مشكلات شاب ملتزم مع أهله العصاة

السؤال

الحمد لله الذي هداني أن اطلعت إلى موقعكم النبيل , حتى صرت أزوره كل يوم ، وأطلع على الأحكام الشرعية التي ترد فيه ، عن بعض المشاكل ، والأسئلة المرسلة من خلال الفتوى التي تقومون بتقديمها بشأن كل مسألة , والحقيقة : أني كنت أنوي طرح أسئلة كثيرة بخصوص بعض الاستفسارات والمشاكل التي أواجهها في حياتي الأسرية ، وفي كل مرة أجد نفس الأسئلة مطروحة مسبقاً ، وأحياناً – وسبحان الله – تكون نفس الحالات ، وبنفس الأعمار بالنسبة لمشاكل بعض الأشخاص الاجتماعية , إن دل هذا على شيء : فإنما يدل على غنى هذا الموقع ، وثقة الناس فيكم ، وسهركم على الإجابة بالفتاوى المناسبة والمبنية على المنهج الصحيح ، فنشكركم جزيل الشكر, وأسأل الله أن يجعل هذا في ميزان حسناتكم إن شاء الله.

أما بالنسبة لسؤالي : فسأحاول طرحه بصفة خاصة ، أعني : على مستوى عائلتي ، ثم أنتقل إلى تعميمه ، فاستهله بتقديم نبذة عن حياتي . اسمي – والحمد لله – : ” …… ” , أحمد الله لأني أشعر بمسؤولية حمل هذا الاسم ، فأحاول دائما ان أكون اسماً على مسمًّى ، محبّاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطاهراً في ذاتي ، وأعمالي ، وعلاقاتي ، أقطن بالجزائر ، من أسرة مسلمة – والحمد لله – ، متكونة من عشرة أفراد ، ميسورة الحال ، وأنا الابن الأصغر ، أبلغ من العمر ستّاً وعشرين سنة ، أعزب ، نشأتُ في أسرة محافظة على بعض التعاليم الإسلامية – والحمد لله – ، أما بالنسبة لوالداي جزاهم الله ألف خير : فلم يقصِّرا ابداً في السهر على تربيتنا التربية السليمة ، والإسلامية ، وتلبية كل طلباتنا ، على الرغم من عددنا الكبير ، وبالرغم من كونهما أميين تماماً بسبب الاستعمار الفرنسي ، ويجهلان الكثير عن أمور الدين , كانا حريصين أساساً على تعليمنا الصلاة ، وبعض المبادئ الإسلامية ، حريصين على مبدأ الحياء الذي أشهد أني كنت أتميز به عن إخوتي ، وعن زملائي في المدارس المختلطة التي التحقت بها في حياتي الدراسية – ولا توجد غيرها في مدينتنا – ، فكنتُ حريصاً على دراستي ، وكنتُ لا آبه بما يفعل زملائي من علاقات غير شرعية مع البنات ، فلم يسبق لي أن فعلت هذا في حياتي ، بالرغم من الضغوطات التي كانت محيطة بي ، خاصة في المرحلة الثانوية ، إلى غاية الآن – عصر الموبايل ، والانترنت – , حيث قرأت فتواكم فيما يخص الدعوة عن طريق الشات وحكمه ، ولا آبه كذلك بما يرسل لي من رسائل غرام ، أو انحراف ، آنذاك , فلم أتساهل مطلقا في الاختلاط ، ومع ذلك كانت مرحلة مشؤومة ، بالرغم عن استقامتي بسبب أختي التي انتقلت إلى الجامعة البعيدة من مدينتنا الصغيرة بمسافة ليس أقل من 150 كم ، وفي جامعة مختلطة أيضا , هذا ما جعلني أحس بغيرة شديدة لا أجد لها تفسيراً ، لكني كنت واثقاً أنه ليس الحقد ، حيث أذكر أني كنت على علاقة طيبة معها ، فأخذت أبحث في الكتب الدينية التي كنت أعشق قراءتها ، وعرفت الكثير من أحكام الشرع ، عرفت أن ما كنت أشعر به فطريٌّ ، وأن الإسلام مع الفطرة ، وفهمت معنى ” الديوث ” ، وقرأت أحاديث رسول البشرية بشأنه , وفي مسألة سفر المرأة بلا محرم ، واختلاطها ، والكثير ، الكثير, وعلى الرغم من دعائي المتكرر لها في الصلاة بنيل شهادة ” الباكالوريا ” مفتاح الجامعة من دون علمها إلا أني كنت أرفض كثيراً دراستها في الجامعة ، وأسلوبنا في التربية التي كنت أراها بعيدة تماماً عما أقرأ في كتبي , فمثلاً : المصافحة حرام ، وأنا أعرف هذا ، فماذا إن رأيت ابن عمي يدخل بيتنا , يلتقي بأخواتي ، ليس بالمصافحة ، بل بالتسليم وهو التقبيل على الخدين ؟! , بل ماذا إن كنت أعرف أن ابن عمي هذا ليس موثوقاً فيه تماماً ؟! و كيف يكون موثوقاً فيه من يفعل هذا حتى عن جهل بالحكم ؟ أين الفطرة ؟ أين الحياء ؟ فوالله كنت لا أقبل التسليم مند كنت في سن الطفولة ، ولكن أبواي كانا يضغطان عليَّ في فعل هذا اعتقاداً منهم أنه ليس هو الحياء الحميد ، فأسال الله أن يغفر لي ولوالدي ، أما بالنسبة لأختي فقد أتمت دراستها بالرغم من رفضي , وبعد فترة غيَّرت طريقة لبسها ، كذلك أصبحت متبرجة ، وبالرغم من رفضي لهذا التغيير إلا أنها كانت قابلت ذلك بالرفض المطلق ، فتقول لي : إن لها أباً ، وهو ولي أمرها ، وهو الوحيد الذي له حق رفض تصرفاتها , فماذا لو كان الاب لا يفقه في الدين شيئاً ؟ ولا يطيق أن يرى الإنسان الملتحي ؟ ولا يعلم أن رسول الله كان ملتحياً وأمر بإعفاء اللحية ؟ , حتى الصلاة لم يكن يؤديها إلا بعد ولادتي ، وأنا الابن الأصغر ” عرفت هذا مؤخراً من أمي ” ، كانت أختي أول فتاة في عائلتنا ترتدي سروالاً ، بالرغم من كونه مستوراً بلباس يصل إلى تحت الركبة ، ” مع العلم أنه أصبح غير مستور مطلقاً الآن ” ، والله كنت لا أكلمها بالعام والعامين أحياناً بسبب رفضي المطلق لتغيرها ، لدي إخوة لكنهم لم يعطوا الأمر أهمية ؛ كون كل واحد منهم – بدون استثناء – مشغولاً بعلاقات عاطفية غير شرعية – أحدهم تاب توبة نصوحاً ، وترك سماع الأغاني وجميع علاقاته وتزوج زواجاً شرعيّاً صحيحاً ، وهو الأخ الأكبر ولله الحمد – ، وأنتم أكثر علماً بمن ألِف المعاصي ، ومن ذا ينهى عن فحش ويأتي أكبر من مثله ؟ أما أنا فكنت في سن المراهقة , صغير السن ، لا أملك إلا الشجار بسبب ما أراه ، فأتعرض للعقاب من قبَل أبي أو إخوتي ، حتى كنت لا أبيت في البيت أحياناً , مع العلم أنهم كانوا يشهدون لي بالاستقامة كلهم ، لا أدخن مثلهم ، ولا أسهر ، ولا أخالط من هم أكبر مني سنّاً ، وأقوم بواجباتي الدينية ، والمدرسية ، على أكمل وجه ، لكني كنت عصبيٌّ جدّاً ، بسبب أختي التي لم تتزوج بعدُ آنذاك ، وأفعالها التي لم تألفها الأسرة ، مع العلم أن لدي ثلاث أخوات كبريات , متزوجات , إحداهن فقط خريجة جامعة ، والتي كانت محل ثقة وتقدير ، خاصة بالنسبة لي ، لكن للأسف ، أما أنا : فقد كنت أحيانا أقاوم فطرتي وأقول : ممكن أن أكون أنا المخطئ ، فمن غير المعقول أن