الرئيسية بلوق الصفحة 268

مسائل وفوائد وأحكام في هدم الكعبة في آخر الزمان!.

مسائل وفوائد وأحكام في هدم الكعبة في آخر الزمان

السؤال:

شيخنا الفاضل

– لدي عدة أسئلة أود أن تجيبني عليها إذا سمحت:

أنا شاهدت حلقات الدكتور ” عمر عبد الكافي ” ، وقرأت في عدة مواقع عن أحداث النهاية ، ومنها حدث واحد أخذ كل بالي ، ألا وهو : ” هدم الكعبة ” ، هل يمكنكم تأكيد لي ذلك بأحاديث صحيحة عن النبي ( ص) ! وإذا كان هذا الحدث سيقع – وكل شيء بمشيئة الله – كيف سيتم ذلك ونحن نعرف أن مكة بلد آمن ، حتى وأن المسيخ الدجال لن يتمكن من الدخول إليها والملائكة يحرسونها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

لا يجوز كتابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مختصرة بـ ” ص ” ، ولا منحوتة بـ ” صلعم ” .

 

ثانياً:

أما بخصوص تخريب الكعبة : فقد ثبت ذلك عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكننا إجمال الحديث عن هذا الموضوع في بضع نقاط :

  1. من هو الذي يهدم الكعبة؟.

الجواب : إنه ” ذو السويقتين ” .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ ) . رواه البخاري ( 1514 ) ومسلم ( 2909 ) .

( ذو السويقتين ): تثنية سويقة ، وهي تصغير ” ساق ” ، أي : الذي له ساقان ضعيفتان ، والتصغير هنا : للتحقير ، أي : ضعيف هزيل ، لا شأن له .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ ، أَفْحَجَ ، يَقْلَعُهَا حَجَراً حَجَراً ) . رواه البخاري ( 1518 ) .

الأفحج : الذي إذا مشى باعد بين رجليه .

  1. ما هي أسباب هدم الكعبة؟.

أ. امتهان أهلها لها .

عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ : ( لَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلاَّ أَهْلُهُ ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ ، فَلاَ تَسَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَظْهَرُ الْحَبَشَةُ ، فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لاَ يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ ) رواه أحمد ( 14 / 267 ) وصححه محققو المسند .

ب. عدم حج البيت .

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتَ ) رواه أبو يعلى ( 2 / 277 ) وابن حبان ( 15 / 150 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2430 ) .

وقد جعل الله تعالى الكعبة قياماً للناس ، كما قال تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ) المائدة/ من الآية 97 ، فإذا صار هذا هو حال الناس صار بقاء الكعبة إهانة لها ، كما هو الحال في أمر المصحف ، فيقدِّر الله تعالى هدم الكعبة على يد ذلك الحبشي ، كما يقدِّر رفع المصحف من قلوب الناس وصحفهم .

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – :

أما تسليط ذي السويقتين : فلأن أهل مكة يمتهنونها ، ولا يبقى في قلوبهم حرمة لها ، ويكون الحج إليها كالحج إلى الآثار ، لا لعبادة الرحمن ، فإذا وصلت الحال بهذا البيت المعظم إلى هذه الإهانة : صار بقاؤه بينهم إهانة له ، فسُلط عليه ذو السويقتين ، كما أن القرآن الكريم كلام الله عز وجل إذا أعرض الناس عنه إعراضاً كليّاً : نُزع من المصاحف ، والصدور ، أصبح الناس وليس في المصاحف حرف من القرآن ، وليس في الصدور حرف من القرآن ، لماذا ؟ لأنهم امتهنوه ، وهو أعظم من أن يبقى بين قوم يمتهنونه .

ولهذا يجب على طلبة العلم الآن أن يحموا هذا القرآن العظيم بقدر ما يستطيعون ؛ لئلا يُمتهن ، فيُنزع ، وهذا معنى قول السلف في القرآن : منه – أي : من الله – بدأ ، وإليه يعود . ” شرح صحيح البخاري ” ( شريط رقم 6 ، وجه أ ) .

  1. هل ثمة معارضة بين هدم الكعبة ، وبين جعل الكعبة حرماً آمناً ؟ .

الجواب : لا ، ليس ثمة معارضة ، لأسباب:

الأول والثاني : أنّ جعله آمناً : إما أن يكون المراد به الخبر المجرد فيُحمل على زمان ” الجاهلية ” ، ويؤيده ما ذكره الله تعالى من منته على أهل مكة من جعله البيت الحرام آمناً مع تخطف الناس من حوله ، وإما أن ” الجعل ” خبر يراد منه الإنشاء ، والإنشاء هنا هو : الأمر بتأمين من يدخل الحرم ، وعدم تخويفه ، أو التعرض له بسوء ، أو قتله ، ضمن الشروط الشرعية المبينة في كتب الفقه .

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) البقرة/ من الآية 125 – :

والمراد من ” الجعل ” في الآية : إما الجعل التكويني ؛ لأن ذلك قدَّره الله ، وأوجد أسبابه ، فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ، ويسَّرهم إلى تعظيمه .

وإما ” الجعل ” : أن أمر الله إبراهيم بذلك ، فأبلغه إبراهيم ابنَه إسماعيل ، وبثه في ذريته ، فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلَّمة ، فدام ذلك الأمن في العصور ، والأجيال ، من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان ، وتم مراد الله تعالى .

فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف ، في حصار ” الحجَّاج ” في فتنة ” ابن الزبير ” ، ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن ” القرامطة ” حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي – نسبة إلى بلدة يقال لها جنَّابة ، بتشديد النون – كبير القرامطة ، إذ قتل بمكة آلافاً من الناس ، وكان يقول لهم : ” يا كلاب ، أليس قال لكم محمد المكي : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) آل عمران: من الآية 97 ، أيُّ أمنٍ هنا ؟! ” ، وهو جاهل غبي ؛ لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمناً في مدة الجاهلية ، إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم ، أو هو خبر مراد به الأمر مثل ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) البقرة/ 228 .

” التحرير والتنوير ” ( 1 / 690 ، 691 ) .

الثالث: ولو فرض أنه خبر مجرد : فيقال : إن هذا الأمن هو مجمل حال الكعبة ، وليس أمراً مستمراً على الدوام ، ولذا فقد طرأ عليه من الفتن والمصائب ما تسبب في ضربه بالمنجنيق ، ومن القتل فيه ، ومن تعطيل الصلاة فيه ، بسبب أهل البدع والضلال ، فيكون هذا من العام المخصوص .

قال ابن بطَّال – رحمه الله – :

وأما حديث أبى هريرة أن ذا السويقتين يخرب الكعبة : فهو مبيِّن لقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) إبراهيم/ 53 ، أن معناه الخصوص ، وأن الله تعالى جعلها حرماً آمناً غير وقت تخريب ذي السويقتين لها ؛ لأن ذلك لا يكون إلا باستباحته حرمتها ، وتغلبه عليها ، ثم تعود حرمتها .

” شرح صحيح البخاري ” ( 4 / 275 ) .

الرابع: أن يقال : إنه آمِن من الهدم والتخريب ، لكن إلى أمد ، وهو قرب يوم القيامة.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

قيل : هذا الحديث يخالف قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ) ؛ ولأن الله حبس عن مكة الفيل ولم يمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة ، ولم تكن إذ ذاك قبلة ، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين ؟ وأجيب : بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان ، قرب قيام الساعة ، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول ” الله ، الله ” ، كما ثبت في صحيح مسلم : ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله ) ، ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان ( لا يعمر بعده أبداً ) ، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال ، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية ، ثم مَن بعده ، في وقائع كثيرة ، من أعظمها وقعة ” القرامطة ” بعد الثلاثمائة ، فقتلوا من المسلمين في المطاف مَن لا يُحصى كثرة ، وقلعوا الحجر الأسود ، فحولوه إلى بلادهم ، ثم أعادوه بعد مدة طويلة ، ثم غُزي مراراً بعد ذلك ، كلُّ ذلك لا يُعارض قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ) ؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين ، فهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ولن يستحل هذا البيت إلا أهله ) – رواه أحمد ( 13 / 289 ) وصححه محققوه – ، فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من علامات نبوته ، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها ، والله أعلم . ” فتح الباري ” ( 3 / 461 ، 462 ) .

وقال النووي – رحمه الله – :

ولا يعارض هذا قوله تعالى ( حَرَماً آمِناً ) ؛ لأن معناه : آمناً إلى قرب القيامة ، وخراب الدنيا ، وقيل : يُخص منه قصة ذي السويقتين .

– قال القاضي : القول الأول : أظهر .

” شرح مسلم ” ( 18 / 35 ، 36 ) .

  1. هل تخريب ذي السويقتين للكعبة لا يكون بعده حج ، وتقوم بعد تخريبه القيامة ، أم يكون بعد تخريبه للكعبة حج واعتمار؟.

والجواب: أنهما قولان لأهل العلم ، فمن قائل إن ذلك كائن في آخر الزمان ، ولا يكون بعده إلا قيام الساعة ، والقول الآخر أن هذا التخريب يكون في فترة زمنية تسبق قيام الساعة ، ثم يحج الناس ويعتمرون بعدها ، لكن مِن غير عمارٍ للبيت ؛ لأن تهديم ذي السويقتين له لا يكون بعده عمارٌ له ، ثم يترك الناس الحج ، وتقوم الساعة بعدها .

