الرئيسية بلوق الصفحة 265

مشكلات شاب ملتزم مع أهله العصاة

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك بطولها ، ونحن نشكرك على حسن ظنك بنا ، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، بمنِّه وفضله.

ثانياً:

ما تعاني منه أخي السائل يشاركك به كثيرون ، يعيشون غربة في دينهم وهم بين أهليهم ، فقد أصبح المستقيمون على طاعة الله غرباء في بلادهم ، أو في بيوتهم ؛ لما يجدونه من إنكار لما هم عليه ، أو محاربة ، أو تثبيط همم وعزائم .

والمسلم الحق لا يلتفت لهذه المعوقات ، بل يستمر في سيره إلى ربه تعالى ، على صراطه المستقيم ، لا يعوجُّ في منهجه ، ولا في سلوكه ، بل لا تزيده هذه المعوقات إلا ثباتاً على الطريق ، وليقتدِ بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولينظر في حاله ، كيف حاربه أعمامه ، وأقرباؤه ، لمَّا جاءهم بالهدى ، ودين الحق ، وقد صبر نبينا صلى الله عليه وسلم على دعوة أولئك الأقرباء خصوصاً ، والناس عموماً ، حتى أنشأ جيلاً فريداً ، نشر الهداية في المعمورة ، وأرسى قواعد العدل في الأرض ، وما نحن إلا حسنة من حسناتهم ، بذلوا الجهود المضنية ، وضحوا بالغالي والنفيس ، من أجل الاستمرار بعمل نبيهم صلى الله عليه وسلم ، في الدعوة ، والتعليم ، حتى إنك لا تجد بقعة في الأرض إلا ويُذكر فيها الإسلام ، أو يوجد فيها مسلمون .

فالذي نوصيك به ابتداءً هو الصبر على طاعة الله تعالى ، والصبر عن معصيته ، وأن تظل محافظاً على استقامتك ، مع تقوية ذلك بالعلم الشرعي ، وفعل الطاعات .

ثالثاً:

والعصاة يحتاجون لطبيب ذي علم يرشدهم لمرضهم ، ويحتاجون لذي حكمة يعالجهم مع رفضهم ، وهذا ما ينبغي عليك فعله مع أهلك ، فعليك بالعلم أولاً ، فهو زاد الداعية ، ولا يحل للجاهل أن يتكلم في دين الله تعالى ، ثم عليك بالحكمة ، وأعظم طريق الحكمة : اللين ، والرفق ، وهما من أعظم صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهما وصيته للدعاة إلى الله ، قال تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) آل عمران/ من الآية 159 ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) .

 

 

 

 

رابعًا:

ونوصيك بالمبادرة بالتزوج ، وعدم تأخير إعفاف نفسك به ، فالفتن التي تعصف بالمجتمعات أصعب من أن يستطيع مواجهتها المتزوج ، فكيف بالأعزب ؟! والزواج وصية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب ، فاحرص على تعجيله ، وعدم تأخيره .

وإذا تأخر زواجك ، أو لم تستطعه : فاتق الله تعالى في سمعك ، وبصرك ، وفرجك ، واحذر أن تلوث ذلك بمحرمات تلقى ربك بها .

سئل الشيخ عبد العزيز بن عبد باز – رحمه الله – :

ماذا تأمرون الشاب إذا لم يستطع الزواج وإذا لم يتزوج ؟ .

فأجاب  :

عليه أولاً أن يتقي الله ، وأن يحذر شر النفس ، من الوقوع في الفواحش المحرمة ، وأن يستعين بالله على حفظ عفته ، وحفظ فرجه ، ومن ذلك الاستعانة بالصيام ، يصوم كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء ) من استطاع الباءة – وهو الزواج – فليبادر بالزواج ، وليبادر أبوه وإخوانه على معاونته ، وهكذا غيرهم ، وإذا لم يستطع الزواج ، ولم يتيسر الزواج : فليتق الله ، وليسأل ربه العون ، وليحذر من نزغات الشيطان ، في قضاء الوطر فيما حرم الله عز وجل ، وليستعن بالصوم ، فإن الصوم يعين ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، فيصوم ويجتهد في أسباب العفة والعافية ، من غض البصر عن النظر إلى النساء ، والعناية بأسباب حفظ الفرج ، والله يعينه ويوفقه ، إذا صدق وأخلص ، يسر الله أمره ويسر له النكاح . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 218 , 219 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشباب القادرين على النكاح أن يتزوجوا ، وبيَّن الفائدة العظيمة منه ، وهو أنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هاتين الفائدتين مع أن فيه فوائد كثيرة ؛ لأن هاتين الفائدتين أسرع ما يكون إلى الإنسان ، بمجرد ما يتزوج الإنسان يكف بصره عن النساء ، ويحصن فرجه ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، يصوم ؛ لأن الصوم عبادة وهو في نهاره صائم ، كافٍ ، غافل عما يتعلق بالنساء ، وفي ليله نائم ، ثم إن الصيام يضعف مجاري الدم ، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فإذا ضعفت المجاري : ضعفت مسالك الشيطان ، وصار ذلك أقرب إلى السلامة ، ولكن إذا لم يستطع الصوم ، كشاب لا يستطيع النكاح ، ولا يستطيع الصوم ماذا يفعل ؟ يفعل ما أمر الله به بقوله : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33 ، يستعف ، يتصبر ، فإن من يتصبر يصبره الله عز وجل ، وإذا كان الإنسان متعففاً كافّاً عما حرَّم الله : فإنه يدخل في قول الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) الطلاق/ 4 . ” اللقاء الشهري ” ( 46 / المقدمة ) .

 

 

خامسًا:

وأما بخصوص هجرتك من بلدك : فإننا نوصيك بما أوصى به أهل العلم ، من أن بقاءك بين أهلك أفضل إن كنت ترجو هدايتهم ، واستجابتهم لما تدعوهم إليه من الخير ، وأما إن كنت ترى أنك بذلت وسعك في دعوتهم ، ولم تجد منهم إلا الصدود ، وكنت تخشى على نفسك من الفتنة والضياع : فإنه يجب عليك الخروج من تلك الديار إلى ما هو أصلح منها لدينك ، واحذر من تغرير الشيطان من أن تنتقل إلى بلاد الكفر ، أو إلى بلاد أشد سوء مما أنت فيه .

سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – :

هناك مجتمعات قائمة على الاختلاط ، فهل على المسلم أن ينأى بنفسه عن هذا المجتمع ، في حين أنه لا يملك التغيير ؟ كذلك هل يتعامل مع كل وسائل اللهو أم يمنع نفسه ؟ أم ماذا يفعل ؟ .