أكون الوحيد على صواب والكل على خطأ ، فأُصبت بانهيار عصبي يوماً بسبب خلاف مع أختي الذي أدى إلى شجار عنيف لأول مرة مع الأخ الأكبر الذي يكبرني ب 10 أعوام , ومنذ تلك اللحظة بالذات خسرت ، وربحت , خسرت عدم مواصلة دراستي التي كنت متفوقاً جدّاً فيها باعتراف جميع أساتذتي ونتائجي – ولا أنكر أني حاولت أن أقاوم حيائي كذلك بإقامة علاقة بالمراسلة لكن ليس الحياء وحده ما كان يمنعني بل الخوف من الله عز وجل فتداركت نفسي قبل أية محاولة والحمد لله – ، وربحت انتقالي إلى ميدان التجارة وتكوين نفسي , وكذلك عدم المخاطرة بالدراسة في الجامعات المختلطة في العمر الذي تتهيج فيه شهوة الإنسان وميوله وسهولة وقوعه في حبائل الشيطان بسبب الشبح المرعب بلا منازع ألا وهو ” الاختلاط ” ، حاولت أن أنبه أمي لكن من دون جدوى ، أنهت أختي الدراسة ، وتقدم الكثير لخطبتها , ثم اكتشفت أنها تتكلم مع شخص أجنبي عبر الهاتف ، استعملت مع أمي الأسلوب المقنع وبدون عصبية كي تكف أختي عن هذا ، وكنت لا أعرف الحكم الشرعي فيه آنذاك ، ولكن شعرت أن شيئاً غير عادي يحدث بعد أن تغلق باب الغرفة للاسترسال معه في الحديث , لا أذكر إن كان هذا قبل الخطبة أو بعد , حتى وإن كان بعد الخطبة كيف يمكن أن أقبل بهذا الوضع من أخت أصبحت تخرج متبرجة , طلبت من أمي أن تعطيني ولو نسبة صغيرة من السلطة في هذ البيت ، لكن كانت تقول إن الزمان قد تغير ، وإنه أصبح الزواج يتم بهذه الطريقة , قلت : نعم الزمان تغير ، إنه زمن الفتن وزمن الأغراض الدنيوية , لكن الإسلام لم ولن يتغير ، وهو لكل زمان ومكان , كنت أيضا أتناول موضوع الأخوة الذكور وعلاقاتهم الآثمة ، فكانت تقول : إنهم ذكور ، أي : لا يجلبون العار ! جوابي : كيف ؟ أليسوا مسلمين ؟ أليس مع بنات الناس ؟ أليس لديك بنات ؟ أترضين هذا لهن ؟ فو الله كنت أغار على بنات الناس من المسلمات كغيرتي على أخواتي , ولما كنت أسمع قصة حدثت لأي بنت في الثانوية أو الجامعة أو أي مكان لا أنام الليل ، والله على ما أقول شهيد ، المهم : تم زفاف أختي على ذلك الرجل بالذات بعد فترة تعارف بالخلوة عبر الهاتف ، بالرغم عن أنفي ، على موسيقى صاخبة ، وأغاني ماجنة , مع العلم أنه كان عيباً كبيراً سماع الأغاني في مجتمعنا وسط الأسرة , لكن الزمن تغير على حسب تعبير أمي ، كان الزواج ، ولا بركة فيه طبعا ؛ حيث تم الطلاق بعد شهرين فقط ، وكان بعد موجات من المشاكل بين أختي وزوجها ، ليس بسبب أهله أو أسرتنا ، ولا أدري بالضبط ما الأسباب ، هي تقول بسبب العصبية ، أما قوله فالله أعلم ، الآن تزوجت برجل جزائري يحمل الجنسية الفرنسية ، وانتقلت إلى العيش هناك ، وهما متفاهمان ، ومتحابان جدّاً والحمد لله , أنجبت بنتا ، وسوف يقطنان هناك لشدة تأثر الزوج بالحضارة هناك – مع الأسف – , فلك أن تتصور كيف أصبح لباس أختي الآن , حيث كما أسلفت الذكر لم يبق إلا ” فولارة ” فوق شعرها ، بسروال وقميص أحياناً , كما أرى في الصور التي