وقد استدل من قال بأنه لا يكون بعد التخريب حج ولا اعتمار بحديث أبي سعيد الخدري – وقد ذكرناه سابقاً – ولفظه : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتَ ) ، فظنوا أن هدم الكعبة على يد ذي السويقتين ليس بعده حج ولا عمرة ؛ لأنه ليس ثمة بناء للكعبة ، وقد تغير حال الناس ، وتقوم بعدها القيامة .

وقد سبق ذِكر كلام الشيخ العثيمين ، ويفهم ظاهره أنه يرى هذا القول ، كما يظهر أنه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، حيث قال :

وأيضا فلو قدِّر – والعياذ بالله – أن أحداً يقصد إهانة الكعبة ، وهو قادر على ذلك : لم يحتج إلى رميها بالمنجنيق ، بل يمكن تخريبها بدون ذلك ، كما تخرب في آخر الزمان إذا أراد الله أن يقيم القيامة ، فيخرب بيته ، ويرفع كلامه من الأرض ، فلا يبقى في المصاحف والقلوب قرآن ، ويبعث ريحاً طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ، ولا يبقى في الأرض خير من ذلك ، وتخريبها بأن يسلَّط عليها ذو السويقتين ، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الني صلى الله عليه وسلم قال : ( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ) وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله ليه وسلم قال : ( كأني به أسود أفحج يقلعها حجراً حجراً )، وقال الله تعالى : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ترك الناس الحج سنة واحدة : لما نوظروا ، وقال : لو اجتمع الناس على أن لا يحجوا : لسقطت السماء على الأرض ، ذكره الإمام أحمد في ” المناسك ” . ” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 351  ، 352 ) .

واستدل من قال بأنه يحج بعد تخريب ذي السويقتين ويُعتمر بحديث أبي سعيد الخدري – أيضاً – ( لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) رواه البخاري ( 1516 ) ، وهو نص صريح في المسألة ، وخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى ، ومع ذلك يكون بعدهم حج وعمرة ، ويرد على من استدل بهدم ذي السويقتين للكعبة : بأنه لا يلزم من جواز الحج والعمرة بقاء المبنى ! وقد صحَّ أن البيت لا يُعمر بعد هدم ذي السويقتين له ، وصحَّ أنه يُحج ويعتمر بعده ، فيُجمع بين القولين : بالحج والعمرة بعد هدمه ، لكن من غير وجود مبنى الكعبة ، وهذا الصواب .

ومن فقه البخاري رحمه الله : أنه روى حديث ( لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) بعد روايته حديث ذي السويقتين ، وبوَّب على الجميع بقوله : باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) الآية إبراهيم/ 53 ، وباب قول الله تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ ) الآية المائدة/ 97 . انتهى.

وكأنه رحمه الله يشير إلى أن تخريب ذي السويقتين للكعبة ليس بعده قيام الساعة ، ولا انقطاع الحج والعمرة ؛ لأن يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى قطعاً ، ويكون بعد خروجهما حج وعمرة ، لكنه رحمه الله ظنَّ تعارضاً بينهما ، فرجَّح حديثه الذي رواه على الآخر ، ، فقال رحمه الله بعد أن روى الحديث الأول : وروى شُعْبَةَ عن قَتَادَة : ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُحَجَّ الْبَيْتُ ) ، وَالأوَّلُ : أَكْثَرُ . انتهى.

ولكن عند التأمل لا يظهر بين الحديثين تعارض ، وقيام الساعة بعد ترك الناس للحج ليس هو بعد هدم الكعبة من ذي السويقتين ، بل هو زمان آخر قبل قيام الساعة .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

قال البخاري : ” والأول أكثر ” أي : لاتفاق مَن تقدم ذِكره على هذا اللفظ ، وانفراد ” شعبة ” بما يخالفهم ، وإنما قال ذلك : لأن ظاهرهما التعارض ؛ لأن المفهوم مِن الأول : أن البيت يُحج بعد أشراط الساعة ، ومن الثاني : أنه لا يُحج بعدها ، ولكن يمكن الجمع بين الحديثين : فإنه لا يلزم مِن حج الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقت ما عند قرب ظهور الساعة ، ويظهر – والله أعلم – أن المراد بقوله ( ليحجن البيت ) أي : مكان البيت ؛ لما سيأتي بعد باب : أن الحبشة إذا خرَّبوه لم يعمر بعد ذلك . ” فتح الباري ” ( 3 / 455 ، 456 ) .

  1. هل يشترط وجود بناء الكعبة لصحة الحج والعمرة؟.

والجواب : لا يشترط ذلك ، والعبرة بمكانها لا ببنائها ، على الصحيح,  وفيها خلاف بين العلماء ، حتى في الصلاة ، كما منع من منع من العلماء من الصلاة على ظهر الكعبة ؛ لأنه لا يتجه لبناء الكعبة ، وهو قول مرجوح ، والصحيح : أن العبرة بمكان البيت ، وخاصة في الضرورة ، كالهدم الذي يحصل في زمان ذي السويقتين ، وعامة العلماء الآن على جواز الصلاة في الطوابق العلوية والتي تكون أعلى من ارتفاع بناء الكعبة ، وهو يؤيد ما قلناه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فعُلم أن مجرد العرصة غير كافٍ ، ويدل على هذا : ما ذكره ” الأزرقي ” في ” أخبار مكة ” : أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير : ” لا تدع الناس بغير قبلة ، انصب لهم حول الكعبة الخشب ! واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها ، ويصلون إليها ” ، ففعل ذلك ابن الزبير ، وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها ، ويصلَّى إليها : لا بد أن تكون شيئاً منصوباً شاخصاً ، وأن العرصة ليست قبلة ، ولم ينقل أن أحداً من السلف خالف في ذلك ولا أنكره .

نعم ، لو فُرض أنه قد تعذر نصب شيءٍ من الأشياء موضعها ، بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان : فهنا ينبغي أن يكتفى حينئذ باستقبال العرصة ، كما يكتفي المصلي أن يخط خطّاً إذا لم يجد سترة ، فإن قواعد إبراهيم كالخط ، وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا : أن البناء إذا زال : صحت الصلاة إلى هواء البيت ، مع قولهم : إنه لا يصلي على ظهر الكعبة ، ومن قال هذا : يفرق بأنه إذا زال لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل ، بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل ، ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدوماً : سقوط استقباله إذا كان موجوداً ، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره ، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز .

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 329 ، 330 ) .

 

والله أعلم.

 

قصيدة ” البردة ” للبوصيري، وبيان ما فيها من كفر وزندقة!.

قصيدة ” البردة ” للبوصيري ، وبيان ما فيها من كفر وزندقة

السؤال:

لقد سمعتُ الكثير عن ” البردة ” أشياء عديدة ، البعض يقول : إنها جيدة ، ومفيدة ، والبعض الآخر يرى أنها شرك ؛ لأن بعض أبياتها يمتدح النبي صلى الله عليه وسلم بصفات الله . أتساءل : هل في نظركم أنها فعلا شرك فأجتنبها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

قصيدة ” البردة ” تعدُّ من أشهر القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، إن لم نقل : أشهرها ، وقد نظمها ” البوصيري ” ، وهو : محمد بن سعيد بن حمّاد الصنهاجي ، ولد سنة 608ه‍ـ ، وتوفي سنة 696 هـ ‍.

وقد قيل في سببها : أن ” البوصيري ” أصيب بمرضٍ عُضالٍ ، لم ينفع معه العلاج ، وأنه كان يُكثر مِن الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى رآه في المنام ذاتَ ليلةٍ ، وغطَّاه ببردته الشريفة ، وأنه لمَّا قام ” البوصيري ” مِن نومه : قام، وليس به مرضٌ ، فأنشأ قصيدته مدحاً للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم – في زعمه – .

ثانياً:

والقصيدة المذكورة قد اشتملت على كفرٍ صريح ، وزندقة ظاهرة ، وقد تتابع العلماء من أهل السنَّة والجماعة في نقضها ، ونقدها ، وتبيين عوارها ، وكشف زيغها ومخالفتها لاعتقاد أهل السنَّة والجماعة .

ومن أبرز الأبيات التي انتُقدت في تلك القصيدة : قوله :

  1. يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به سواك ***** عند حدوثِ الحادثِ العَمم
  2. إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي ***** عفواً وإلا فقل يا زلة القدم
  3. فإن مِن جودك الدنيا وضَرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
  4. دع ما ادعته النصارى في نبيهم ***** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
  5. لو ناسبت قدره آياته عظما ***** أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
  6. فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

ثالثاً:

ومع كلام أهل العلم في نقض تلك الأبيات ونقدها :

  1. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – :

وأما الملك : فيأتي الكلام عليه ؛ وذلك أن قوله : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، وفي القراءة الأخرى ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) : فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله تعالى ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ) الانفطار/ 17 – 19 .