فأجاب :

لا شك أن غالب المجتمعات البشرية في العالم الآن تموج بأنواع من الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وموقف المسلم من هذه الفتن ، وتلك المستجدات : يجب أن يكون موقف المسلم الصحيح ، فإذا كان يترتب على اختلاطه بهذه المجتمعات أن يتمكن من أن يغيِّر شيئاً منها ، وأن يدعوهم إلى الله ، ويرشدهم إلى الصواب : فهذا أمر مطلوب ، وهو من مقاصد الدعوة.

أما إذا كان ليس باستطاعته التأثير عليهم ، بل في اختلاطه هذا خطر عليه ، وعلى ذويه : فعليه أن يهاجر ، بأن ينتقل إلى بلاد أخرى يمكن فيها ذلك ، فالله عز وجل وسَّع المجالات ، وعَدَّد الفرص ، ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2 ، 3 ، فعلى الإنسان ألا يبدي العجز ، فالله قد تكفل بالأرزاق ، وجعل مع العسر يسراً ، ومع الكرب فرجاً ، ولهذا فالإنسان عليه أن يحسن الظن بالله ، ويتوكل عليه ، ويخشاه ، فالله قد وعد باليسر للمسلم ، وهو لا يخلف وعده . ” المنتقى من فتاوى الفوزان ” ( 2 / 263 ، 264 ، السؤل رقم 233 ) .

 

والله أعلم.

موقف الابنة من الأب الظالم المرتد من حيث البر والمعاملة

موقف الابنة من الأب الظالم المرتد من حيث البر والمعاملة

السؤال:  

بسم الله الرّحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيّدنا وحبيبنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد استشرت كثيراً في قضيتي هذه ، ودائما كان يصلني نفس الردّ أو مع اختلاف قليل ، وهذه المرة الأخيرة التي أطرح فيها قضيتي مفصلة كي أحصل على فتوى أخيرة ، لا أقول إنني أريد أن أحصل على فتوى تتوافق وإرادتي ولكني لا أقتنع بفحوى الفتوى دائماً .

أبي هو إنسان ظالم ، يفعل أفعالاً كفرية ، وأقوالاً ، هذا من باب عدم اتهامه بالكفر والتألّي على الله ، يشتم ربنا عزّ وجلّ ، ويشتم الرسول ، ويشتم الدين ، يميل لأحبار الشيعة ويتغنى بهم ، يرائي كثيراً فيصلي من أجل أن يقولوا صلّى وهكذا .

حدثتكم في فتوى سابقة كيف أنه طلق أمي ، وقام بالزواج من أخرى ، طردتنا من بيتنا لنعيش مع جدي وجدتي اللذين لا يحباننا ، لا ينفق علينا ، وحتى أخي الذي عمل معه سنوات لم يعطه حقّه ولم يبنِ له بيتاً أو يؤسس له شيئاً ، فقط في الآونة الأخيرة قام بشراء سيارة له ، وهذا بعدما أصبح أخي – ولا حول ولا قوة إلا بالله – من السكِّيرين ويميل للقتل والإجرام وهدد والدي ، ومن يسمع لهذا الكلام يقول يا له من عاق وهو عاص ومذنب ، ولكن ماذا عن والدي الذي أمضى حياته يبنى العمارات على كتفيه ليقول له في كل موقف – أعزكم الله – يا حمار ، يا فاشل ، ودمّر نفسيته ، ودمّر كيانه بهذه الاهانات والمعاملات .

قلتم لي في فتوى سابقة أن أدعو له بالهداية ، طيب هذه فعلناها ، ولكن لا أستطيع غير ذلك ، لا أستطيع أنه أقول له كيف الحال أو أجامله ، أكرهه كره أحدكم لإبليس لعنه الله .

بالنسبة لي أنا شخصيّاً : فإنه منذ زواجه بأمي وهو يهملنا جميعاً ، عندما كنت طفلة صغيرة رماني أرضا دون رحمة وظنوا أنني توفيت ، أخذَنا مرة بسيارة مع إخوتي وأمي في بيت أهلها تندب حظها ليرمينا في أحراش أو مقبرة ويقول لا أريدكم ، كبرت وتفاقمت المشاكل لتصل إلى الشرطة وما أدراك ما الشرطة ، ارتعد البيت وشتت أفراده وطلقت أمي بعد عامين تقريبا من خروجها من المنزل ، وبعد أن عشنا مع أمي لفترة رفض والدي هذا ورغم وجود إمكانية العيش مع أمي إلا أنه أصر على عودتنا لينفق علينا ، وعندما عدنا راحت زوجته توسط الجهات وتتصرف كالأفعى ليخلو لها المنزل ، وحدث هذا .

عندما أقول لشيخ – عبر الفتوى – أبي يهينني فإنه يقول أحسني إليه وادفعي بالحسنة السيئة ، هذه تنفع لصديقة تخاصمت معها وليس لوالد يقول لي أنت شيطانة ، أنت متخلفة ، أنت معتوهة ، ليتك تصابين بسرطان في حنجرتك فتنخرسي ، أنت مش رح يطلع منك إشي ، أنت فاشلة ، والكثير .

بعد هذا سكنت مع جداي وهو كعم لنا ، عم أعزب همه في الحياة ذاته ونفاقته ونساؤه ونزواته ، منذ القدم افتضحت له صور في كل البلدة مع امرأة أجنبية – والعياذ بالله – ، ومعروف بشربه الخمرة ، ومعروف بتعاونه – إن لم أقل عمالته – لليهود .

وكهذا من جيل 10 سنوات تقريبا وحتى اليوم أعيش بدون وجود أب وأم فعلي في حياتي ، وفي الفترة الأخيرة اشتد عداؤه لنا لأن له مشاريع هدم وبناء ولا يعرف أين سيذهب بنا ، يقول لي : أصلا أنت من سيتزوجك ؟! ويسخر من منظري ، مِن خَلق الله ، بشكل مؤلم وفظيع ، وإذا كان بالفعل سوف يتردد شاب بالتقدم لي أو لأحدى أخواتي فهذا بسبب سمعته التي تفوح نتناً عن مسيرة ألف عام ، وبالنهاية هذا نصيب .

استفتيتكم حول العمل في الدعم التقني عبر الهاتف وذكرت لكم شروطه من العمل حتى منتصف الليل والخلوة بالسائق أحيانا فقلتم : لا يجوز ، وأنا توقعت هذا ، هذا العمل هو عمل أختي وافق عليه أبي ويعمل لنا بين الحين والآخر استعراضات قلق وعدم رضا ، أخت أخرى لي اضطرت للموافقة على الزواج من رجل لتهرب من البيت .