تبعثها من حين لآخر عبر الإنترنت ، أما بالنسبة للبنت فأنتم أعلم كيف سوف تتربى وسط أبوين لا يأملان إلا في عيشة سعيدة في أوربا لا الأذان يسمعون ، ولا صلاة بوقت صحيح في وسط وقانون أوربيين , غير مدركين أنهم مفتونون بهذا الزمن الذي تشتد فيه الفتن , مع العلم أن أختي كانت نادمة على زواجها الأول وتغيرت كثيراً بعده , لكن فعلت نفس الشيء قبل زواجها الثاني ” أعني الهاتف ” , المشكل : ليس فيَّ أنا ، وإنما المشكل في أخواتي اللاتي يعتقدن أن أختي الأوربية ناجحة ، ورحن يضعنها المثل الأعلى هن وبناتهن المراهقات ، فيحلمن بالعيش هناك أو حتى الزيارة , ضاربين عرض الحائط نصائحي بلبس الحجاب وعدم لبس السراويل ، كما ترون الزمن يمر ، والفتن تزيد , والحياء يندثر ، ولباس البنت يؤول إلى العري ، أما الطامة الكبرى : ففي الأخت الكبرى ” الطبيبة ” مثال الشرف والعفة والدين حيث كانت قصة أختي الأوربية حافزا تشجيعيا لها بالتفكير في الطلاق – بعد أن صرحت لي بهذا يوما ، ولمتها على هذا – بعد عشرة دامت أكثر من 20 سنة من دون أن نسمع عنها أية مشاكل مع الزوج من قبل , وهي ذات 42 سنة , خاصة عندما تتكلم مع أختي وترى درجة التفاهم والحب الذي يجمع بينها وزوجها في الخارج ، مع رومانسية التطور الظاهر من خلال ما تراه عبر الانترنت في منزلها بفرنسا ، وتنظيم الرحلات من قبل زوجها وغيرها من الأمور الدنيوية وعدم عصبية زوجها ، مع العلم أنه يصبح عصبيا عندما يأتي إلى الجزائر بسسب الفرق الكبير والفوضى العارمة في مجتمعنا الذي أفضل أن أعيش فيه أحسن من مجتمع الكفر , و لكن يا ليت أفراد عائلتي يدركون هذا وخاصة النساء منهم قليلات الدين والعقل , وما زاد الطين بلة أني اكتشفت بالصدفة أن نفس الأخت ” الكبرى ” على علاقة عبر الهاتف مع زميل لها في العمل ، وسمعتها تتكلم معه بشأن الطلاق من زوجها , واعترفت له أنها كانت تخفي ميولها إليه وأن ميولها له كان قديما ، مع بعض الكلام الذي يعرفه العشاق , كل هذا بسبب الاختلاط في عملها كطبيبة ، متناسية بذلك أولادها وإفساد عفتها وزواجها الذي منَّ الله عليها به , وإفساد زواج ذلك الزميل في نفس الوقت ، وكأنها كانت ترى النقص في شخصية زوجها , يقابله كمال في شخصية زميلها , والشيطان لا يفوت الفرصة في مثل هذه الأوساط فيزين لها كل خبيث , أما بالنسبة لي : فلا تتصور مقدار صدمتي , ارتجاف في أطرافي لم يسبق له مثيل ، وارتفاع طفيف في ضغط الدم , وسخونة شديدة في جسدي هدَّأت هذا بالدعاء المباشر ، والذكر حينها , وفعل ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالة الغضب , و لم أشأ أن أواجهها في تلك الحالة ؛ خشية أن أتصرف بجنون وتفاديت ذلك بالخروج من المنزل في الساعة التي كانت تتحدث مع عشيقها ، وهي الثانية والنصف صباحا عبر الهاتف المحمول الخاص بها في هذا الوقت المتأخر من الليل ، بعد زيارة مفاجئة لمنزلنا ، وفي غياب والداي حيث كانا في زيارتهم الأولى لأختي خارج الوطن , وفي الصباح قمت بإخبار أختي الأصغر منها وأخذت معها موعدا كي أستطيع أن أواجهها من دون تهور , لأني لم أتقبل أن قدرتي على تجاوز ضغوط الفتن المعاصرة , وأنا الذي قد يكون لي عذر إن أخطأت بإقامة علاقة ، كوني أعزباً ، وأطمح للزواج , تقابلها المحصنة أختي بالضعف والاستسلام لخطوات الشيطان , وبالفعل اعترفت لي بالعلاقة بعد أكثر من ساعة من الإنكار المتواصل , نعم اعترفت وهي تلومني لأنها سبق لها وأن صارحتني بكره شخصية زوجها لأسباب لم أقتنع بها من جهة ، كعدم مبالاته بالعائلة ، وعصبيته من جهة أخرى ، نعم , حدث هذا بالفعل لكن هذا لا يبرر أن تتجرأ على فعلتها ، كذلك شكت لي هذا بعد ميولها المحرم ، وليس قبل , أعلم أنه الاختلاط , نعم هو الذي تسبب في هذه البلوى فجعلها تتعلق بذلك الشخص وتكره زوجها بالمقابل , المهم لقد تمالكت أعصابي بقوة ، ولا أدري كيف , ويعلم الله أني لم أذق طعم النوم لأيام متوالية ، ولازلت أصاب بالأرق إلى الآن ، ومددت لها يدي لأعالج الموضوع فوجدت صعوبة منها بمصارحتي وأحيانا كنت ألجأ لأخت أخرى , التي هي على دراية تامة بالموضوع , وكانت ولا تزال مصدومة من هول ما عرفت عن أختها الكبرى , وقد عزمت ألا أفاتح أبواي بالموضوع ، من باب التستر عن الموضوع ، كما أمر الدين , إن هي تابت من جهة ، وبسبب كون والدي مريضين و كبيرين في السن ” 70 سنة ” من جهة أخرى , مع أني أحيانا ألومهما في طيات نفسي لأني كنت لا أرضى بما يتساهلان فيه , مما كنت أنبه وأشدد عليه ، فلم ألاقي غير الرد , والعقاب أحيانا – لما كنت صغير السن  – كوني ألجأ للعنف والمشاحنة مع أخواتي حينها , نعم ، كنت صغيراً لكني كنت أعلم ما لا يجوز بفطرتي , أعلم أن العصبية ليست الحل ، لكن ما البديل لي لأثير انتباه من هم أكبر منِّي سنّاً وأقل رشداً ؟ ، أما أنا فكيف لي وأنا المقبل والقادر على الزواج ماديّاً أن أختار شريكة حياتي في هذا الوسط الفاسد ؟ أو أن أثق في بنات الناس ؟ ومن سيختار لي ؟ أبي ؟ أمي ؟ أختي الأوربية ؟ أختي الكبرى ؟ أقيم علاقة تعارف قبل الزواج  – أعوذ بالله – ؟ أين أربي أولادي ، وبناتي أين أدرسهن ؟ ماذا لو أمرتهن بالتزام المنزل وعدم الدراسة والخروج إلى مجتمع مختلط ولم يرضين بهذا ؟ أو لم ترض أمهن , كما تفعل أخواتي إن طلبت أنا منهن نفس الشيء بشان دراسة بناتهن ؟ كيف أستطيع أن أغير ما حولي وأن أغير المفاسد المحيطة بي داخل العائلة وخارجها ؟ أعلم أن لأختي الكبرى توبة , لكن كيف أتاكد من توبتها وهي التي صارت أكبر كذاب رأيته في حياتي ؟ , وإن رجعت لفعلتها هل يجوز لي أن أكشفها أمام زوجها وأمام عائلتي ؟ علما أني حتى الآن ما زلت أرسل لها الكثير من الفتاوى المفيدة لها والأجوبة الواردة في موقعكم ، والتي تمثل أمثلة واقعية ، شبيهة لما حصل لها ، لما رأيت الدموع في عينيها تمنيت أن تكون دموع التوبة ، لكن لست متأكدا من ذلك لأنها لم تغير رقم هاتفها بعد ، ولم تحاول ترك وظيفتها المختلطة.