فمن عرف تفسير هذه الآية ، وعرف تخصيص المُلك بذلك اليوم ، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره : عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها ، وسبب الجهل بها دخل النار من دخلها ، فيالها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها ، فأين هذا المعنى ، والإيمان ، بما صرح به القرآن ، مع قوله صلى الله عليه وسلم : (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً ) : من قول صاحب البردة :

ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** إذا الكريم تحلي باسم منتقم

فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها ، ومن فتن بها من العباد ، وممن يدعى أنه من العلماء ، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن  : هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله : ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ) ، وقوله : ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً ) ؟! لا والله ، لا والله ، لا والله ، إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق ، وأن فرعون صادق ، وأن محمَّداً صادق على الحق ، وأن أبا جهل صادق على الحق ، لا والله ما استويا ، ولن يتلاقيا ، حتى تشيب مفارق الغربان .

– فمن عرف هذه المسألة ، وعرف البردة ، ومن فتن بها : عرف غربة الإسلام .

” تفسير سورة الفاتحة ” من ” مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ” ( 5 / 13 ) .

  1. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحمه الله – :

من عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف إلى عبد الخالق الحفظي .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

فقد بلغنا من نحو سنتين : اشتغالكم ببردة ” البوصيري ” ، وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى ، من ذلك قوله : ” يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك ” إلى آخر الأبيات ، التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي صلى الله عليه وسلم وحده.

فأما دعاء الميت والغائب : فقد ذكر الله في كتابه العزيز ، الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم : النهي عن دعوة الأموات ، والغائبين بقوله تعالى : ( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ) ولم يستثن أحداً .

والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله ، وقال : ( فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) .

فانظر إلى هذا الوعيد الشديد المترتب على دعوة غير الله ، وخاطب به نبيه صلى الله عليه وسلم ليكون أبلغ للتحذير ، فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينهاه عن ذلك ، ويذكر الوعيد عليه ، ويرضاه أن يفعل ذلك أحدٌ معه ، أو مع غيره ، صلوات الله وسلامه عليه ؟! .

ولما قال له رجل : ما شاء الله وشئت : قال : ( أجعلتني لله ندّاً ؟ بل ما شاء الله وحده ) ، ودعوة غيره تنافي الإخلاص ، الذي هو دينه ، الذي لا يقبل الله ديناً سواه .

وذكر تعالى اختصاصه بالدعاء بقوله : ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ) الآية ، وأخبر أن دعوة الحق مختصة به ، وما ليس بحق : فهو باطل ، ولا يحصل به نفع لمن فعله ، بل هو ضرر في العاجل والآجل ؛ لأنه ظلم في حق الله تعالى .

يقرر هذا : تهديده تعالى لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً ) ، نزلت في عيسى ، وأمه ، والعزير ، والملائكة ، باتفاق أكثر المفسرين ، من الصحابة ، والتابعين ، والأئمة ، فكيف يَظن من له عقل أنه يرضى منه في حقه قولاً ، وعملاً تهديد الله من فعله مع عيسى ، وأمه ، والعزير ، والملائكة ؟! .

وكونه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده عموماً ، وخصوصاً ، بل هو مأمور أن ينهى عنه ، ويتبرأ منه ، كما تبرأ منه المسيح بن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة ، وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ .

وأما اللياذ : فهو كالعياذ ، سواء ، فالعياذ لدفع الشر ، واللياذ لجلب الخير ، وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله ، وأسمائه ، وصفاته ، وأما العياذ بغيره : فشرك ، ولا فرق .

وأما قوله : ” فإن من جودك الدنيا وضرتها ” : فمناقض لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله : ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) ، وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، وفي قوله تعالى : ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) ، وغير ذلك من الآيات لهذا المعنى ، وقال غير ذلك في منظومته مما يستبشع من الشرك.

– هدي السلف في مدح النبي. ” رسائل وفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد عبد الوهاب “( 1 / 124 – 127 ) .

  1. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ – رحمه الله – :

ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم قول البوصيري :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي    *****  الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك .

منها: أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلَّت به الحوادث ، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له ، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو .

الثاني: أنه دعاه ، وناداه بالتضرع ، وإظهار الفاقة ، والاضطرار إليه ، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله ، وذلك هو الشرك في الإلهية .

الثالث: سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله … البيت وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه ، وهو الجاه ، والشفاعة عند الله ، وذلك هو الشرك ، وأيضاً : فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله ، فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداء .

الرابع : قوله : فإن لي ذمة … إلى آخره  : كذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة ، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك .

تناقض عظيم ، وشرك ظاهر ، فإنه طلب أولاً أن لا يضيق به جاهه ، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلاً وإحساناً ، وإلا فيا هلاكه .

فيقال : كيف طلبت منه أولاً الشفاعة ، ثم طلبت منه أن يتفضل عليك ، فإن كنت تقول : إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله : فكيف تدعو النبي صلى الله عليه وسلم ، وترجوه ، وتسأله الشفاعة ؟ فهلا سألتها من له الشفاعة جميعاً ، الذي له ملك السموات والأرض ، الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه ، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله  .

وإن قلت : ما أريد إلا جاهه ، وشفاعته ، بإذن الله .

قيل : فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين ، فهذا مضاد لقوله تعالى : ( وما أدراك ما يوم الدين . ثم ما أدرك ما يوم الدين . يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً . والأمر يومئذ لله ) ، فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا ؟! .

وإن قلت : سألته أن يأخذ بيدي ، ويتفضل عليَّ بجاهه وشفاعته .

قيل : عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله ، وذلك هو محض الشرك .

الخامس : في هذه الأبيات من التبري من الخالق – تعالى وتقدس – والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن ، فأين هذا من قوله تعالى : ( إياك نبعد وإياك نستعين ) الفاتحة ، وقوله تعالى : ( فإن تولوا فقـل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلـت وهـو رب العـرش العظيم ) ، وقوله : ( وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً ) ، وقوله تعالى : ( قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً . قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً . إلا بلاغاً من الله ورسالاته ) .

فإن قيل : هو لم يسأله أن يتفضل عليه ، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم شفاعته فيا هلاكه .

قيل : المراد بذلك سؤاله ، وطلب الفضل منه ، كما دعاه أول مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه ، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط والدعاء ، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط ، كما قال نوح عليه السلام : ( وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) .

” تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ” ( ص 182 – 184 ) .

  1. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

قرأتُ حديثاً فما مدى صحته ، وهو : ( من كان اسمه محمَّداً فلا تضربه ولا تشتمه ) ؟  .

فأجاب :

هذا الحديث مكذوب ، وموضوع على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس لذلك أصل في السنة المطهرة ، وهكذا قول من قال : ” مَن سمَّى محمَّداً فإنه له ذمة من محمد ، ويوشك أن يدخله بذلك الجنة ” ! وهكذا من قال : ” من كان اسمه محمَّداً فإن بيته يكون لهم كذا وكذا ” ، فكل هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة ، فالاعتبار باتباع محمد ، وليس باسمه صلى الله عليه وسلم ، فكم ممَّن سمي محمداً وهو خبيث ؛ لأنه لم يتبع محمَّداً ، ولم ينقَد لشريعته ، فالأسماء لا تطهر الناس ، وإنما تطهرهم أعمالهم الصالحة وتقواهم لله جل وعلا ، فمن تسمى بأحمد ، أو بمحمد ، أو بأبي القاسم ، وهو كافر ، أو فاسق : لم ينفعه ذلك ، بل الواجب على العبد أن يتقي الله ويعمل بطاعة الله ، ويلتزم بشريعة الله التي بعث بها نبيه محمداً ، فهذا هو الذي ينفعه ، وهو طريق النجاة والسلامة ، أما مجرد الأسماء من دون عمل بالشرع المطهر : فلا يتعلق به نجاة ، ولا عقاب .

ولقد أخطأ البوصيري في ” بردته ” حيث قال  :

فإن لي ذمة منه بتسميتي … محمَّداً وهو أوفى الخلق بالذمم

وأخطأ خطأ أكبر من ذلك بقوله  :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم

إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ***** فضلا وإلا فقل يا زلة القدم

فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم

فجعل هذا المسكين لياذه في الآخرة بالرسول صلى الله عليه وسلم دون الله عز وجل ، وذكر أنه هالك إن لم يأخذ بيده ، ونسي الله سبحانه الذي بيده الضر والنفع والعطاء والمنع ، وهو الذي ينجي أولياءه ، وأهل طاعته ، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو مالك الدنيا والآخرة ، وأنها بعض جوده ، وجعله يعلم الغيب ، وأن من علومه علم ما في اللوح والقلم ، وهذا كفر صريح ، وغلو ليس فوقه غلو ، نسأل الله العافية والسلامة  .

فإن كان مات على ذلك ، ولم يتب : فقد مات على أقبح الكفر ، والضلال ، فالواجب على كل مسلم أن يحذر هذا الغلو ، وألا يغتر بـ ” البردة ” ، وصاحبها ، والله المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 370 ، 371 ) .

وأقوال العلماء أكثر من هذا ، ويوجد من الأبيات ما فيه مجال للنقد ، لكننا اخترنا بعضاً من كلٍّ منهما ، وهو كافٍ في بيان المقصود ، وهو التحذير من هذه القصيدة ، وأنها احتوت على غلو ظاهر ، وكفر وزندقة .