كنت أصلي في صف الخامس والسادس ، وبعد أن بلغت انقطعت عن الصلاة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فلم أجد مشجعاً أو محذراً ، الكل هنا في غفلة ، فسرت في المنكرات من علاقات محرمة بشبان ، وأنا لا أبرر لنفسي المعصية ، لكن هذا هو الطريق المتوقع من فتاة لا أب لها ولا أم ، يريدون منها أن تكبر بمفردها دون حنان أو عناية ، دون سؤال ، دون توجيه ، ولا يعمّر قلبها الايمان ، وتبت بفضل الله وقطعت علاقتي بهؤلاء ، وبدأت أصلي وأصوم بشكل متواصل ، وتحجبت ، فلم يعجبه هذا ، وصرت في المنزل متطرفة ، إرهابية ، يخجل من مرافقتي ، يقول لي : ماذا هل تظنين أنك رابعة العدوية ؟! .

أخواتي لسن محجبات ولذلك يجدن فرص العمل مفتوحة أقصد العمل بدون شهادة ، أنا لست كذلك ولكن الرزق من الله ، لم أعد أطلب منه شيئاً ؛ لانه أصلاً لا يعطي وإن أعطى فهو يمنُّ ويذل بما أعطى ، كنت أريد المشاركة في دورة تحفيظ القرآن فرفض بسبب تافه ، ولكني أعلم أن ذلك مرجعه إلى التكلفة ، حرمني من كل شيء في الحياة ، حتى الرفقة الصالحة لا سبيل لي إليها بسبب عدم خروجي من المنزل ، وهو لا ينفق على البيت الذي أعيش به ، جداي اللذان ينفقان ويمنان بدورهما ولا ينفقان إلا القليل ، ولا أقول إلا الحمد لله ، لكن بعد كل هذا كيف يقول لي شيخ فاضل : عامليه بلطف ؟! أي لطف وأي حب ؟! هو لم يعاملني بشيء من هذا منذ ولدت ، لم يقل مرة في حياته كيف حالك ؟ أي برّ وهو دفعني إلى كل ما يغضب الله عليّ لأبحث عن رعاية الأب واهتمامه في علاقات محرمة أودت بي إلى الضياع والكآبة ؟ لماذا عندما جاء أب إلى سيّدنا عمر بن الخطاب يشكو عقوق ابنه فقال الابن : هو لم يسمني باسم لائق – أسماه ” جُعل ” – ، ولم يختر لي الأم الصالحة ، ولم يعلمني معنى الخلافة في الأرض ، لماذا يقول سيّدنا عمر للوالد : لقد عققت ابنك قبل أن يعقك ؟ والقصة مشهورة ، وربنا سبحانه وتعالى وصف سيّدنا إبراهيم أنه لما تبيّن له أن أباه كافر لم يعد يستغفر له .

ثم لحظة ، الآية ماذا تقول ؟ ( كما ربياني صغيراً ) أنا لم يربني أحد وأنا صغيرة ، عندما كنت ثمانية أشهر ذهبت أمي لبيت أهلها حزينة ، وأبي يقضي أوقاته مع الغانيات وأنا في البيت مهملة منذ أن كنت 8 أشهر ، وهذا أرى تأثيره في شخصيتي ، ما معنى أن يُترك طفل 8 أشهر لمدة سنة ونصف لتعود أمي إليَّ وأنا ابنة عامين ؟! هذا ابتلاء من الله وأنا راضية ولا أريد من أحد شيئا لكن لا يقول لي برّي والديك ، ولا تكلفوا الناس بما لم يكلفهم به الله ، فالبر إن كان الوالدان مشركيْن هو لما أنفاقه وبذلاه وتعبوا من أجل ولدهم أي تربيته وهو لم يفعل ، وإن كان الوالدان فظيْن متحجري القلب فالبر بسبب إيمانهما ، لكن ماذا يحملني بالله عليك على أن أبر والدي ؟ .

– أتحدى أي شيخ يكون له أب كأبي ويبرّه ولو فعل من الغد سأبر والدي .

– دمّر شخصيتي ، آذاني ، أهانني ، لم يؤدبني ، دفع بي إلى كل منكر ، وأكرهه .

وختاماً : أذكر لكم أنني تأملت في عديد من قصص الصحابة لأجد كيف أن البر كان بسبب رعاية الوالدين وإن كانا مشركين .

ثم إن أمي حملتني لكن لم ترضعني لأنها ذهبت تحزن في بيت أهلها ، حملت فيَّ 9 أشهر لا أنكر هذا وهذا فقط ، وسأبرها لهذا السبب ، أما والدي فعندما يقول لي أحدهم برِّيه فهو كمن يقول : اذهبي لتزرعي شتلة ” خبيزة ” على سطح القمر ، أطلت كثيراً وأعتذر لهذه الإطالة وأتمنى منكم إجابة مع الأدلة .

أما الآيتان :

( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) .

فالحمد والشكر لله ، أما أبي فعلى ماذا أشكره ؟ وأمي حملتني وقلت إني لا أنكر هذا ، لكن فصالي في عامين ، لا فهي لم ترضعني .

( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) رب ارحمها كما ربياني صغيراً ، وليس كما أهملاني صغيراً وكبيراً ومراهقا – حاشا لله – .

فأقول : ارحمهما كما ربياني وليس كما تركني ابنة 8 شهر ليزني وأمي تندب حظها في بيت أهلها .

وأقترح أنه عندما يتم إعطاء فتوى أن لا تكون بالعموم ، لأنه شيء مفروغ منه أن بر الوالدين واجب ، لكن لكل حالة ظروف خاصة .

وجزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك وعشنا مع حروفها بآلامها وأحزانها ، وقد ساءنا الحال الذي وصل لها والدك ، وأهل بيتك ، وإننا لنرجو الله تعالى أن يهدي ضالَّهم ، وأن يوفقهم إلى ما يرضيه تعالى ، وهذا ابتلاء أصابك فاصبري واحتسبي لعلَّ الله أن يكشفه عنكِ أو يُعظم لكِ يوم القيامة أجراً .

ثانياً:

وساءنا وقوعك في المعاصي والآثام ، وإلقاء التبعة في ذلك على والدك ومعاملته لك غير صحيح ، وقد أفرحتنا توبتك ، فاستمري عليها ، وأكثري من الأعمال الصالحة ، ونوصيك بشدة بالدعاء فهو سلاح المستضعفين ،  وملجأ المحتاجين ، وملاذ الخائفين ، ليس بينكِ وبين الله واسطة فاستيقظي آخر الليل وارفعي يديك بالدعاء لربك الهادي للعباد والمقلِّب للقلوب ، اطلبي منه بصدق وإخلاص أن يكشف ما بك من بلاء ، وأن يهدي والدك وبقية أهلك ، وثقي بربك عز وجل أنه على كل شيء قدير ، وأنه قادر على تغيير حالك بكلمة ” كن ” ، واعلمي أنه تعالى قد هدى من هو أشد بأساً وظلماً وكفراً من والدك ، ونرجو الله تعالى أن تكون الاستجابة عاجلاً غير آجل .

ثالثاً:

جعلت الشريعة الإسلامية المطهَّرة حقّاً للوالدين على أولادهم ولو كانوا ظلمة أو كفَّاراً ، ولو كانوا دعاة يجاهدون أولادهم ليقعوا في الكفر ، وثمة واجبات أوجبها الله تعالى على الوالدين من الرحمة بأولادهم – ذكوراً وإناثاً – ومن العدل بينهم في العطية والمعاملة ، ومن حسن تربيتهم ورعايتهم ، وتقصير الوالدين في كل هذا أو في شيء منه لا يكون مسوِّغاً للأولاد في عقوق والديهم والإساءة إليهم ، فلا تقابل الإساء بإساءة ، ولا تُدفع المعصية بمعصية .

 

 

 

رابعاً:

وهذه الحقوق التي جعلها الله تعالى للوالدين ولو كانوا كفاراً لا تشمل الكافر بردة عن دينه ؛ فإن الكافر المرتد لا حقَّ له بشيء من البر والإحسان ، وليس له في الشرع حقوق يطلبها من المسلمين ، بل إما أن يعود إلى الإسلام وإما أن يُقتل ، وبما أنك تذكرين عن والدك أنه يسب الله عز وجل ويسب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ويسب الإسلام : فإنه يصير بذلك مرتداً ؛ فإن سبَّ الله تعالى أو رسوله أو دينه كفرٌ مخرج عن الملَّة بإجماع أهل السنَّة ، فكيف بها مجتمعة كلها في شخص واحد ؟! لا شك أنه يصير بذلك مرتداً خبيثاً مجرماً ، وإن مات على هذا كان مخلَّداً في نار جهنم .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في حالة قريبة من حالتك لابنة تنصح والدها فيسب دينها ! – :

الواجب على من نُصح أن يتشكر ممن نصحه ؛ لأنه ما أسدى أحدٌ معروفاً إلى أحد أبلغ من نصيحةٍ تنفعه في دينه ودنياه ، كيف يقابل النصيحة والعياذ بالله بالسب والشتم ؟! بل سمعنا في السؤال أنه يسب الدِّين ! والعياذ بالله ، يسب الدِّين الذي تأمره به ابنته ، وسب دين الله كفرٌ مخرجٌ عن الملة ، وهذا الرجل لو مات على هذا السب لكان خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله ، لا ينفعه مالٌ ولا بنون ، فعليه أن يراجع نفسه وأن يتوب إلى الله وباب التوبة مفتوح والحمد لله ، يقول الله عز وجل : ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ ) الزمر/ 53 – 59 ، آيات عظيمة ، على هذا الأب أن يتلوها بتمعن وتفكر وتدبر لعلَّ الله سبحانه وتعالى أن يدركه برحمته وفضله ، نسأل الله أن يتوب علينا وعليه وأن يهديه صراطه المستقيم إنه على كل شيء قدير .

” اللقاء الشهري ” ( 35 / جواب السؤال رقم 8 ) .

وعليه : فإننا لا نقول لك إنه يلزمك بر ذلك الوالد الأثيم ، فهو ليس له حقٌّ عليك في هذا ، ولكننا في الوقت نفسه أمام حالة ليس لها علاج عملي في الواقع ، فالشرع معطَّلٌ تطبيقه على مثل أبيك ، فليس ثمة مجال ليحكم عليه أحد بشرع الله المطهر فيستتيبه ويأمره بالإحسان لأولاده ، أما والواقع هو هذا فإنه لا بدَّ لك من مواجهة هذا الواقع الأليم الذي تعيشينه بشيء من الرشد والحكمة ، فالذي نقوله لك : لأنه ليس لأبيك عليك حق من البر والإحسان إليه في المعاملة حتى يرجع عن كفره ويعلن إسلامه ، وهذا ما يجعلك مطمئنة من هذا الباب ، ويجوز لك هجران بيته ولا يلزمك القاء معه ، لكن يجب أن يكون انتقالك إلى مكانٍ تأمنين فيه على نفسك من كيد الأشرار ومكر الفجَّار ، فإن تيسر لك هذا فلا حرج عليك في فعله وقد سقط حق والدك عليك في البر وسقطت ولايته .

فإن لم يتيسر لك الخروج من المنزل : فليس أمامنا إلا الوصية لك بالصبر على ما تلاقينه من ضرر وأذى ، وقد صبر قبلك كثيرون عانوا من أسيادهم وأهليهم كثيراً ثم جعل الله تعالى لهم فرَجاً ومخرجاً ، ونوصيك بالدعاء لوالدك وأهلك ، وهو خير سلاح بيدك بعد الصبر ، وقد كانت أم أبي هريرة تسب النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذي أبا هريرة ابنها بهذا فصبر أبو هريرة عليها وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لها ، فدعا لها وهداها الله ، ونوصيك بوالدتك خيراً فإن لها حقوقاً عليك ، ولا يجب معاملتها كوالدك وليس لها الحكم نفسه ، ومن الخطأ أن تربطي برَّها برضاعتها لك ، والظاهر أن ما حصل لها إنما هو بسبب ظلم والدك ، فلا تحمليها ما لا طاقة لها به ، ولا تلقي عليها آثام وخطايا ليست تستحقها .

– وقد ذكرنا حكم برِّ الأب والأم المرتديْن وطريقة التعامل معهما في أجوبة أخرى فلتنظر ففيها مزيد فائدة .

– وللفائدة فقصة عمر بن الخطاب مع الرجل الذي عقَّ ابنه لم نجد لها إسناداً .

 

والله أعلم.

لديه الرغبة في دراسة الشريعة ، ومتخوف من مستقبلها الوظيفي

لديه الرغبة في دراسة الشريعة ، ومتخوف من مستقبلها الوظيفي

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا الآن على مشارف اختبارات الثانوية العامة ، وحقيقة : أني محتار جدّاً في تخصص دراستي الجامعية ، أنا لديَّ الرغبة جدّاً في دراسة العلوم الشرعية ، وأحبها ، وأستمتع بها ، وأطمح أن أكون عالماً ، مفتياً ، خطيباً ، حصولي على شهادة الدكتوراة ، لكني أواجه ردود أفعال كثيرة ، منهم : من يقول إذا تخرجت أين تعمل ؟ مدرس مثلاً ؟ مرتبها قليل ، اذهب إلى كلية الإدارة ، أو الهندسة للحصول على مقعد ممتاز في العمل ، ومِن ثمَّ خذ شهادة الشريعة انتساباً ، مثل عدة مشايخ … والخ من هذا الكلام ، وبعضهم يقول : اذهب إلى الشريعة ، الأمة محتاجة إلى علماء ، ومفتين ، علماً أن أبي مهندس ، وأمي مدرِّسة رياضيات ، واثنين من أخواني مهندسين ، واثنين من أخواني – أيضاً – من كلية الإدارة الصناعية ، ووضعنا المادي ممتاز – ولله الحمد – ، لكن أخاف مستقبلاً إذا تخرجت من الشريعة أكون أقلَّ منهم ماديّاً ، فلذلك أود أن تنصحني ؛ لأنني بين أمرين مهمين في حياتي ، وشكراً .

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته , وأسأل الله تعالى أن يكتب لك النجاح والتوفيق في دراستك ، واختباراتك .

أولاً:

لاشك أن أعظم ما صرفت فيه الأوقات , وبذلت فيه الأموال : طلب العلم الشرعي ؛ فإن الله تبارك وتعالى لم يثن في شيء من كتابه كما أثنى على العلم ، وأهله ، قال تعالى :  ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ ) الزمر/ 9 ، وقال تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) فاطر/ 28 .

قال ابن كثير – رحمه الله – :

أي : إنما يخشاه حق خشيته : العلماء العارفون به ؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم ، القدير ، العليم ، الموصوف بصفات الكمال ، المنعوت بالأسماء الحسنى , كلما كانت المعرفة به أتمّ ، والعلم به أكمل : كانت الخشية له أعظم ، وأكثر .

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 544 ) .

وعن حُمَيْدُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيباً يَقُولُ : سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ ) . رواه البخاري ( 71 ) ومسلم ( 1037 ) .

وعَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ:  كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ : فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ ؟ قَالَ : لاَ ، قَالَ : وَلاَ جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لاَ ، قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) . رواه الترمذي ( 2682 ) وأبو داود ( 3641 ) وابن ماجه ( 223 ) ، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1 / 17 ) .

قال ابن القيم – رحمه الله – في وصف العلم الشرعي – :

وهو الحاكم ، المفرق بين الشك واليقين , والغي والرشاد , والهدى والضلال , وبه يُعرف الله ، ويُعبد ، ويُذكر ، ويُوحد ، ويُحمد ، ويُمجد , وبه اهتدى إليه السالكون , ومن طريقه وصل إليه الواصلون , ومن بابه دخل عليه القاصدون ، به تُعرف الشرائع والأحكام ، ويتميز الحلال من الحرام , وبه توصل الأرحام , وبه تعرف مراضي الحبيب ، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب ,  وهو إمام ، والعمل مأموم , وهو قائد ، والعمل تابع , وهو الصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة ، والأنيس في الوحشة , والكاشف عن الشبهة , والغني الذي لا فقر على من ظفر بكنزه , والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه ؛ مذاكرته تسبيح , والبحث عنه جهاد , وطلبه قُربة , وبذله صدقة , ومدارسته تعدل بالصيام والقيام , والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام ، قال الإمام أحمد رضي الله عنه : ” الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب ؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين , وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه ” , وروِّينا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال : ” طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ” . ” مدارج السالكين ” ( 2 / 469 ، 470 ) .

فلا ريب أن العلم الشرعي هو أفضل العلوم وأوْلاها , وبه يتحصل الإنسان خير الدنيا والآخرة , وهو مقدَّم على سائر العلوم ، لا سيما إذا خلصت فيه نية الإنسان , وكان له رغبة وهمَّة في تحصيله وطلبه .

ثانياً:

وقد حثَّ الإسلام على طلب الكفاية في العلوم الدنيوية , وجعل طلبها واجباً كفائيّاً , وخصوصاً إذا احتاجت الأمة لتلك العلوم , كالعلوم العصرية المتقدمة , فعز المسلمين وقيام مكانتهم لا بد له سعي ، وبذل السبب في أمر الدين ، والدنيا .

فمَن تعلم العلوم الدنيوية ونيته أن يُصلح للمسلمين أمورَهم في معاشهم  , ورفع مكانتهم ، والاكتفاء عن الأمم الكافرة : فلا شك أن أجره عظيم ، ويثاب على هذا العلم الذي يتعلمه , مع بيان أن الجمع بين العلوم الدينية والدنيوية أمر مقدور عليه , ولا يتنافيان , وقد كان كثير من العلماء السابقين يجمعون بين تخصصات مختلفة ، فابن قيم الجوزية رحمه الله كان مبرزاً في العلوم الشرعية ، ولا تخفى مكانته فيه , وكذلك كان مبرزاً في علوم الطب , ولا أدل على ذلك من كتابه ” الطب النبوي ” – وهو الجزء الرابع من كتابه ” زاد المعاد ” – ، وهكذا الحال مع علماء كثر .

ثالثاً:

وليُعلم أنه لا بد للمسلم من أن يجرد نيته عن الحظوظ  الدنيوية في طلبه للعلم الشرعي , وأن يكون هدفه الأجر والثواب من الله  , فهذا أدعى لبقاء العلم ، وانتفاع صاحبه به , وقبول الناس له ، ولعلمه , فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ) . رواه ابن ماجه ( 257 ) ، وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .

وعن عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . رواه أبو داود ( 3664 ) وابن ماجه ( 252 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

– عَرفها : يَعْنِي : رِيحَهَا .

وكلنا يعلم أن طلب العلم عن طريق الجامعات ليس هو كمثل حال طلبه في المساجد – مثلاً – ، ولذا فمن سلك طريق طلب العلم عن طريق الجامعات لأن الأنظمة لا تسمح بالإمامة ، ولا بالتدريس إلا بحصوله على هذه الشهادة : فلا حرج عليه أن ينوي بحصوله على الشهادة الجامعية : التعليم ، والإمامة ، وإدارة الشئون الدينية ، ويجعل طلب العلم ، ورفع الجهل عن نفسه الغاية الأولى .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في بيان آداب طلب العلم – :

الأمر الأول : إخلاص النية لله عز وجل : بأن يكون قصده بطلب العلم وجه الله ، والدار الآخرة ؛ لأن الله حثُ عليه ، ورغَّب فيه ، فقال تعالى : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) محمد/ 19 ، والثناء على العلماء في القرآن معروف ، وإذا أثنى الله على شيء ، أو أمر به : صار عبادة .