من فضلكم لا تنسوني بالدعاء ، لي ، وللعائلة ، فليس بالسهل أن أخرجها من الوحل الذي هي فيه ، الآن أود أن أعمم الموضوع ، إني أرى مدينتنا الصغيرة تكبر يوما بعد يوم , وأصبح لدينا جامعة كبيرة وفروع لها ولكم أن تتصوروا ما يحدث في مجتمع ودولة تشجع الاختلاط ، حيث لم تسلم مدينتنا من هذا ، ومؤخراً حدثت فضيحة لزوجة خانت زوجها حتى كتبت في جريدة يومية تحت عنوان ” سقوط آخر قناع العفة في مدينة …. ..” ، أسأل الله أن يهدي صاحب المقال كونه لم يحاول معرفة الأسباب وطرح حلول لما حدث ، أو يحدث ، وتناول الموضوع بطريقة ساخرة وغير سليمة ، هل لي من طريقة لتغيير هذا ؟ أظن أني لو كنت رئيساً للبلاد لما تمكنت من فعلها ، خاصة في الأوضاع السياسية الراهنة ، كل المفاهيم الإسلامية الصحيحة تلاشت في مجتمعنا مفهوم الحضارة تغير , حيث أصبح الرجل اليوم ذلك الذي له أكبر علاقات مع البنات وأقربها إلى الزنا , فتراه يحدث أصحابه بما يفعل ،  يتفاخر بذلك , أصبح الديوث رجلا ، وليس رجلا فحسب ، بل مثالا للتحضر والتفتح , بل وصار محل إعجاب العائلات لبناتهم لما يعطي من حرية مطلقة ودلال وفير لابنتهم المدللة , أما من يرضى دينه وخلقه فلا غاية منه قد يكون مطلوبا فقط إن كان غنيّاً ، أحاول جاهداً أن أكون مفيدا لديني وبلدي وأقوم بطبع فتاوى الاختلاط ، ونتائجه ، والحجاب الشرعي ، الذي زال الآن أو انقرض تقريباً , وبعض ما أراه مناسبا فأقوم بتوزيعه على بعض الأصدقاء , وأفكر في مشروع مماثل بطبع كمية كبيرة خصيصا للدارسين في الجامعة , والدارسات , أملا في استرجاع ولو حتى القليل من العفة والمحافظة على آثار ما بقي منها , والداي راضيان علي تمام الرضى – والحمد لله – وهما يلحان عليَّ بالزواج أحيانا ، لكنهما لا يريان ما أرى ، ولا يعلمان ما أعلم , لكني في هذه الظروف لا زلت مع الصوم كل اثنين وخميس عسى الله أن أنسى الجرح الذي تسببت به أختي , و أن يمنَّ عليَّ بالزوجة الصالحة إن شاء الله , وفي الأخير أريد أن تفتوا لي , إن لم يتغير الوضع في أسرتي خاصة ، وفي مدينتي عامة : هل لي أن أهجر بلدي إن استطعت إلى بلد اسلامي آخر بعد أن أقنع أمي بذلك ؟ هل يعتبر هذا استسلاماً ؟ لأني قد أخشى على صحتي من أن تتدهور إن حدث شيء آخر كالذي حدث لأختي ، وبالخصوص إن كان الأمر يتعلق بأقربائي , وماذا لو حدث مع أولادي ما لا أرضاه مستقبلا أظن أني سوف أفقد صوابي حينها.