وللمزيد في نقد هذه القصيدة : ينظر كتاب ” العقيدة السلفية في مسيرتها التاريخية ” للشيخ محمد المغراوي “القسم الخامس” ( ص 139 – 154 ) ، ومقال ” قوادح عقدية في بردة البوصيري ”  للشيخ عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف ، هنا :

http://www.saaid.net/arabic/ar20.htm

 

والله أعلم.

 

شبهات لنصراني يطعن بها في آيات قرآنية يزعم أن فيها تناقضاً وتعارضاً

شبهات لنصراني يطعن بها في آيات قرآنية يزعم أن فيها تناقضاً وتعارضاً

السؤال:

طرح عليّ أحد المسيحيين هذا السؤال فأريد إجابة له حتى أرسله إليه :

لماذا تربطون حياتكم وأقداركم بكتاب مليء بالتناقضات والأخطاء – ويقصد بذلك القرآن – ؟! إن هذا المسيحي يواصل ويقول : تقولون إن الله يقول ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) ، وهو فعلاً مليء بالاختلافات والتناقضات ، لذلك فهو ليس من عند الله ، وإليك بعض الأمثلة على ذلك :

يقول القرآن في سورة ” البقرة ” ( لا إكراه في الدين ) ، ثم نجد في غير ما موضع آخر أنه يحث اتباعه المسلمين على قتل المشركين ( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ، وغيرها من الآيات المتعددة التي تحث على قتل المخالفين في الدين .

وفي مواضع أخرى مثل سورة ” الشعراء ” يذكر أن فرعون هلك بالغرق ، بينما يذكر في سورة يونس ( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية .. ) فأيهما الصحيح .. ؟! .

وفي سورة ” النجم ” قوله ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ، وفي ” التكوير ” قوله ( ولقد رآه بالأفق المبين ) ، وهذه آيات تدل على أن محمَّداً رأى ربه ، في حين أنّا نجد ما ينافي ذلك في سورة ” الأنعام ” ( لا تدركه الأبصار .. ) وفي سورة ” الشورى ” ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً .. ) فما الصحيح ؟! .

ثم نجد في سورة ” مريم ” ( وإن منكم إلا واردها .. ) بمعنى أن جميع الخلق سيدخلون جهنم لبعض الوقت بما في ذلك المسلمون دون استثناء ، ثم نجد أنه يشير ضمناً في سورة ” آل عمران ” أن من قتل مجاهداً فإنه لا يجري عليه هذا الحكم ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة .. ) فأين الرأي الصحيح في هذين القولين ؟! .

ونجد أن القرآن يتناقض تناقضاً واضحاً عندما يذكر طعام أهل النار ، ففي ” الغاشية ” يقول ( ليس لهم طعام إلا من ضريع .. ) ثم يقول في ” الحاقة ” ( ولا طعام إلا من غسلين ) ، ثم نجده في سورة ” الصافات ” يقول عندما يصف فاكهة أهل النار ” الزقوم ” ( فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ) ، فهذه ثلاثة أقوال متناقضة ! .

– فكيف أرد عليه في كل هذه الادعاءات ؟ أرجوا تزويدي بالإجابة مفصّلة .

 

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

ليست هذه بأول محاول للنيل من كتاب الله تعالى والطعن في آياته بالتناقض والتعارض ، فقد سبق من هذا كثير ، وجميع من فعل ذلك باء بالخسران المبين ، ولو كان كتابنا الذي آمنّا بأنه منزَّل من عند ربنا تعالى فيه بعض ما في كتب اليهود والنصارى من التحريف والتعارض والتناقض لكنّا أول الكافرين به ، ولكن أنَّى له ذلك وقد تكفَّل الله تعالى نفسه بحفظ كتابه الكريم إلى قيام الساعة ليكون حجة على الناس بما فيه من حق وصدق .

ولو أن ذاك النصراني – وغيره – قرأ وتأمل أول الآية التي ساقها في عدم وجود اختلاف في القرآن الكريم لما احتاج إلى تجميع تلك الشبهات ليطعن من خلالها بالقرآن الكريم ، والعرب الأوائل والمعاصرون منهم فيهم علماء وعقلاء وأدباء وبلغاء وهم يقرؤون القرآن الكريم ولم تكن مثل هذه الآيات عندهم متعارضة متناقضة ، وقد يقفون عند بعضها مستشكلين لبعض معانيها ، لكن سرعان ما يزول هذه الإشكال إذا تدبَّر أحدهم بآيات القرآن أو رجع إلى المفسرين والراسخين في العلم ، وأول الآية التي ساقها ذاك النصراني أولاً يحث الله تعالى فيها على تدبر آياته إذ يقول ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) ثم قال الله تعالى بعدها ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) النساء/ 82 ، ولذا فلو أنه تدبَّر آيات القرآن لما وجد بينها اختلافاً لا كثيراً ولا قليلاً ، ولو كلَّف نفسه ورجع إلى كلام الراسخين في العلم لما وجد في القرآن تناقضاً أو تعارضاً ، ولذا فكل مَن خلت قراءته للقرآن من تدبر – وبخاصة إذا كان صاحب هوى – فمِن الطبيعي أن يجد ما يظنه تعارضاً أو تناقضاً بين آياته ، ولكن الحقيقة والواقع أن هذا التعارض والتناقض إنما هو في ذهنه وفي فهمه لا أنه في آيات الله تعالى المُحكمة ، وكل أحد يكتب كتاباً لا يستطيع إلا أن يعتذر في أوله بأن من وجد نقصاً فليعذر مؤلفه ، ومن وجد خطأ فليستر عليه ولينبه مؤلفه ، ولذا تجد كل كتاب يُطبع أكثر من مرة تجد فيه عبارة ” مزيدة ومنقحة ” ! أما كتاب الله تعالى فإن من يفتح الصفحة الأولى منه يجد قوله تعالى ( الم . ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) البقرة/ 1 ، 2 ، وقد كانت هذه الافتتاحية سبباً في إسلام بعض عقلاء من النصارى لما رآه من افتتاحية جليلة تدل على أن قائل حروفها ليس من البشر ، وأنه لا يمكن لبشر أن يقول مثل هذا الكلام في كتاب ألَّفه ، فعلموا بعد قراءتهم لآيات القرآن أنه كلام رب العالِمين ، ولذا فإن الخلل هو في نقص التدبر ، وبه نعلم أن ذِكر الحث عليه في أول هذه الآية ليس لغواً إنما كان لحكمة جليلة .

 

 

قال ابن القيم – رحمه الله – :

ولهذا ندب الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن ؛ فإنَّ كلَّ مَن تدبره : أوجب له تدبرُه علماً ضروريّاً ويقيناً جازماً أنه حق وصدق بل أحق كل حق وأصدق كل صدق ، وأن الذي جاء به : أصدقُ خلق الله وأبرهم وأكملهم علماً وعملاً ومعرفة ، كما قال تعالى ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) ، وقال تعالى ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) محمد/ 24 ، فلو رفعت الأقفال عن القلوب : لباشرتها حقائق القرآن واستنارت فيها مصابيح الإيمان وعلمت علما ضروريّاً يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح والألم والحب والخوف أنه من عند الله ، تكلَّم به حقّاً وبلَّغه رسولُه جبريل عنه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم . ” مدارج السالكين ” ( 3 / 471 ، 472 ) .

والقرآن الكريم – لمن تدبَّره – خال من اختلاف التعارض والتناقض ، وما كان ظاهره الاختلاف فهو من ” اختلاف التلاؤم ” ، وهو لاختلاف الحال أو الزمان أو الشخص ، وهو ما يمكن الجمع بين آياته بكل يسر وسهولة وعندما يفعل الباحث ذلك سيتبين له وجه جديد في إعجاز كتاب الله الحكيم .

قال أبو بكر الجصاص – رحمه الله – :

فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه : اختلاف تناقض : بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الآخر ، واختلاف تفاوت : وهو أن يكون بعضه بليغاً وبعضه مرذولاً ساقطاً ، وهذان الضربان من الاختلاف منفيان عن القرآن ، وهو إحدى دلالات إعجازه ؛ لأن كلام سائر الفصحاء والبلغاء إذا طال – مثل السور الطوال من القرآن – لا يخلو من أن يختلف اختلاف التفاوت ، والثالث : اختلاف التلاؤم ، وهو أن يكون الجميع متلائماً في الحُسن كاختلاف وجوه القراءات ومقادير الآيات واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ ، فقد تضمنت الآية الحض على الاستدلال بالقرآن لما فيه من وجوه الدلالات على الحق الذي يلزم اعتقاده والعمل به .

” أحكام القرآن ” ( 3 / 182 ) .

وأوضح مثال على هذا الاختلاف المتلائم – ولعله لو وقف عليه ذاك النصراني لأضافه إلى قائمته ! – أن الله تعالى ذكر في كتابه خلق آدم ، فمرَّة يذكر أنه خلقه من ماء ، ومرة من تراب ، وثالثة من طين ، ورابعة من صلصال ، فهل هذا من التناقض والتعارض ؟! بل هي مراحل في خلق آدم – وقد فصَّلنا فيها القول في جواب السؤال رقم ( 4811 ) – ولو كان ذلك تناقضاً لسبق إلى الطعن فيه أئمة اللغة والبلاغة من الكفار في زمن نزول الوحي ، ولكنهم احترموا عقولهم فلم يتعرضوا للقرآن من ناحية بلاغته وإعجاز نظمه ، بل كانت آياته سبباً في إسلام كثيرين ، وكيف لا وهو ( هُدى للنَّاس ) .

 

ثالثاً:

وبعد تلك المقدمة فإنه يسهل علينا – بتوفيق الله – أن نجيب ذاك النصراني على ما استشكله من آيات القرآن وظنه تعارضاً أو تناقضاً أو اختلافاً غير متوائم ، ولكن ماذا بعد ذلك ؟ هل سيراجع نفسه فيما قال ؟ وهل سيكون لذلك أثر طيب على عقله وقلبه ؟ إننا لنرجو – صادقين – أن نرى أثر ذلك عليه إيماناً بكتاب الله تعالى أنه محكم في آياته ، وأنه حق وصدق ، وأنه كلام رب العالِمين ، وإننا لنرجو – صادقين – أن تكون تلك الأجوبة سبباً في إسلامه ، وإن لم يكن ذلك فعلى الأقل يزداد المؤمن إيماناً بصدق كلام ربِّه تعالى ويضيف علماً إلى علمه .

رابعاً:

وأما الرد التفصيلي على ما ذُكر من الآيات : فنقول :

  1. أجمع علماء الإسلام على أن قوله تعالى ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ ا256 ليس على عمومه ، وأنه لا يدخل فيه صنف من الناس بالإجماع ، وهو : المرتد .

قال ابن حزم – رحمه الله – :

وأما قول الله تعالى لا إكراه في الدين فلا حجة لهم فيه , لأنه لم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذه الآية ليست على ظاهرها ; لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه . ” المحلى ” ( 1 / 188 ) .

ويعني هذا : أن المرتد هو الذي أجمع علماء الأمة الإسلامية على إكراهه على الإسلام بعد أن كان مسلماً ثم خرج منه ، وفي هذا حفظ لدين الله تعالى من العابثين به والمستهزئين .

وأجمع علماء المسلمين على أنه لا يخرج من الآية : اليهودي والنصراني والمجوسي.

ويعني هذا: أنه لا يجوز إكراه اليهودي والنصراني والمجوسي على الإسلام.

وقد اختلف العلماء في المشرك العربي هل يُكره على الإسلام فيُخيَّر بين الإسلام أو القتل أو لا ، والراجح من أقوالهم : أنه يلحق بمن ذكرنا من أصناف الكفار، وأنه لا يجوز إكراهه على الإسلام ، وقد ثبت نصٌّ صريح في صحيح مسلم بهذا الحكم.

عن بُرَيْدَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ … وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ … فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ … ) . رواه مسلم ( 1731 ).

 

قال ابن القيم – رحمه الله – في فوائد حديث بريدة – :

ومنها : أن الجزية تُؤخذ من كل كافر ، هذا ظاهر هذا الحديث ، ولم يستثن منه كافراً من كافر ، ولا يقال هذا مخصوص بأهل الكتاب خاصة ؛ فإن اللفظ يأبى اختصاصهم بأهل الكتاب ، وأيضاً : فسرايا رسول الله وجيوشه أكثر ما كانت تقاتل عبدة الأوثان من العرب ، ولا يقال إن القرآن يدل على اختصاصها بأهل الكتاب ؛ فإن الله سبحانه أمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المشركين حتى يعطوا الجزية ، فيؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن ، ومن عموم الكفار بالسنَّة ، وقد أخذها رسول الله من المجوس وهم عبَّاد النار لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان . ” أحكام أهل الذمة ” ( 1 / 89 ) .

وعليه : فإن من شملته الآية في عدم جواز إكراهه على الدخول في الإسلام : فإنه لا يقاتَل – بالقطع واليقين – لأجل أن يدخل فيه ، ولذا فلن يكون معنى القتال الذي في قوله تعالى ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) التوبة/ 5 أنه قتال حتى يسلم أولئك الكفار ، وإنما المعنى الصحيح للآية أنه أمر بقتال الكفار الذين يسعون لقتال المسلمين وغزوهم في ديارهم ، وكذا هو قتال لمن وقف حائلاً بين المسلمين وبين تبليغ دين الله تعالى ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث لأهل الأرض جميعاً ونحن مأمورون أن نبلغ هذا الدين ولا نكره أحداً على الدخول فيه ولكن لا يُسمح لأحد – إن كان عند المسلمين قوة – أن يقف حائلاً دون أن يبغ الدعاة المسلمون الإسلام للناس ، وفي زماننا هذا لا نحتاج لمثل هذا لسهولة الوصول لأهل الأرض بأيسر طريق ، ولعدم ممانعة أحد من دخول المسلمين في ديارهم ، فليس ثمة حاجة لمثل هذا الحكم الآن .

وهذا الخلل في فهم آيات الله تعالى هو نتاج عدم التدبر في معناها وعدم الجمع بين نصوص الشرع ، فيظن القارئ أن النص على عمومه وهو ليس كذلك ، أو أنه على إطلاقه وهو ليس كذلك ، وما أكثر ما يقع الخلل نتيجة انعدام التدبر في نصوص الوحي ، والآية الثانية التي ذكرها النصراني مثال صالح لهذا ، فقوله تعالى ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) هل هو على عمومه ليشمل الأنثى والطفل والشيخ الكبير من المشركين؟ والجواب على ذلك : لا ، لا يشملهم ، وقد ثبت النص بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهل يشمل بعمومه المعاهَدين من الكفار ؟ والجواب : لا ، لا يشملهم ، وكذا لا يشمل المستأمِنين الذين قال الله تعالى في حقهم ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) التوبة/ 6 .

فصار معنى الآية واضحاً بعد ذلك أن القتال إنما هو في حق المحاربين من الكفار ، وفي حق من تجهز لقتال المسلمين وفي حق من منع المسلمين من تبليغ دينهم وقاتلهم على ذلك ، وبذا تُفهم الآية وتُفهم الأحاديث الواردة في السنَّة التي جاءت بمثل ما جاء في الآية .

قال ابن العربي المالكي – رحمه الله – :

قوله تعالى ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) عامٌّ في كل مشرك ، لكنَّ السنَّة خصَّت منه من تقدم ذكره قبل هذا من امرأة ، وصبي ، وراهب ، وحُشوة – حسبما تقدم بيانه – وبقي تحت اللفظ : مَن كان محارباً أو مستعدّاً للحرابة والإذاية ، وتبيَّن أن المراد بالآية : اقتلوا المشركين الذين يحاربونكم . ” أحكام القرآن ” ( 4 / 177 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وُيُؤتُوا الزَّكَاة ) مراده : قتال المحاربين الذين أذن الله في قتالهم ، لم يُرد قتال المعاهَدين الذين أمر الله بوفاء عهدهم. ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 20 ) .

وقال – رحمه الله – أيضاً – :

القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله ، كما قال الله تعالى ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) البقرة/ 190 .

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 354 ) .

خامساً:

  1. وأما ما ظنه تعارضاً أو تناقضاً بين إخبار الله تعالى عن فرعون أنه مات غرقاً وبين قوله تعالى ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) يونس/ 92 : فهو عجيب ، فغرق فرعون يقين لا شك فيه ، وقد مات في هذا الغرق وهلك هلاكاً بيِّناً ، والسؤال لذاك النصراني : هل كل من يهلك في البحر غرقاً تأكله أسماك القرش وتضيع جثته في قاع البحر أم يمكن أن يموت غرقاً ثم تطفو جثته وتنجو من التحلل والضياع ؟ والجواب اليقيني منه هو الثاني وهو الواقع المشاهد في غرقى الطائرات التي تقع في البحار وغرقى السفن وغيرهما ، ونقول له : هذا ما حصل بالضبط لفرعون ، فقد قضى غرقاً في البحر وجعل الله تعالى جثته تطفو على البحر ليتأكد بنو إسرائيل من هلاكه ، وهي حكمة بالغة حيث كان يدعي ذاك الأفَّاك أنه ربهم الأعلى ! فكان من المناسب إظهار تلك الجيفة للناس حتى يتأكد لهم حقيقة هذا الرب المزعوم ، وحتى ينقطع الخوف من قلوب ضعاف الناس الذين يمكنهم تصديق أنه غاب ليعود بعد فترة من الزمن ، وما أكثر تصديق الناس ضعاف الدين والعقول لهذا ، ومعنى ( نُنَجِّيك ) في الآية : الرفع والطفو ، وهي من ” النجو ” ، ولو كانت بمعنى النجاة فليست هي النجاة من الموت يقيناً وإنما هي نجاة البدن من الضياع في قاع البحر أو من أكل حيواناته له ، ولو تدبَّر قوله تعالى ( نُنَجِّيْكَ بِبَدَنِكَ ) لعلم أن هذا الجملة لا تُستعمل في النجاة من الموت بل هي تستعمل لنجاة البدن نفسه ، ولو كانت نجاة فرعون من موت لكان ذِكر ( ببدنك ) لغو، وليس هذا حال كلام الله تعالى .

سادساً:

  1. ومما رآه ذاك النصراني تناقضاً وتعارضاً بين آيات القرآن : قوله : إن قوله تعالى ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم/ 18 ، وقوله ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) التكوير/ 23 أنهما في إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه عز وجل في المعراج ! وأن هذا يتناقض ويتعارض مع قوله تعالى ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الأنعام/ 103 ، ومع قوله ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الشورى/ 51 ! .

والرد عليه من وجوه :

أ. رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه بعيني رأسه يقظة لم تثبت في الشرع لا في آية ولا في حديث ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك صراحة فلم يثبت الرؤية وأخبر أن حجاب الله تعالى النور يحول دون رؤيته عز وجل ، فعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ ” قَالَ ( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ) رواه مسلم ( 178 ) .

بل قال صلى الله عليه وسلم إن أحداً لن يرى ربَّه في الدنيا ، ففي صحيح مسلم – ( 7540 ) – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

ولهذا اتفق سلف الأمة ، وأئمتها ، على أن الله يُرى في الآخرة ، وأنه لا يَراه أحدٌ في الدنيا بعينه . ” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 230 ) .

نعم ، قد حصل خلاف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ذاته لرب العالمين في المعراج لكن لم يثبت ذلك بدليل صحيح صريح .

وقال ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله – :

لم يرد نصٌّ بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه ، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية ، وهو ما رواه مسلم في ” صحيحه ” عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ؟ فقال ( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ) ، وفي رواية ( رَأَيْتُ نُوراً ) ، وقد روى مسلم أيضا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ ، فَقَالَ ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ ، ( وَفِي رِوَايَةٍ : النَّارُ ) ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ) ، فيكون – والله أعلم – معنى قوله لأبي ذر ( رَأَيْتُ نُوراً ) : أنه رأى الحجاب ، ومعنى قوله ( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ) النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته ، فأنَّى أراه ؟ أي : فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته ؟ فهذا صريح في نفي الرؤية ، والله أعلم .

” شرح العقيدة الطحاوية ”  ( ص 163 ) .

وقد اشتد نكير عائشة رضي الله عنها على من ادعى أن محمَّداً صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه ليلة المعراج ، فعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها: يَا أُمَّتَاهْ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ  صلى الله عليه وسلم رَبَّهُ ؟ فَقَالَتْ : لَقَدْ قَفَّ شَعَرِى مِمَّا قُلْتَ ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلاَثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدً صلى الله عليه وسلم رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ . رواه البخاري ( 4574 ) ، ورواه مسلم ( 177 ) بنحوه .

ومن قال إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه تعالى فلا يريد الرؤية بعيني الرأس بل الرؤية بالفؤاد ، فقد روى مسلم – ( 258 ) – عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) قَالَ : ” رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ ” .

وليس ثمة إشكال في رؤية الفؤاد ، وأما رؤية العين فقد أجاب عنها النبي صلى الله عليه وسلم أنها لم تقع ، وأما الاستدلال بقوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) : فقد أجاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً بأنه جبريل .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وقد تبيَّن أن المرئي فيها جبريل ، فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس .

” التبيان في أقسام القرآن ” ( ص 158 ) .

وهذا هو التحقيق في المسألة ، فيكون من استدل بشيء من آيات القرآن الكريم على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه غير مصيب ، وليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي ، والحمد لله رب العالمين .

ب. ظنَّ تابعي جليل – وهو مسروق – أن قوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) النجم/ 13 – وقد استدل بها قبله ابن عباس كما سبق – ، وقوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) التكوير/ 23 هما في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه تعالى حتى أبانت له عائشة رضي الله خطأ كلامه وأنها هي بنفسها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الآيتين فقال لها ( إنما ذاك جبريل ) فعُلم خطأ من استدل بالآيتين على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه تعالى ، والعجيب أن عائشة رضي الله عنها قد ردَّت عليه بالآيتين اللتين ذكرهما ذاك النصراني ! .

عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : يَا أَبَا عَائِشَةَ ” ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ ” قُلْتُ : مَا هُنَّ ؟ قَالَتْ : ” مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ ” قَالَ : وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ ، فَقُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) ؟ فَقَالَتْ : ” أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ( إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ) ، فقَالَتْ : أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ؟ “. رواه مسلم ( 177 ) .

ج. وأما قوله تعالى ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم/ 18 : فليس فيها مجال للاستدلال على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه بل لو قيل العكس لكان هو الصواب ؛ إذ ليس ثمة أعظم من رؤية الله تعالى فكيف يُعدل عن ذكرها ليُذكر رؤية آيات كبرى ؟! وأي الأمرين أولى بالتنصيص عليه ؟! .

قال ابن خزيمة – رحمه الله – :

وليس هذا التأويل الذي تأوَّلوه لهذه الآية بالبيِّن ، وفيه نظر ؛ لأن الله إنما أخبر في هذه الآية أنه ( رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، ولم يُعلم الله في هذه الآية أنه رأى ربَّه جل وعلا ، وآيات ربِّنا ليس هو ربنا جل وعلا ، فتفهموا لا تغالطوا في تأويل هذه الآية . ” كتاب التوحيد ” ( ص 296 ) .

وقال ابن كثير – رحمه الله – :

وقوله ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) كقوله ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ) طه/ 23 أي : الدالة على قدرتنا وعظمتنا ، وبهاتين الآيتين استدل مَن ذهب مِن أهل السنَّة أن الرؤية تلك الليلة لم تقع ؛ لأنه قال ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، ولو كان رأى ربَّه لأخبر بذلك ، ولقال ذلك للناس . ” تفسير ابن كثير ” ( 7 / 454 ) .

د. وهل يسلم لعائشة رضي الله عنها استدلالها بالآيتين على عدم رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه ؟! هذا محل بحث ونظر ، والمهم في كلام عائشة رضي الله عنها نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المرئي مرتين هو جبريل عليه السلام وهذا كافٍ لنقض استدلال من استدل بالآيات على رؤيته لربه تعالى ، وكون استدلالها بالآيتين أنه لا يسلم لها له بحث آخر حيث لم يرتض ذلك منها طائفة من العلماء ، ومنهم الإمام ابن خزيمة كما ذكره في كتابه ” التوحيد ” ( 2 / 557 – 559 ) ، وإنما أردنا بذلك أن نبيِّن لذاك النصراني – ولغيره – أنه ليس ثمة تناقض ولا تعارض بين آيات القرآن ، فليس في الآيتين الأوليتين إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس في الآيتين الأخريتين نفي للرؤية ! فالآية الأولى فيها نفي الإدراك ، هو الإحاطة ، وليس هو نفي مطلق الرؤية ، والصحيح أنها في رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

( لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ ) لعظمته وجلاله وكماله ، أي : لا تحيط به الأبصار وإن كانت تراه  وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم ، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية ، بل يثبتها بالمفهوم ؛ فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية : دلَّ على أن الرؤية ثابتة ؛ فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال ” لا تراه الأبصار ” ونحو ذلك ، فعُلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة ، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم . ” تفسير السعدي ” ( ص 268 ) .

والآية الثانية هي في أنواع تبليغ الله تعالى لرسالاته ، وليس فيها نفي الرؤية ؛ إذ لا يلزم من التبليغ بالوحي الرؤية ، ولا يلزم العكس كذلك ، وقد كان ذلك مجرد استنباط من عائشة رضي الله عنها كحالها مع الآية التي قبلها .

ويكفينا في النفي ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنها ، والله الموفق .

سابعاً:

  1. ومن اعتراضات ذلك النصراني على القرآن ادعاؤه التناقض بين قوله تعالى ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ) مريم/ 71 ، والتي معناها – عنده – : ” أن جميع الخلق سيدخلون جهنم لبعض الوقت بما في ذلك المسلمون دون استثناء ” ! وقوله تعالى ( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) آل عمران/ 157 ، والتي تشير – عنده – ضمناً ” أن من قتل مجاهداً فإنه لا يجري عليه هذا الحكم ” ! .

والجواب على ذلك : أن يقال له : إن آية ” آل عمران ” لا تُعارض آية ” مريم ” ولا تعني – البتة – عدم تحقق ” الورود ” الوارد ذِكره في ” مريم ” لأنه حق اليقين ، وهو قطعي في الحصول من غير ريب ، ومما يدل على ذلك : ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ) . رواه البخاري ( 1193 ) ومسلم ( 2632 ) .

وقد فسَّر الإمام البخاري رحمه الله معنى ( تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ) بقوله في نهاية الحديث : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) .

قال النووي – رحمه الله – :

قال العلماء : ( تحلة القسم ) ما ينحل به القسم ، وهو اليمين ، وجاء مفسراً في الحديث أن المراد قوله تعالى ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) ، وبهذا قال أبو عبيد وجمهور العلماء ، والقسم مقدَّر ، أي : والله إنْ منكم إلا واردها ، وقيل : المراد قوله تعالى ( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ) مريم/ 68 . ” شرح مسلم ” ( 16 / 180 ) .

وإذا تبيَّن لنا أنه لا معارضة بين الآيات وأن ” ورود النار ” حق على كل الخلق حتى لو كانوا مسلمين ! فيبقى علينا معرفة ما معنى ” الورود ” المذكور في آية ” مريم ” ، فنقول : أقوى ما قيل في معنى الورود المذكور في آية ” مريم ” قولان :

الأول : أنه ورود بمعنى الدخول ، وأنه سيسلم المتقون من حرِّها ولهيبها ، ويُبقي رب العالمين فيها الظالمين من الكفار والمستحقين للعذاب من المسلمين فيها ، أما الكفار فعذاب إلى الأبد ، وأما المسلمون فعذاب إلى أمَد ، والدليل على ذلك ما جاء بعد تلك الآية من قوله تعالى ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) مريم/ 72 ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ، ويرجحه الشيخ الشنقيطي ، فلينظر كلامه – لمن أراد التوسع – في تفسيره ” أضواء البيان ” ( 3 / 478 – 481 ) .

الثاني : أنه ورود خاص بالموحدين من المسلمين سواء كانوا من أصحاب الطاعات أم من أصحاب المعاصي ، وهذا الورود ليس هو الدخول في النار بل هو المرور فوقها ، ويكون ذلك المرور على ” الصراط ” ، وهو جسر يُنصب على جهنم يمر عليه المسلمون فقط فمِن ناجٍ ومن مكردس في النار ، وأما الكفار فلا يمرون على الصراط لأنهم سيدخلون جهنم  مباشرة قبله داخرين ، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه ، ويرجحه كثير من المحققين .

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – :

واعلم أن الناس منقسمون إلى : مؤمن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ، ومشرك يعبد مع الله غيره ، فأما المشركون : فإنهم لا يمرون على الصراط إنما يقعون في النار قبل وضع الصراط . ” التخويف من النار ” ( ص 233 ) .

فالورود – على هذا القول الثاني – إن جاء في حق المسلمين – كما في آية ” مريم ” حيث قال تعالى ( وإنْ مِنْكُم ) – فهو بمعنى المرور فوق جهنم ، وأما الورود الوارد في حق الكفار فهو بمعنى الدخول فيها .

فالورود ورودان ، ورود مع دخول في الشيء ، وورود مع مقاربة ووصول وإشراف من غير دخول في الشيء ، وكلا المعنيين جاء في كتاب الله تعالى ، فأما الأول : فهو في حق أهل الوعيد من الكفار وأصحاب المعاصي ، وفي هذا يقول تعالى ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ . لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ) الأنبياء/ 98 ، 99 ، ويقول تعالى – أيضاً – ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) هود/ 98 .

قال ابن رجب – رحمه الله – :

فإن الإنسان إذا قُرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته . ” التخويف من النار ” ( ص 99 ) .

وقال القرطبي – رحمه الله – عن الشمس والقمر – :

وقد يُجمعان في نار جهنم ؛ لأنهما قد عبِدَا من دون الله ، ولا تكون النار عذاباً لهما ؛ لأنهما جماد ، وإنما يُفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم .

” تفسير للقرطبي ” ( 19 / 97 ) .

وأما الورود بالمعنى الثاني : فمنه قوله تعالى ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) القصص 23 ، ومنه قوله تعالى ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ) يوسف/ 19 .

وبما أن آية ” مريم ” هي في حق الجميع من المسلمين فسيكون الورود فيها على المعنى الثاني ، وأما المعنى الأول فليس هو في حق جميع المسلمين ، بل في حق من استحق منهم الدخول فيها ، ويشترك معهم في ذلك الكفار .

قال الشيخ عمر سليمان الأشقر – حفظه الله – :

ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بورود النار المذكور في قوله تعالى ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ) مريم/ 71 هو دخول النار ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ، وكان يستدل على ذلك بقول الله تعالى في فرعون ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) هود/ 98 ، وبقوله ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) مريم/ 86 ، وقوله ( لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ) الأنبياء/ 99 ، وروى مسلم الأعور عن مجاهد ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) قال : داخلها .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالورود هنا : المرور على الصراط ، يقول شارح الطحاوية : ” واختلف المفسرون في المراد بالورود في قوله تعالى ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) مريم/ 71 ما هو ؟ والأظهر والأقوى أنه : المرور على الصراط ، قال تعالى ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) مريم/ 72 .

وفي ” الصحيح ” أنه صلى الله عليه وسلم قال ( وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) قالت حفصة : فقلت : يا رسول الله أليس الله يقول ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) فقال ( أَلَمْ تَسْمَعِيهِ قال ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا .

وأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها ، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله ، بل تستلزم انعقاد سببه ، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه يقال : نجاه الله منهم ، ولهذا قال تعالى ( وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا ) هود/ 58 ، ( فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا ) هود/ 66 ، ( وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا ) هود/ 94 ، ولم يكن العذاب أصابهم ولكن أصاب غيرهم ، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك ، وكذلك حال الوارد على النار ، يمرون فوقها على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيّاً ، فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المذكور أن الورود هو الورود على الصراط “. انتهى .

والحق : أن الورود على النار ورودان : ورود الكفار أهل النار ، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك ، كما قال تعالى في شأن فرعون ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) هود/ 98 ، أي : بئس المدخل المدخول .

والورود الثاني : ورود الموحدين ، أي : مرورهم على الصراط على النحو المذكور في الأحاديث . ” القيامة الكبرى ” ( ص 267 ، 268 ) .

وسواء قيل بالقول الأول أم بالثاني – وهو الأقرب عندنا للصواب – فليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي ، والحمد لله رب العالمين .

ثامناً:

  1. ثم نقلتَ عن ذاك النصراني ظنه التعارض والتناقض في الآيات المخبرة عن طعام أهل النار ، وأنه قد جاء في ” الغاشية ” قوله تعالى ( لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) الغاشية/ 6 ،

وجاء في ” الحاقة ” قوله تعالى ( وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ) الحاقة/ 36 ، وأنه تعالى في موضع ثالث في أكل أهل النار من ” الزقُّوم ” يقول ( فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ) الصافات/ 66 ، وأنه يعتقد أن هذه الآيات متناقضة ! .

والجواب عليه : أن أهل النار أقوام شتى وكفرهم متفاوت وهم يمرُّ عليهم أزمان مديدة ، فقد يكون ليس لكل قوم أو أصحاب دركة من دركات النار طعام إلا أحد ما ذُكر من الغسلين أو الضريع أو الزقوم ، أو يقال : إنه يمرُّ عليهم جميعاً زمان محدد لا يأكلون فيه إلا الضريع ، وزمان آخر لا يأكلون فيه إلا الغسلين ، وزمان آخر ثالث لا يأكلون فيه إلا الزقوم ، وكل من يعرف أن أهل النار أصناف وهم في دركات مختلفة ويعلم أنهم لابثون في جهنم إلى الأبد لا يشق عليه أن يعرف جواب هذا الإشكال .

قال القرطبي – رحمه الله – :

( فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ) ، وقال هنا ( إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) وهو غير الغسلين ، ووجه الجمع : أن النار درَكات فمنهم من طعامه الزقوم ، ومنهم من طعامه الغسلين ، ومنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصديد . قال الكلبي : الضريع في درجة ليس فيها غيره ، والزقوم في درجة أخرى .

ويجوز أن تُحمل الآيتان على حالتين، كما قال: ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ). ” تفسير القرطبي ” ( 20 / 31 ) .

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :

قوله تعالى ( وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ) ظاهر هذا الحصر أنه لا طعام لأهل النار إلا الغسلين ، وهو ما يسيل من صديد أهل النار على أصح التفسيرات ؛ لأنه ” فِعلين ” من الغسل لأن الصديد كأنه غسالة قروح أهل النار ، أعاذنا الله والمسلمين منها .

وقد جاءت آية أخرى تدل على حصر طعامهم في غير الغسلين وهي قوله تعالى ( لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) ، وهو الشِّبرق اليابس على أصح التفسيرات ، ويدل لهذا قول أبي ذؤيب :

رَعَى الشِّبْرِقَ الرَّيَّانَ حَتَّى إِذَا ذَوَى … وَصَارَ ضَرِيعًا بَانَ عَنْهُ النَّحَائِصُ

 وللعلماء عن هذا أجوبة كثيرة أحسنها عندي اثنان منها :

الأول : أن العذاب ألوان ، والمعذبون طبقات ، فمنهم من لا طعام له إلا من غسلين ، ومنهم من لا طعام له إلا من ضريع ، ومنهم من لا طعام له إلا الزقوم ، ويدل لهذا قوله تعالى ( لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) الحِجر/ 44 .

الثاني : أن المعنى في جميع الآيات أنهم لا طعام لهم أصلاً لأن الضريع لا يصدق عليه اسم الطعام ولا تأكله البهائم فأحرى الآدميون ، وكذلك الغسلين ليس من الطعام ، فمَن طعامه الضريع لا طعام له ، ومَن طعامه الغسلين كذلك ، ومنه قولهم ” فلان لا ظل له إلا الشمس ” ، و ” لا دابة إلا دابة ثوبان ” يعنون القمل ، ومرادهم : لا ظل له أصلا ، ولا دابة له أصلا ، وعليه فلا إشكال ، والعلم عند الله تعالى .

” دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ” ( ص 243 ، 244 ) .

وأخيراً نوصي الأخ المسلم السائل بهذا الكتاب الذي أحلنا عليه أخيراً ؛ ففيه ردود شافية وافية على كل ما يُظن أنه تعارض أو تناقض بين آيات القرآن ، وحبذا أن يقدِّم نسخة منه هدية لذاك النصراني ، ونوصيك – أيضاً – بعدم الدخول في معترك النقاش والجدال مع أهل الباطل ؛ لأن الأمر يحتاج منك لمزيد علم بالشرع ، وتدرب على قوة في المحاججة ، ونرى أنك أحسنت بعرض شبه ذلك الرجل على موقعنا ، ونحن نرجو أن يستفيد مما ذكرناه له وعسى أن يعلم أن كتاب الله تعالى محفوظ في حروفه وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه لو كان من عند غير الله لوجدنا نحن فيه اختلافا كثيراً ، وعسى الله أن يهديه للإسلام كما هدى مَن قبله ممن أراد الطعن في القرآن وعندما نظر في آياته أبهرته كلماتها ومعانيها ولم يجد له عذراً في عدم إعلان إسلامه فنطق بالشهادتين فربح دنياه وآخرته .

 

والله أعلم.

الشفاء من المرض (2)

بشرى للمحبين :
بعد ثلاث سنوات من المعاناة مع المرض تخللها :
= خمس عمليات جراحية
= شق في أسفل العنق للتنفس استمر لمدة شهرين
= إزالة إحدى اللوزتين
= ست جرعات كيماوي
أكرمني الله تعالى بانتهاء تلك المعاناة وحصول الشفاء التام من سرطان الغدد اللمفاوية، وله الحمد والشكر على ما أنعم به علي من كريم فضله.
وهذه وصيتي لكل مبتلى بمرض :
اعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
واعلم أن الله تعالى لا يقدر تقديرا إلا بحكمة فلا يغيب ذلك عنك.
واعلم أن المؤمن يصبر عند الضراء ويحتسب لما يعلمه من ربه تعالى من جليل أسمائه تعالى وعظيم صفاته.
واعلم أن الدعاء عبادة وأن العبد لا غنى له عن ربه عز وجل فيدعوه ويتحرى أوقات وأحوال الإجابة.
وأختم بشكر أهلي وأهل بيتي وأصدقائي الذين دعوا لي بخير وتواصلوا معي للسؤال والاستفسار عن أحوالي، كما أشكر طاقم الأطباء والتمريض في مستشفى الملك عبد الله في إربد والذين لم يقصروا في العناية والرعاية، وأخص بالذكر الدكتور قصي المقبل لما له من دور كبير في حثي على العلاج ومتابعته لحالتي ودلالته لي على نخبة الأطباء.
وأسأل الله أن يمتعني وإياكم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحيانا وأن يجعله الوارث منا.
وفقكم الله وسددكم.

الشفاء من المرض

تاريخ الحالة المرضية وما انتهى أمرها عليه :
الحمد لله
فهذا من باب الإخبار لا الشكوى، وأذكره بعد كتم الحالة لفترة طويلة، ولما استقرت الأمور ودخلنا بالعلاج فاحتجت أن أذكر هذا للمحبين والأصدقاء الذين يسألون وقد تكون وصلت لهم أخبار منقوصة.
وأشكر كل من كان له يد في الفترة السابقة، وقد ذكرت بعضهم في المقطع، وأذكر الآن أبو عبد المعاني والأخ ماجد نزال وطاقم التمريض في مستشفى الملك عبد الله المؤسس، وغيرهم ممن دعونا لهم بظهر الغيب على ما قدموه من دعم معنوي بالسؤال والمتابعة.
وهذا المقطع سجلته اليوم الجمعة وأسأل الله أن يكون كافيا لبيان الحالة والحال، ليقدر ظرفي من امتنعت عن حضور مناسبة له أو لقاء أو كان طلب زيارة وأجلتها.
والله الموفق

#إعفاء_المستأجرين

#إعفاء_المستأجرين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فانطلاقا من قوله تعالى {وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّوَٱلتَّقۡوَىٰ}، وانطلاقا من قول النبي صلى الله عليه وسلم “من يسَّرَ على مُعسرٍ يسَّرَ اللَّهُ عليْهِ في الدُّنيا والآخرةِ”، وبناء على ظروف البلد الحالية من توقف الأعمال وانعدام الدخل لطبقة كثيرة من الناس : فيشرفني أن أكون أول من أفتتح هذه الحملة الشعبية لإعفاء المستأجرين من دفع الإيجار (لشهر كامل أو نصف شهر) بإسقاط نصف أجرة شهر عن إخواني المستأجرين في عمارة إربد/ بيت راس/قرب الأشغال، وذلك بصفتي وكيلا عن مالكي العمارة بعد أخذ الإذن منهم.
وإنما أعلن هذا لأنه واجب يحتمه الظرف الحالي ولأكون مفتتحا هذه الحملة – عمليا لا تنظيرا – والتي أرجو أن يكتب الله لها النجاح.
والله يتقبل منا ومنكم.
تنبيه للجميع :
لا أريد مدحا ولا ثناء، فهذا واجب، وأريد نشر المنشور على أوسع نطاق، والإشارة هنا لأصحاب العقارات ليساهموا معنا.
ومن يعلم مستجيبا لهذه الحملة فليذكره هنا لندعو له.

الله أكبر الشيخ ابن جبرين يقول يقول بعض مشايخنا كالشيخ ابن عثيمين !!

الشيخابنجبرينيقول: يقول بعضمشايخناكالشيخابنعثيمين !!

اللهأكبر

ما أروع هذا

وأشده أثراً في النفس

سفر إلى المدينة

انتهت زيارتي للمدينة النبوية بتوفيق الله وفضله
بدأت بتأخري عن الرحلة – كالعادة 🙂 – وترتب عليه تأجيل العشاء والسهرة مع الشباب .
وفي اليوم التالي تعشينا في بيت ابني طارق – وفقه الله – ثم أعقبها جلسة علمية بحضور طلبة علم من الأردن وفلسطين والسعودية وقطر بحضور بعض أهل العلم .
وفي اليوم التالي – الجمعة – ذهبت إلى معطن إبل ! لشرب حليبها برفقة عمر مجدي وخالد الجالولي وعبد الله عبد الجواد وأخ فاضل من قطر .
ثم تغدينا بعد الظهر عند الأخ الفاضل ” مجاهد ” وقد أكرمنا غاية الإكرام بحسن الاستقبال وطيب الطعام .
وجلسنا بين المغرب والعشاء في المسجد النبوي في ضيافة الأخ خالد الجالولي – شاي وقهوة وحليب وبسكويت – برفقة طلبة علم من الجامعة الإسلامية منهم عمر مجدي وأكرم قباعة .
ثم كانت خاتمة اللقاءات في ضيافة الدكتور الفاضل ” محمد بجاد زياد الروقي ” فأكرمنا غاية الإكرام ويسَّر لنا السفر بالطائرة فجزاه الله خير الجزاء ، وقد التقينا في بيت والده حفظه الله وهو من تلامذة الشيخ ابن باز رحمه الله ، وهو يحتفظ بذاكرة طيبة سرد منها النصوص النبوية بإتقان ، أسأل الله له التوفيق .
وأنا الآن في مكة ليومين ، ثم أغادر فجر الاثنين إن يسر الله .
وفقكم الله

رجعت من العمرة والحمد لله على فضله وإنعامه:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول فأشكر الله تعالى أن يسَّر لي أمر زيارة بيته الحرام وأداء العمرة ، وهذه نعمة عظيمة لا يشعر بها إلا من افتقدها ممن عجز ببدنه أو ماله ، وقد يسرها لنا ربنا تعالى وأنعم علينا بالصحة والعافية وقلة تكاليف السفر . وقد التقيت في سفري ذاك ببعض أهل العلم ومنهم الشيخ محمد صالح المنجد والشيخ محمد السعيدي حفظهما الله ، وقد التقيت في بيت الشيخ السعيدي بالشيخ أحمد حطيبة من علماء الإسكندرية ، وكانت ليلة مليئة بالفوائد العلمية ، وممن التقيت بهم من إخواننا الأعزاء الفضلاء الشيخ الدكتور سعود السلمي والأخ محمد الغريبي حفظهما ربي ورعاهما ، ومن الإخوة كذلك الأخ الشيخ فيصل السعيد – من الكويت – ، والإخوة حسن ونصار وأحمد السلمي – كلهم سلميون 🙂 – والشيخ الدكتور كامل الجمل – من جرش – ، وطائفة أخرى ، والتقيت بالأخ إبراهيم بخاري وأمين الحازمي وطائفة من أصحابهما وأصدقائهما . والزيارة كانت قصيرة للقاء غير أولئك المشايخ والشباب والإخوة لكن أرجو أن يكون فيها بركة ، وفيها تفاصيل قد لا تهم الإخوة الأصدقاء هنا 🙂 لكنني أدعو وبشدة الإخوة الأكارم باستثمار أي مناسبة للذهاب لتلك الديار المباركة ويوجد الآن عروض مغرية جدا – حوالي 120 دينار ذهابا وإيابا بالطائرة ! – فلتستثمر ولو لبضع أيام فاليوم الواحد فيه خمس صلوات أي 500 ألف صلاة وإذا علمنا أن الصلاة تضاعف بعشرة أصلا غير مضاعفتها كحسنة علمنا أن ما يبذل في سبيل الصلاة الواحدة هنالك قليل في مقابل ما يحصله المسلم من أجور ، ولا بأس بعد ذلك بشراء البطانيات 🙂 فإنها شرط صحة عند بعضهم وشرط كمال عند آخرين 🙂 والله يحفظكم ويرعاكم.