إذن : فيجب الإخلاص فيه لله ، بأن ينوي الإنسان في طلب العلم وجه الله عز وجل ، وإذا نوى الإنسان بطلب العلم الشرعي أن ينال شهادة ليتوصل بها إلى مرتبة ، أو رتبة : فقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) – يعني : ريحها – ، وهذا وعيد شديد ، لكن لو قال طالب العلم : أنا أريد أن أنال الشهادة لا من أجل حظ من الدنيا ، ولكن لأن النظُم أصبح مقياس العالم فيها شهادته ، فنقول : إذا كانت نية الإنسان نيل الشهادة من أجل نفع الخلق تعليماً ، أو إدارة ، أو نحوها : فهذه نية سليمة ، لا تضره شيئاً ؛ لأنها نية حق .

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 26 / 65 ، 66 ) ، و ” كتاب العلم ” ( ص 21 ) .

رابعاً:

ومن المقرر في كتاب الله تعالى , وفي سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم : أن من اتقى الله تعالى : كفاه الله ما أهمه ، وأشغله , قال تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب ) الطلاق/ 2 ، 3 ،  وهذا يشهد له الواقع , فقلَّ أن تجد مستقيماً ، ملتزماً بالطاعة والتقوى – من عالِم ، أو طالبٍ للعلم – أن يكون في ضنكٍ من العيش , وإن وُجد : فيكون ثمة خلل في تقوى الله تعالى , أو في نيته في طلب العلم ، أو يكون ابتلاء لرفع الدرجات .

وقد تكفل الله تعالى برزق البلاد التي يتقي أهلها ربهم تعالى ، فكيف بآحادهم ، قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) الأعراف/ 96 ، وقال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) المائدة/ 66 .

فالشاهد : أن أهل الخير والتقوى والصلاح : يكفيهم الله سبحانه وتعالى أمر دنياهم ، فلا تخش – أخي الفاضل – من المستقبل , وتأكد أن الله سيكفيك أمر دنياك ، وآخرتك ، إن كانت نيتك في طلب العلم لله , ولو – على فرض – ابتلي الإنسان بنقص في نفسه ، أو ماله ، أو دنياه : فهو يحتسب ذلك لجنَّة عرضها السموات والأرض ، أعدها الله للمتقين , ولتعلم أن المقياس في السعادة ، والطمأنينة ، والراحة ، ليس في كثرة الأموال ، أو الجاه ، وإنما في طاعة الله تعالى , فخير الأعمال التي يندب الاشتغال لها : تعليم الناس الخير , فمعلِّم الناس الخير يستغفر له مَن في السموات ، ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء , وهم أهل الخشية والتقوى , ولهم المنزلة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة , بل إن طلب العلم سبب من أسباب السعة في الرزق ، والمال ، والرفعة في الدنيا ، كما قال بعضهم : ” مَن أراد الآخرة فعليه بالعلم ، ومن أراد الدنيا فعليه بالعلم ، ومن أرادهما معاً فعليه بالعلم ” .

فالنصيحة لك – أخي – ما دامت همتك ، ومحبتك ، ورغبتك أن تطلب العلم الشرعي : أن تسعى في تحصيل ذلك , ولا بأس أن تطلب الشهادة مع ذلك , ولكن مع تجريد النية والإخلاص لله تعالى في طلب العلم نفسه , وأن تكون هذه الشهادة عندك وسيلة لنيل العلم ، وتعليم الناس ، والدعوة إلى الله تعالى , ووسيلة للعمل الذي تفرضه كثير من القوانين لكثير من الوظائف ، ولا تخف من المستقبل من قلة مال ، أو دنيا ، أو عدم إيجاد وظيفة ؛ فالله سبحانه سيكفيك هموم ذلك كله , فمن صدق الله صدق الله معه .

وبما أن أهلك من المثقفين ، والعقلاء : فيمكنك إقناعهم بدراسة الشريعة بسهولة ، وذلك بإخبارهم

أن هذه رغبتك ، وهم يعلمون أن دراسة ما لا رغبة فيه : فاشلة ، ولا تؤتي ثمارها ، وأن دراسة ما فيه رغبة : فيها النجاح ، والإبداع ، والراحة .

– ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعطيك ما تتمنى ، وأن يجعلك من أهل العلم ، وطلبته .

 

والله أعلم.

مسائل وفوائد وأحكام في هدم الكعبة في آخر الزمان!.

مسائل وفوائد وأحكام في هدم الكعبة في آخر الزمان

السؤال:

شيخنا الفاضل

– لدي عدة أسئلة أود أن تجيبني عليها إذا سمحت:

أنا شاهدت حلقات الدكتور ” عمر عبد الكافي ” ، وقرأت في عدة مواقع عن أحداث النهاية ، ومنها حدث واحد أخذ كل بالي ، ألا وهو : ” هدم الكعبة ” ، هل يمكنكم تأكيد لي ذلك بأحاديث صحيحة عن النبي ( ص) ! وإذا كان هذا الحدث سيقع – وكل شيء بمشيئة الله – كيف سيتم ذلك ونحن نعرف أن مكة بلد آمن ، حتى وأن المسيخ الدجال لن يتمكن من الدخول إليها والملائكة يحرسونها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

لا يجوز كتابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مختصرة بـ ” ص ” ، ولا منحوتة بـ ” صلعم ” .

 

ثانياً:

أما بخصوص تخريب الكعبة : فقد ثبت ذلك عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكننا إجمال الحديث عن هذا الموضوع في بضع نقاط :

  1. من هو الذي يهدم الكعبة؟.

الجواب : إنه ” ذو السويقتين ” .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ ) . رواه البخاري ( 1514 ) ومسلم ( 2909 ) .

( ذو السويقتين ): تثنية سويقة ، وهي تصغير ” ساق ” ، أي : الذي له ساقان ضعيفتان ، والتصغير هنا : للتحقير ، أي : ضعيف هزيل ، لا شأن له .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ ، أَفْحَجَ ، يَقْلَعُهَا حَجَراً حَجَراً ) . رواه البخاري ( 1518 ) .

الأفحج : الذي إذا مشى باعد بين رجليه .

  1. ما هي أسباب هدم الكعبة؟.

أ. امتهان أهلها لها .

عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ : ( لَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلاَّ أَهْلُهُ ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ ، فَلاَ تَسَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَظْهَرُ الْحَبَشَةُ ، فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لاَ يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ ) رواه أحمد ( 14 / 267 ) وصححه محققو المسند .

ب. عدم حج البيت .

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتَ ) رواه أبو يعلى ( 2 / 277 ) وابن حبان ( 15 / 150 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2430 ) .

وقد جعل الله تعالى الكعبة قياماً للناس ، كما قال تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ) المائدة/ من الآية 97 ، فإذا صار هذا هو حال الناس صار بقاء الكعبة إهانة لها ، كما هو الحال في أمر المصحف ، فيقدِّر الله تعالى هدم الكعبة على يد ذلك الحبشي ، كما يقدِّر رفع المصحف من قلوب الناس وصحفهم .

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – :

أما تسليط ذي السويقتين : فلأن أهل مكة يمتهنونها ، ولا يبقى في قلوبهم حرمة لها ، ويكون الحج إليها كالحج إلى الآثار ، لا لعبادة الرحمن ، فإذا وصلت الحال بهذا البيت المعظم إلى هذه الإهانة : صار بقاؤه بينهم إهانة له ، فسُلط عليه ذو السويقتين ، كما أن القرآن الكريم كلام الله عز وجل إذا أعرض الناس عنه إعراضاً كليّاً : نُزع من المصاحف ، والصدور ، أصبح الناس وليس في المصاحف حرف من القرآن ، وليس في الصدور حرف من القرآن ، لماذا ؟ لأنهم امتهنوه ، وهو أعظم من أن يبقى بين قوم يمتهنونه .

ولهذا يجب على طلبة العلم الآن أن يحموا هذا القرآن العظيم بقدر ما يستطيعون ؛ لئلا يُمتهن ، فيُنزع ، وهذا معنى قول السلف في القرآن : منه – أي : من الله – بدأ ، وإليه يعود . ” شرح صحيح البخاري ” ( شريط رقم 6 ، وجه أ ) .

  1. هل ثمة معارضة بين هدم الكعبة ، وبين جعل الكعبة حرماً آمناً ؟ .

الجواب : لا ، ليس ثمة معارضة ، لأسباب:

الأول والثاني : أنّ جعله آمناً : إما أن يكون المراد به الخبر المجرد فيُحمل على زمان ” الجاهلية ” ، ويؤيده ما ذكره الله تعالى من منته على أهل مكة من جعله البيت الحرام آمناً مع تخطف الناس من حوله ، وإما أن ” الجعل ” خبر يراد منه الإنشاء ، والإنشاء هنا هو : الأمر بتأمين من يدخل الحرم ، وعدم تخويفه ، أو التعرض له بسوء ، أو قتله ، ضمن الشروط الشرعية المبينة في كتب الفقه .

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) البقرة/ من الآية 125 – :

والمراد من ” الجعل ” في الآية : إما الجعل التكويني ؛ لأن ذلك قدَّره الله ، وأوجد أسبابه ، فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ، ويسَّرهم إلى تعظيمه .

وإما ” الجعل ” : أن أمر الله إبراهيم بذلك ، فأبلغه إبراهيم ابنَه إسماعيل ، وبثه في ذريته ، فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلَّمة ، فدام ذلك الأمن في العصور ، والأجيال ، من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان ، وتم مراد الله تعالى .

فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف ، في حصار ” الحجَّاج ” في فتنة ” ابن الزبير ” ، ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن ” القرامطة ” حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي – نسبة إلى بلدة يقال لها جنَّابة ، بتشديد النون – كبير القرامطة ، إذ قتل بمكة آلافاً من الناس ، وكان يقول لهم : ” يا كلاب ، أليس قال لكم محمد المكي : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) آل عمران: من الآية 97 ، أيُّ أمنٍ هنا ؟! ” ، وهو جاهل غبي ؛ لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمناً في مدة الجاهلية ، إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم ، أو هو خبر مراد به الأمر مثل ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) البقرة/ 228 .

” التحرير والتنوير ” ( 1 / 690 ، 691 ) .

الثالث: ولو فرض أنه خبر مجرد : فيقال : إن هذا الأمن هو مجمل حال الكعبة ، وليس أمراً مستمراً على الدوام ، ولذا فقد طرأ عليه من الفتن والمصائب ما تسبب في ضربه بالمنجنيق ، ومن القتل فيه ، ومن تعطيل الصلاة فيه ، بسبب أهل البدع والضلال ، فيكون هذا من العام المخصوص .

قال ابن بطَّال – رحمه الله – :

وأما حديث أبى هريرة أن ذا السويقتين يخرب الكعبة : فهو مبيِّن لقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) إبراهيم/ 53 ، أن معناه الخصوص ، وأن الله تعالى جعلها حرماً آمناً غير وقت تخريب ذي السويقتين لها ؛ لأن ذلك لا يكون إلا باستباحته حرمتها ، وتغلبه عليها ، ثم تعود حرمتها .

” شرح صحيح البخاري ” ( 4 / 275 ) .

الرابع: أن يقال : إنه آمِن من الهدم والتخريب ، لكن إلى أمد ، وهو قرب يوم القيامة.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

قيل : هذا الحديث يخالف قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ) ؛ ولأن الله حبس عن مكة الفيل ولم يمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة ، ولم تكن إذ ذاك قبلة ، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين ؟ وأجيب : بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان ، قرب قيام الساعة ، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول ” الله ، الله ” ، كما ثبت في صحيح مسلم : ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله ) ، ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان ( لا يعمر بعده أبداً ) ، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال ، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية ، ثم مَن بعده ، في وقائع كثيرة ، من أعظمها وقعة ” القرامطة ” بعد الثلاثمائة ، فقتلوا من المسلمين في المطاف مَن لا يُحصى كثرة ، وقلعوا الحجر الأسود ، فحولوه إلى بلادهم ، ثم أعادوه بعد مدة طويلة ، ثم غُزي مراراً بعد ذلك ، كلُّ ذلك لا يُعارض قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ) ؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين ، فهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ولن يستحل هذا البيت إلا أهله ) – رواه أحمد ( 13 / 289 ) وصححه محققوه – ، فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من علامات نبوته ، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها ، والله أعلم . ” فتح الباري ” ( 3 / 461 ، 462 ) .

وقال النووي – رحمه الله – :

ولا يعارض هذا قوله تعالى ( حَرَماً آمِناً ) ؛ لأن معناه : آمناً إلى قرب القيامة ، وخراب الدنيا ، وقيل : يُخص منه قصة ذي السويقتين .

– قال القاضي : القول الأول : أظهر .

” شرح مسلم ” ( 18 / 35 ، 36 ) .

  1. هل تخريب ذي السويقتين للكعبة لا يكون بعده حج ، وتقوم بعد تخريبه القيامة ، أم يكون بعد تخريبه للكعبة حج واعتمار؟.

والجواب: أنهما قولان لأهل العلم ، فمن قائل إن ذلك كائن في آخر الزمان ، ولا يكون بعده إلا قيام الساعة ، والقول الآخر أن هذا التخريب يكون في فترة زمنية تسبق قيام الساعة ، ثم يحج الناس ويعتمرون بعدها ، لكن مِن غير عمارٍ للبيت ؛ لأن تهديم ذي السويقتين له لا يكون بعده عمارٌ له ، ثم يترك الناس الحج ، وتقوم الساعة بعدها .

وقد استدل من قال بأنه لا يكون بعد التخريب حج ولا اعتمار بحديث أبي سعيد الخدري – وقد ذكرناه سابقاً – ولفظه : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتَ ) ، فظنوا أن هدم الكعبة على يد ذي السويقتين ليس بعده حج ولا عمرة ؛ لأنه ليس ثمة بناء للكعبة ، وقد تغير حال الناس ، وتقوم بعدها القيامة .

وقد سبق ذِكر كلام الشيخ العثيمين ، ويفهم ظاهره أنه يرى هذا القول ، كما يظهر أنه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، حيث قال :

وأيضا فلو قدِّر – والعياذ بالله – أن أحداً يقصد إهانة الكعبة ، وهو قادر على ذلك : لم يحتج إلى رميها بالمنجنيق ، بل يمكن تخريبها بدون ذلك ، كما تخرب في آخر الزمان إذا أراد الله أن يقيم القيامة ، فيخرب بيته ، ويرفع كلامه من الأرض ، فلا يبقى في المصاحف والقلوب قرآن ، ويبعث ريحاً طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ، ولا يبقى في الأرض خير من ذلك ، وتخريبها بأن يسلَّط عليها ذو السويقتين ، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الني صلى الله عليه وسلم قال : ( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ) وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله ليه وسلم قال : ( كأني به أسود أفحج يقلعها حجراً حجراً )، وقال الله تعالى : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ترك الناس الحج سنة واحدة : لما نوظروا ، وقال : لو اجتمع الناس على أن لا يحجوا : لسقطت السماء على الأرض ، ذكره الإمام أحمد في ” المناسك ” . ” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 351  ، 352 ) .

واستدل من قال بأنه يحج بعد تخريب ذي السويقتين ويُعتمر بحديث أبي سعيد الخدري – أيضاً – ( لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) رواه البخاري ( 1516 ) ، وهو نص صريح في المسألة ، وخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى ، ومع ذلك يكون بعدهم حج وعمرة ، ويرد على من استدل بهدم ذي السويقتين للكعبة : بأنه لا يلزم من جواز الحج والعمرة بقاء المبنى ! وقد صحَّ أن البيت لا يُعمر بعد هدم ذي السويقتين له ، وصحَّ أنه يُحج ويعتمر بعده ، فيُجمع بين القولين : بالحج والعمرة بعد هدمه ، لكن من غير وجود مبنى الكعبة ، وهذا الصواب .

ومن فقه البخاري رحمه الله : أنه روى حديث ( لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) بعد روايته حديث ذي السويقتين ، وبوَّب على الجميع بقوله : باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) الآية إبراهيم/ 53 ، وباب قول الله تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ ) الآية المائدة/ 97 . انتهى.

وكأنه رحمه الله يشير إلى أن تخريب ذي السويقتين للكعبة ليس بعده قيام الساعة ، ولا انقطاع الحج والعمرة ؛ لأن يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى قطعاً ، ويكون بعد خروجهما حج وعمرة ، لكنه رحمه الله ظنَّ تعارضاً بينهما ، فرجَّح حديثه الذي رواه على الآخر ، ، فقال رحمه الله بعد أن روى الحديث الأول : وروى شُعْبَةَ عن قَتَادَة : ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُحَجَّ الْبَيْتُ ) ، وَالأوَّلُ : أَكْثَرُ . انتهى.

ولكن عند التأمل لا يظهر بين الحديثين تعارض ، وقيام الساعة بعد ترك الناس للحج ليس هو بعد هدم الكعبة من ذي السويقتين ، بل هو زمان آخر قبل قيام الساعة .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

قال البخاري : ” والأول أكثر ” أي : لاتفاق مَن تقدم ذِكره على هذا اللفظ ، وانفراد ” شعبة ” بما يخالفهم ، وإنما قال ذلك : لأن ظاهرهما التعارض ؛ لأن المفهوم مِن الأول : أن البيت يُحج بعد أشراط الساعة ، ومن الثاني : أنه لا يُحج بعدها ، ولكن يمكن الجمع بين الحديثين : فإنه لا يلزم مِن حج الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقت ما عند قرب ظهور الساعة ، ويظهر – والله أعلم – أن المراد بقوله ( ليحجن البيت ) أي : مكان البيت ؛ لما سيأتي بعد باب : أن الحبشة إذا خرَّبوه لم يعمر بعد ذلك . ” فتح الباري ” ( 3 / 455 ، 456 ) .

  1. هل يشترط وجود بناء الكعبة لصحة الحج والعمرة؟.

والجواب : لا يشترط ذلك ، والعبرة بمكانها لا ببنائها ، على الصحيح,  وفيها خلاف بين العلماء ، حتى في الصلاة ، كما منع من منع من العلماء من الصلاة على ظهر الكعبة ؛ لأنه لا يتجه لبناء الكعبة ، وهو قول مرجوح ، والصحيح : أن العبرة بمكان البيت ، وخاصة في الضرورة ، كالهدم الذي يحصل في زمان ذي السويقتين ، وعامة العلماء الآن على جواز الصلاة في الطوابق العلوية والتي تكون أعلى من ارتفاع بناء الكعبة ، وهو يؤيد ما قلناه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فعُلم أن مجرد العرصة غير كافٍ ، ويدل على هذا : ما ذكره ” الأزرقي ” في ” أخبار مكة ” : أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير : ” لا تدع الناس بغير قبلة ، انصب لهم حول الكعبة الخشب ! واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها ، ويصلون إليها ” ، ففعل ذلك ابن الزبير ، وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها ، ويصلَّى إليها : لا بد أن تكون شيئاً منصوباً شاخصاً ، وأن العرصة ليست قبلة ، ولم ينقل أن أحداً من السلف خالف في ذلك ولا أنكره .

نعم ، لو فُرض أنه قد تعذر نصب شيءٍ من الأشياء موضعها ، بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان : فهنا ينبغي أن يكتفى حينئذ باستقبال العرصة ، كما يكتفي المصلي أن يخط خطّاً إذا لم يجد سترة ، فإن قواعد إبراهيم كالخط ، وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا : أن البناء إذا زال : صحت الصلاة إلى هواء البيت ، مع قولهم : إنه لا يصلي على ظهر الكعبة ، ومن قال هذا : يفرق بأنه إذا زال لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل ، بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل ، ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدوماً : سقوط استقباله إذا كان موجوداً ، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره ، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز .

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 329 ، 330 ) .

 

والله أعلم.