أرجوكم ، أعينوني بالدعاء لي ولأسرتي ، ولولاة أمورنا الذين سبقهم الكفار حتى في الاقتناع بخطورة ” الاختلاط ” , فإني اشعر و كأني أحفر في جبل ، أما إن كان هناك ما يمكن أن أفيد به من مواضيع للنشر في مدينتي : سوف أفعل إن بعثتم لي بما ترونه مفيداً لنا في مثل هذه الأوضاع . وجزاكم الله ألف خير.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك بطولها ، ونحن نشكرك على حسن ظنك بنا ، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، بمنِّه وفضله.

ثانياً:

ما تعاني منه أخي السائل يشاركك به كثيرون ، يعيشون غربة في دينهم وهم بين أهليهم ، فقد أصبح المستقيمون على طاعة الله غرباء في بلادهم ، أو في بيوتهم ؛ لما يجدونه من إنكار لما هم عليه ، أو محاربة ، أو تثبيط همم وعزائم .

والمسلم الحق لا يلتفت لهذه المعوقات ، بل يستمر في سيره إلى ربه تعالى ، على صراطه المستقيم ، لا يعوجُّ في منهجه ، ولا في سلوكه ، بل لا تزيده هذه المعوقات إلا ثباتاً على الطريق ، وليقتدِ بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولينظر في حاله ، كيف حاربه أعمامه ، وأقرباؤه ، لمَّا جاءهم بالهدى ، ودين الحق ، وقد صبر نبينا صلى الله عليه وسلم على دعوة أولئك الأقرباء خصوصاً ، والناس عموماً ، حتى أنشأ جيلاً فريداً ، نشر الهداية في المعمورة ، وأرسى قواعد العدل في الأرض ، وما نحن إلا حسنة من حسناتهم ، بذلوا الجهود المضنية ، وضحوا بالغالي والنفيس ، من أجل الاستمرار بعمل نبيهم صلى الله عليه وسلم ، في الدعوة ، والتعليم ، حتى إنك لا تجد بقعة في الأرض إلا ويُذكر فيها الإسلام ، أو يوجد فيها مسلمون .

فالذي نوصيك به ابتداءً هو الصبر على طاعة الله تعالى ، والصبر عن معصيته ، وأن تظل محافظاً على استقامتك ، مع تقوية ذلك بالعلم الشرعي ، وفعل الطاعات .

ثالثاً:

والعصاة يحتاجون لطبيب ذي علم يرشدهم لمرضهم ، ويحتاجون لذي حكمة يعالجهم مع رفضهم ، وهذا ما ينبغي عليك فعله مع أهلك ، فعليك بالعلم أولاً ، فهو زاد الداعية ، ولا يحل للجاهل أن يتكلم في دين الله تعالى ، ثم عليك بالحكمة ، وأعظم طريق الحكمة : اللين ، والرفق ، وهما من أعظم صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهما وصيته للدعاة إلى الله ، قال تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) آل عمران/ من الآية 159 ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) .

رابعًا:

ونوصيك بالمبادرة بالتزوج ، وعدم تأخير إعفاف نفسك به ، فالفتن التي تعصف بالمجتمعات أصعب من أن يستطيع مواجهتها المتزوج ، فكيف بالأعزب ؟! والزواج وصية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب ، فاحرص على تعجيله ، وعدم تأخيره .

وإذا تأخر زواجك ، أو لم تستطعه : فاتق الله تعالى في سمعك ، وبصرك ، وفرجك ، واحذر أن تلوث ذلك بمحرمات تلقى ربك بها .

سئل الشيخ عبد العزيز بن عبد باز – رحمه الله – :

ماذا تأمرون الشاب إذا لم يستطع الزواج وإذا لم يتزوج ؟ .

فأجاب  :

