فقه الاستحلال وتأويل قدامة بن مظعون في شرب الخمر.

السؤال:
انتشرت نقاشات حول مسألة “الاستحلال” وحكم الصحابي “قدامة بن مظعون” رضي الله عنه في شربه للخمر، ونُقل كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك.
ونعلم أن الاستحلال نوعان: استحلال عملي، وهو معصية، واستحلال عقائدي، وهو كفر.
فهل كان استحلال قدامة مجرد استحلال عملي، وما هو التوجيه الصحيح لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية؟ ولماذا أقيم عليهم حد شرب الخمر مع كونهم معذورين؟
الجواب:
الحمد لله
فإن التفريق المذكور في السؤال بين نوعي الاستحلال هو تقسيم منهجي صحيح قرره المحققون من أهل السنة، وبيانه كالآتي:
أولا:
أنواع الاستحلال:
١. الاستحلال الاعتقادي القلبي:
وهو أن يعتقد المرء حِلَّ ما حَرَّمَهُ الله مَعْلُومًا من الدين بالضرورة، كالخمر والزنا، فيجعل الحرام حَلَالًا بقلبه.
وهذا كُفْرٌ مُخْرِجٌ من الملة، حتى وإن لم يمارس الشخص هذا المحرم؛ لأن العلة هي تكذيب النص.
٢. الاستحلال العملي الفعلي:
وهو الإقدام على فعل المحرم والمداومة عليه، مع بقاء الاعتقاد الجازم في القلب بأنه حَرَامٌ.
وهذا يُعد من كبائر الذنوب وفاعله تحت المشيئة.
ومن أدلته الحديث الصحيح: “لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ”.
ثانيا:
أما استحلال قدامة بن مظعون رضي الله عنه، فبالنظر إلى الحادثة نفسها، يتضح أن استحلال قدامة ومن معه لم يكن “اسْتِحْلَالًا عَمَلِيًّا” مَحْضًا، أي: لم يشربوا الخمر وهم يعتقدون تحريمها، بل وقعوا في “استحلال اعتقادي متأول”.
فقد شربوا الخمر معتقدين أنها مُبَاحَةٌ لمن عمل الصالحات، متأولين في ذلك قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} المائدة/ ٩٣.
وهنا تبرز دقة منهج أهل السنة؛ فإن الاستحلال الاعتقادي إذا وقع عن “تأويل سائغ” أو “جهل”، فإنه يعذر صاحبه ولا يُكفر حتى تُقام عليه الحجة وتنتفي عنه الموانع.
ولهذا، اتفق الصحابة كعمر وعلي رضي الله عنهما على أنهم لا يُكفّرون بالاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم، بل يُستتابون ويُبين لهم الحق.
فلما أُقيمت عليهم الحجة وزالت الشبهة وعلموا تحريمها؛ أقروا وتابوا، فجُلدوا حد الخمر ولم يُقتلوا للردة.
وكلام ابن تيمية رحمه الله واضح أنه قال بوقوع “قدامة بن مظعون” رضي الله عنه بالاستحلال الاعتقادي، وهذا نص كلامه:
“ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جُلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق، فإن أصروا على الجحود كفروا”.
” الرد على البكري” (ص ٢٥٩).
وقال:
“فإن كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى”.
“مجموع الفتاوى” (٧/ ٦١٩).
ثالثا:
التأويل الذي وقع فيه قدامة رضي الله عنه كان عُذْرًا مَانِعًا من تكفيره وقتله بالردة؛ لأنه لم يقصد معاندة الشرع أو تكذيب النص، بل أخطأ في فهم الآية.
فلما بُيِّن له الحق وعلم تحريمها التام، زالت عنه شبهة الكفر، ولكن بقي الفعل المحرم الذي ارتكبه، فأُقيم عليه الحد -وهو الجلد- طُهْرَةً له من هذا الفعل، باتفاق الصحابة رضي الله عنهم.
رابعا:
ثمة فرق بين الجهل بالحكم والتأويل الفاسد، فالذي يُعذر في شرب الخمر فلا يُقام عليه الحد هو الجاهل جَهْلًا تَامًّا بتحريم الخمر -كحديث العهد بالإسلام، أو من نشأ ببادية بعيدة لا تبلغها الأحكام-، فهذا الجاهل جهله يُسقط عنه الحد تَمَامًا لعدم قيام الحجة عليه أَصْلًا.
أما “قدامة” رضي الله عنه، فلم يكن جَاهِلًا بأصل تحريم الخمر، فهو يعلم أنها حُرمت على المسلمين، ولكنه ظن بـ”تأويل خطأ” أنه يُستثنى من هذا التحريم لكونه من أهل بدر وأحد الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
والتأويل في موضع لا يسوغ فيه التأويل في حكم معلوم ومستقر لا يُسقط الحد الدنيوي بعد انكشاف الحق والتوبة منه.
ولذلك لما احتج قدامة بالآية: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} المائدة/ ٩٣، بيّن له عمر رضي الله عنه خطأ تأويله من نفس الآية، وقال له: “إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر”، فبيّن له أن الشرب ينافي التقوى المذكورة في الآية. وأجمع الصحابة على استتابته وجلده، فكان هذا إِجْمَاعًا على أن مثل هذه الشبهة الجزئية لا تدرأ حد الشرب، بل تدرأ حد الردة.
والله أعلم
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٢ يونيو ٢٠٢٦ م

