوية على خبر يشير إلى تعرض المسجد الأقصى للهدم في آخر الزمان، مع أن الأحاديث الواردة في أبواب الفتن، والملاحم، وأشراط الساعة، وحوادث آخر الزمان كثيرة، ولكن ليس في أي منها إشارة إلى ذلك.

والواجب علينا وعلى جميع المسلمين حماية المسجد الأقصى وجميع بلاد المسلمين من اعتداء الغاصبين من اليهود والنصارى، الذين أفسدوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد، ونال اعتداؤهم الإنسان والحيوان والشجر والحجر، فلو بذلت النفوس والدماء والأعمار والأموال دون حرماتنا لكان ذلك رخيصًا.

 

– نسأل الله تعالى أن يرد المسجد الأقصى المبارك إلى حوزة المسلمين.

 

سئل الشيخ سلمان العودة – حفظه الله – السؤال الآتي:

هل هناك نص شرعي يدل على أن الأقصى لا يمكن أن يهدم؟

فأجاب:

” لا أعلم نصا على ذلك ” انتهى.

 

والله أعلم.

 

مطلوب للأمن بسبب ديون, فهل يعذر بترك جماعة المسجد؟

مطلوب للأمن بسبب ديون, فهل يعذر بترك جماعة المسجد؟

السؤال:

ابتليت بديون أثقلت كاهلي بشدة ( إلى الله المشتكى )، وأحد الذين يطلبوني رهنت بيتي عنده، وأنا متخلف عن السداد لأني خسرت تجارتي، وهو الآن اشتكاني، وكتب على بيتي ” للبيع “، وهددني عن طريق الحقوق، وصار اسمي الآن من المطلوبين جنائيًّا ( عسى الله أن يفرجها ) ، وهو – الرجل – يقف أمام منزلي، ومعه أمر إلقاء قبض عليَّ.

وأنا الآن انحرمت من الصلاة في الجماعة بسبب خوفي من السجن ( والله إني أخرج لصلاة الجمعة وكأني لص، أخرج باكرا، ولا أعود إلا متأخرا خوفا من أن يقبض عليّ ……..)، والله إني أخاف على والدتي أن تصاب بجلطة لو قبض عليَّ، فهل عليَّ إثم بعدم صلاتي في الجماعة لهذا السبب؟ علمًا بأني أصلي بزوجتي، أو إحدى أخواتي، أو والدتي – أحيانا – ، فهل تغني عن الجماعة؟

أرجوك يا شيخنا الفاضل الدعاء لي، ونصحي بما ورد من الدعاء لفك الكرب عسى الله أن يفرجها وييسر لي أموري، فأنا بأشد الحاجة لفرَج رب العزة والجلال.

أنا أنتظر معامله لبيع البيت الذي أنا فيه على وزارة المعارف، وفي هذا حل جذري لديوني ( أرجوك أن تدعو لي بتيسير هذه البيعة ) .

– أثقلت عليك يا شيخنا الفاضل، ولكن من لي بعد الله إلا أنت.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نسأل الله أن يفرج كربك، وأن ييسر أمرك، وأن يسدَّ عنك ديْنك، ونوصيك بمزيد من الدعاء والتضرع لرب العالمين، فهو القادر سبحانه وتعالى على تفريج الكربات، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابعه تعالى، ومما نوصيك به من أدعية:

  1. عَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي، قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ، قَالَ: قُلْ: ” اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ, وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ “. رواه الترمذي ( 3563 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
  2. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ، يَقُولُ: ” لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ “. رواه البخاري ( 5985 ) ومسلم ( 2730 ).
  3. عَنْ سَعْد بن أبي وقَّاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ “. رواه الترمذي ( 3505 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
  4. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: ” يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ “. رواه الترمذي ( 3524 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
  5. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ, وَابْنُ عَبْدِكَ, وَابْنُ أَمَتِكَ, نَاصِيَتِي بِيَدِكَ, مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ, عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ, أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ, سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ, أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ, أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ, أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ, أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي, وَنُورَ صَدْرِي, وَجِلَاءَ حُزْنِي, وَذَهَابَ هَمِّي, إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا ” قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: ” بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا “. رواه أحمد ( 3704 ) وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 199 ).

ثانيا:

صلاة الجماعة في المسجد واجبة على الرجال القادرين، على الصحيح من قولي العلماء.

وبخصوص عدم صلاتك في المسجد جماعةً بسبب خوفك من أن يُقبض عليك: فاعلم أن هذا من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة في المسجد.

قال النووي – رحمه الله – في بيان أعذار التخلف عن الجماعة -:

أو يخاف من غريمٍ له يحبسه، أو يلازمه، وهو معسر، فيُعذر بذلك، ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه، بل عليه توفية الحق، والحضور.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 205 ).

وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

والخوف ثلاثة أنواع: خوف على النفس، وخوف على المال، وخوف على الأهل، فالأول: أن يخاف على نفسه سلطانا يأخذه، أو عدوا، أو لصًّا، أو سبُعا، أو دابَّةً، أو سيلا، أو نحو ذلك بما يؤذيه في نفسه، وفي معنى ذلك: أن يخاف غريماً له يلازمه ولا شيء معه يوفيه؛ فإنَّ حبْسه بديْنٍ هو معسر به ظلمٌ له، فإن كان قادرا على أداء الدَّيْن: لم يكن عذرا له. ” المغني ” ( 1 / 692 ).

وإذا كان الأمر كذلك: فيمكنك صلاة الجماعة في البيت مع أهلك، وإن صليتها وحدك: فنرجو الله أن يُكتب لك أجر جماعة المسجد؛ لأنك تخلفت عنها بعذر شرعي.

 

قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

إن المتخلف عن صلاة الجماعة إذا صلَّى وحده: فله حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون معذورا في تخلفه لمرض، أو خوف، وليس من عادته التخلف لولا العذر، فهذا يُكتب له أجر من صلى في جماعة؛ لما في الحديث الصحيح: ” إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما “، فمن كان عازماً على الصلاة مع الجماعة عزماً جازما، ولكن حال دونه ودون ذلك عذر شرعي: كان بمنزلة من صلى مع الجماعة؛ نظراً لنيته الطيبة.

والحالة الثانية: أن يكون تخلفه عن الصلاة مع الجماعة لغير عذر، فهذا إذا صلى وحده: تصح صلاته عند الجمهور، لكنه يخسر أجرا عظيما، وثوابا جزيلا؛ لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وكذلك يفقد أجر الخطوات التي يخطوها إلى المسجد، ومع خسرانه لهذا الثواب الجزيل: يأثم إثما عظيما؛ لأنه ترك واجبا عليه من غير عذر، وارتكب منكرا يجب إنكاره عليه وتأديبه من قبل ولي الأمر، حتى يرجع إلى رشده.

” الملخص الفقهي ” ( 1 / 195 ، 196 ).

 

والله أعلم.

حكم تملك وتأجير واستئجار صالونات تجميل النساء وحكم العمل فيها

حكم تملك وتأجير واستئجار صالونات تجميل النساء وحكم العمل فيها

السؤال:

هل يجوز امتلاك الصالون النسائي أو العمل فيه؟

 

الجواب:

الحمد لله

صالونات تجميل النساء لا تخلو – غالبا – من مخالفات شرعية، فإذا خلت من تلك المخالفات: أبيح تملكها، وجاز العمل فيها، ومن تلك المخالفات:

  1. عمل النمص للحواجب، والوشم في الجسم، والوصل للشعر بالباروكة.
  2. استعمال مواد تجميل تحتوي على مواد كيميائية ضارَّة بالبدن.
  3. تجميل المتبرجات، أو المحجبات حجابا يكشف الوجه، وفي ذلك إعانة لهنَّ على معصيتهن في التبرج، وتسبب في إظهار الزينة المحرَّمة عليهن أمام الأجانب.
  4. الاطلاع على العورات من خلال إزالة الشعر من مكان العورات، أو من خلال لبس ملابس العرس، والتي غالبًا ما تكون فاضحة.
  5. قص الشعر، أو صبغه، تشبهاً بكافرة، أو فاسقة.
  6. استعمال الأظافر الصناعية، والرموش المستعارة.
  7. وضع العطور ذوات الرائحة الفاتنة على النساء المتجملات.
  8. قيام الرجال بتجميل النساء! وهذا منكر شنيع.

وهذه بعض فتاوى لعلماء اللجنة الدائمة فيما سبق ذِكره والتنبيه عليه:

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة:

تذهب بعض النساء إلى المشاغل النسائية التي يوجد بها عاملة كوافير، وتقوم هذه العاملة بحلق شعر المرأة الغير مرغوب فيه، بما في ذلك شعر العورة المغلظة! خصوصا ليلة زفافها، كما تقوم عاملة الكوافير بنمص شعر الوجه، ووصل شعر الرأس لمن ترغب في ذلك، فما حكم الشرع في هذا العمل؟ وجهونا، وبينوا لنا الحكم، أثابكم الله؟

فأجابوا:

النمص وهو: إزالة شعر الحواجب، والوصل وهو: وصل شعر الرأس بشعرٍ آخر، كلاهما كبيرة من كبائر الذنوب، لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعلتهما، أو فعلت واحداً منهما، ولا يجوز كشف العورة إلا للزوج، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) ، ومن حفظ الفرج: وجوب ستره، وتحريم النظر إليه، إلا لمن أحله الله له، أو عند الضرورة للعلاج الذي لا يمكن إلا بكشفها من أجله.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 131 ، 132 ).

  1. وقال علماء اللجنة الدائمة – أيضا -:

لا يجوز استخدام الأظافر الصناعية، والرموش المستعارة، والعدسات الملونة؛ لما فيها من الضرر على محالها من الجسم، ولما فيها – أيضا – من الغش، والخداع، وتغيير خلق الله.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 133 ).

  1. وقالوا – أيضا -:

لا مانع من تزين المرأة لوضع المكياج على وجهها، والكحل، وإصلاح شعر رأسها، على وجه لا تشبه فيه بالكافرات، ويشترط – أيضا – أن تستر وجهها عن الرجال الذين ليسوا محارم لها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 129 ).

  1. وقالوا – أيضا -:

الأصل: أنه لا يجوز للمرأة التطيب بما له رائحة عطرة إذا أرادت الخروج من بيتها، سواء كان خروجها إلى المسجد، أم إلى غيره؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ” أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية ” رواه أحمد والنسائي والحاكم من حديث أبي موسى – رضي الله عنه -.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 124 ، 125 ).

فإذا خلت محلات التجميل من هذه المخالفات: جاز تملكها، والعمل فيها، وإلا حرُم تملكها، وتأجيرها، واستئجارها، وحرم العمل فيها.

 

والله أعلم.