عليه أولاً أن يتقي الله ، وأن يحذر شر النفس ، من الوقوع في الفواحش المحرمة ، وأن يستعين بالله على حفظ عفته ، وحفظ فرجه ، ومن ذلك الاستعانة بالصيام ، يصوم كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء ) من استطاع الباءة – وهو الزواج – فليبادر بالزواج ، وليبادر أبوه وإخوانه على معاونته ، وهكذا غيرهم ، وإذا لم يستطع الزواج ، ولم يتيسر الزواج : فليتق الله ، وليسأل ربه العون ، وليحذر من نزغات الشيطان ، في قضاء الوطر فيما حرم الله عز وجل ، وليستعن بالصوم ، فإن الصوم يعين ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، فيصوم ويجتهد في أسباب العفة والعافية ، من غض البصر عن النظر إلى النساء ، والعناية بأسباب حفظ الفرج ، والله يعينه ويوفقه ، إذا صدق وأخلص ، يسر الله أمره ويسر له النكاح . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 218 , 219 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشباب القادرين على النكاح أن يتزوجوا ، وبيَّن الفائدة العظيمة منه ، وهو أنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هاتين الفائدتين مع أن فيه فوائد كثيرة ؛ لأن هاتين الفائدتين أسرع ما يكون إلى الإنسان ، بمجرد ما يتزوج الإنسان يكف بصره عن النساء ، ويحصن فرجه ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، يصوم ؛ لأن الصوم عبادة وهو في نهاره صائم ، كافٍ ، غافل عما يتعلق بالنساء ، وفي ليله نائم ، ثم إن الصيام يضعف مجاري الدم ، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فإذا ضعفت المجاري : ضعفت مسالك الشيطان ، وصار ذلك أقرب إلى السلامة ، ولكن إذا لم يستطع الصوم ، كشاب لا يستطيع النكاح ، ولا يستطيع الصوم ماذا يفعل ؟ يفعل ما أمر الله به بقوله : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33 ، يستعف ، يتصبر ، فإن من يتصبر يصبره الله عز وجل ، وإذا كان الإنسان متعففاً كافّاً عما حرَّم الله : فإنه يدخل في قول الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) الطلاق/ 4 . ” اللقاء الشهري ” ( 46 / المقدمة ) .

خامسًا:

وأما بخصوص هجرتك من بلدك : فإننا نوصيك بما أوصى به أهل العلم ، من أن بقاءك بين أهلك أفضل إن كنت ترجو هدايتهم ، واستجابتهم لما تدعوهم إليه من الخير ، وأما إن كنت ترى أنك بذلت وسعك في دعوتهم ، ولم تجد منهم إلا الصدود ، وكنت تخشى على نفسك من الفتنة والضياع : فإنه يجب عليك الخروج من تلك الديار إلى ما هو أصلح منها لدينك ، واحذر من تغرير الشيطان من أن تنتقل إلى بلاد الكفر ، أو إلى بلاد أشد سوء مما أنت فيه .

سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – :

هناك مجتمعات قائمة على الاختلاط ، فهل على المسلم أن ينأى بنفسه عن هذا المجتمع ، في حين أنه لا يملك التغيير ؟ كذلك هل يتعامل مع كل وسائل اللهو أم يمنع نفسه ؟ أم ماذا يفعل ؟ .

فأجاب :

لا شك أن غالب المجتمعات البشرية في العالم الآن تموج بأنواع من الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وموقف المسلم من هذه الفتن ، وتلك المستجدات : يجب أن يكون موقف المسلم الصحيح ، فإذا كان يترتب على اختلاطه بهذه المجتمعات أن يتمكن من أن يغيِّر شيئاً منها ، وأن يدعوهم إلى الله ، ويرشدهم إلى الصواب : فهذا أمر مطلوب ، وهو من مقاصد الدعوة.

أما إذا كان ليس باستطاعته التأثير عليهم ، بل في اختلاطه هذا خطر عليه ، وعلى ذويه : فعليه أن يهاجر ، بأن ينتقل إلى بلاد أخرى يمكن فيها ذلك ، فالله عز وجل وسَّع المجالات ، وعَدَّد الفرص ، ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2 ، 3 ، فعلى الإنسان ألا يبدي العجز ، فالله قد تكفل بالأرزاق ، وجعل مع العسر يسراً ، ومع الكرب فرجاً ، ولهذا فالإنسان عليه أن يحسن الظن بالله ، ويتوكل عليه ، ويخشاه ، فالله قد وعد باليسر للمسلم ، وهو لا يخلف وعده . ” المنتقى من فتاوى الفوزان ” ( 2 / 263 ، 264 ، السؤل رقم 233 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة