الرئيسية بلوق الصفحة 92

كيف يجمع بين قوة إسرائيل وقرب قيام الساعة؟

كيف يجمع بين قوة إسرائيل وقرب قيام الساعة؟

السؤال:

قال النبي صلى الله عليه وسلم أن العلامات (أشراط الساعة) سوف تقع بسرعة، وأنه عليه السلام هو أول تلك العلامات … لكن ما الذي يحدث الآن؟  كيف يمكن أن تكون إسرائيل قوية إلى هذا الحد في الأرض؟

 

الجواب:

الحمد لله

أشراط الساعة ليست كلها على درجة واحدة، بل منها الصغرى ومنها الكبرى، والكبرى هي التي إذا ظهرت الأولى منها تعاقبت الذي بعدها، أما الصغرى فإن ما بين ظهور أولها وآخرها زمان كبير، وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هي من علامات الساعة الصغرى لا الكبرى.

عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” بعثت أنا والساعة كهاتين “، قال: وضم السبابة والوسطى. رواه البخاري ( 6139 ) ومسلم ( 2951 ).

* قال القرطبي:

أول أشراط الساعة: النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نبي آخر الزمان، وقد بُعث وليس بينه وبين القيامة نبي. ” التذكرة ” ( ص 111 ).

وأما قوة إسرائيل فهو أمر حصل لهم بقدر الله تعالى.

قال تعالى: { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس } [ آل عمران / 112 ].

وإمداد الله لهم وإمهالهم ليأخذهم بقوة وشدة.

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، قال: ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}. رواه البخاري ( 4409 ) ومسلم ( 2583 ).

وفي زمان المهدي وعيسى عليه السلام يتم انتصار المسلمين على اليهود.

فقد ثبت أنه بينما إمام المسلمين ” المهدي ” قد تقدم ليصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح، فرجع الإمام يمشي القَهقَرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف، قال عيسى: افتحوا الباب فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا فيدركه عند باب لُدّ الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله عز وجل يتواقى به يهودي، إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة، إلا شجر الغرقد فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قال: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي فتعال اقتله.

فإذا أراد المسلمون القضاء على اليهود وعموم الكفرة فلا بدَّ لهم من الرجوع إلى الله تعالى ونصرة دينه حتى ينصرهم الله عز وجل، فاليهود أذل وأرذل مما يُتصور لكنه استقووا في غياب المسلمين وخذلان حكامهم لهم وللإسلام.

 

والله أعلم.

 

 

يخاف على نفسه ودينه الفتنة فهل يترك بلاده إلى غيرها حفاظا عليهما؟

يخاف على نفسه ودينه الفتنة فهل يترك بلاده إلى غيرها حفاظا عليهما؟

السؤال:

أحبتي في الله

والله إن فلسطين هي أحب إليَّ من كل شيء حتى إنني سجنت عند اليهود ثلاث سنوات ونصف من أجلها، ولكن – أخي الكريم – إن الحملات الأجنبية واليهودية ضد الشاب الفلسطيني قد بلغت أوجها، من تشويه للمقاومة وسمعتها، وبث الأفلام الساقطة لإسقاط الشاب الذي يرون فيه الخير، وكثرة الاعتقال الظالم من قبل اليهود والسلطة الفلسطينية بالضفة، والتضييق في الرزق، والتعرض للتحقيق من فترة إلى أخرى، والله – يا أخي – صرت أخاف أن أتكلم مع أصحابي الصالحين لأن ذلك يعرض للسجن الأكيد، وأنا أقصد شباب المسجد الذين يدلونني على الخير، ونتج عن ذلك أني في ظل هذه الفتنة أخاف على ديني – كثيرا – من الضياع، وأخاف أن أموت وأنا مفتون في ديني، ففكرت بالسفر إلى دولة أحفظ بها ديني، والمشكلة الكبيرة لدي هي أنني كثيرا ما أطلب الزواج، فعمري الآن ( 23,5 عاما )، ولكن التضييق الذي نعاني منه في الرزق لا يمكِّنني من الزواج، فمقابل عدم التضييق يريدونك أن تكون خائناً لدينك وأهلك، وهذا من المستحيلات السبع، فهل يحل لي السفر من فلسطين – وهي أرض الرباط – إذا كنت أخاف على ديني من الفتنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

مَن كان يقيم في بلد لا يستطيع إظهار شعائر دينه أو يخشى على نفسه من الفتنة في دينه ويتيسر له الذهاب إلى بلد آخر يستطيع إظهار شعائر دينه ويأمن فيه من الفتنة: فيجب عليه الانتقال إليه ولا يحل له البقاء في بلده الذي يقيم فيه؛ قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا . وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )  النساء/ 97 – 100.

 

 

قال القرطبي – رحمه الله -:

وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي، وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها، وتلا ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ). ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 346 ، 347 ).

والهجرة من البلاد التي يخاف المسلم فيها على دينه لا تزال مستمرة، وستبقى إلى قيام الساعة.

عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ( لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ). رواه أبو داود (2479 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

وقال الطِّيبي: لم يُرد بها الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها انقطعت، ولا الهجرة من الذنوب والخطايا كما ورد ( المهاجر من هجر الذنوب والخطايا )؛ لأنها عين التوبة، فليزم التكرار، فيجب أن يُحمل على الهجرة من مقام لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله، فتدبر.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 8 / 48 ).

وينطبق عليك – أخي السائل – فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية فِي ” ماردين ” – وهي بلدة إسلامية تقع فِي جنوب شرق ” تركيا ” كانت تُحكم بالإسلام ثم حكمهم التتار بغير الإسلام – حيث سئل – رحمه الله – فِي بلدة ” ماردين ” هل يجب على المسلم المقيم بِها الهجرة إلَى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولَمْ يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم فِي ذلك؟.

فأجاب:

الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم مُحرمة حيث كانوا فِي ” ماردين ” أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام مُحرمة، سواء كانوا أهل ” ماردين أو غيرهم “، والمقيم بِها إن كان عاجزاً عن إقامة دينه : وجبت الهجرة عليه، وإلا استحبت ولَمْ تَجب … . ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 240 ) مختصرا.

وقد ثبت في السيرة النبوية الشريفة أمْر النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة من أصحابه بالهجرة إلى ” الحبشة “، كما هاجرت طائفة أخرى من أصحابه إلى المدينة النبوية تاركين خير بقاع الأرض وهي مكة المكرمة لما اشتدَّ عليهم المشركون بالعذاب وخافوا على دينهم، ولا فرق في الشرع المطهر بين بلد وأخرى من حيث المنع من البقاء فيه لمن خاف على دينه أو نفسه من الفتنة إذا كان يتيسر له الذهاب إلى بلد آخر أفضل منه لدينه، ومن لا يتيسر له مغادرة بلده أو لا يتيسر له بلد آخر أفضل منه : فليتق الله ربَّه، وليجاهد نفسه وهواه، وليحرص على الصحبة الصالحة التي تعينه على التمسك بدينه والإعانة على طاعة ربه.

وفي كثير من الأحيان قد يتعين على المسلم البقاء لحماية عرضه وأهله وعدم تركهم لقمة سائغة لشياطين الجن والإنس، وخاصة إذا أمكنه مقاومة الفتنة والشهوة بمزيد من الطاعة ومزيد من المشقة في حفظ النفس من الشهوة المحرمة بالزواج الحلال.

فعليك – أخي السائل- أن تعيد حساباتك مع نفسك، وأن تشاور العقلاء من أهل بيتك، وزن الأمور بالقسطاس المستقيم، ولا تغلِّب جانب هوى النفس وحب الذات على الحق والصواب والعدل من القرار الذي ستتخذه، ورأس مالك هو دينك فإن كان لا يمكنك المحافظة عليه إلا بالانتقال إلى بلد يكون فيه ذلك : فافعله، وإن أمكنك المحافظة عليه وأنت في بلدك وبين أهلك : فلا تفرط في ذلك، والله يسددك ويرعاك.

ونسأل الله تعالى أن يحفظ عليك دينك، وأن يفرِّج عن إخواننا في فلسطين، وأن يُخرج منها المغتصبين خائبين ذليلين عاجلاً غير آجل.

 

والله أعلم.

 

هل يؤذّنون للصلاة في مصلّى الجامعة؟

هل يؤذّنون للصلاة في مصلّى الجامعة؟

السؤال:

هل الأذان واجب؟ نحن طلبة كلية ونصلي في مصلى فهل يجب أن نؤذن قبل الصلاة ونحن نسمع الأذان من مساجد أخرى؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأذان لغةً: الإعلام، قال الله تعالى: { وأذن في الناس بالحج } [ الحج  / 27 ]، أي: أعلمهم به.

وشرعًا: التعبد لله بالإعلام بوقت الصلاة المفروضة، بألفاظ معلومة مأثورة، على صفة مخصوصة.

 

ثانيًا:

اتفق الفقهاء على أن الأذان من خصائص الإسلام وشعائره الظاهرة، وأنه لو اتفق أهل بلد على تركه قوتلوا.

ولكنهم اختلفوا في حكمه، فقيل: إنه فرض كفاية:

وهو الصحيح عند كل من الحنابلة في الحضر والمالكية على أهل المصر، واستظهره بعض  المالكية في مساجد الجماعات، وهو رأي للشافعية ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول لبعض الحنفية.

ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المتأخرين: الشوكاني، ومن المعاصرين: الشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني وغيرهما.

وقيل: إنه سنة مؤكدة:

وهو الراجح عند الحنفية، والأصح عند الشافعية  وبه قال بعض المالكية للجماعة التي تنتظر آخرين ليشاركوهم في الصلاة، وفي السفر على الصحيح عند الحنابلة، ومطلقا في رواية عن الإمام أحمد، وهي التي مشى عليها الخرقي.

والصواب من القولين: القول بفرضيته على الكفاية، وأنه لا فرق بين السفر والحضر، ولا فرق بين أهل البادية والحضر، ولا فرق بين الأذان في البيت أو في المسجد.

قال الشيخ ابن عثيمين:

والدليل على فرضيتهما – أي: الأذان والإقامة -: أمْر النبي صلى الله عليه وسلم بهما في عدة أحاديث، وملازمته لهما في الحضر والسفر، ولأنه لا يتم العلم بالوقت إلا بهما غالبًا، ولتعين المصلحة بهما؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة. ” الشرح الممتع ” ( 2 / 38 ).

 

وعلى ذلك دلَّت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها:

  1. الأذان في الحضر.

عن مالك بن الحويرث قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا فسألنا عمن تركناه من أهلنا فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا عندهم وعلموهم ومروهم إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم. رواه البخاري ( 602 ) ومسلم ( 674 ). وفي رواية للبخاري ( 604 ): ” إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما “.

قال النووي:

فيه: أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافرين، وفيه: الحث على المحافظة على الأذان في الحضر والسفر. ” شرح مسلم ” ( 5 / 175 ).

وظاهر هذه الرواية أن الأذان بعد أن يصلوا إلى أهليهم، ويدل عليه قوله: ” فأقيموا عندهم وعلموهم .. “، وفي الرواية الأخرى ” إذا أنتما حرجتما ” ولا تعارض بينهما، فإن الأمر بالأذان لهما بعد الخروج من المدينة في طريق السفر، وبعد الوصول إلى أهليهم.

قال الحافظ ابن حجر:

قوله: ” فإذا حضرت الصلاة “: وجه مطابقته للترجمة مع أن ظاهره يخالفها لقوله: ” فكونوا فيهم وعلموهم فإذا حضرت “: فظاهره أن ذلك بعد وصولهم إلى أهلهم وتعليمهم، لكن المصنف أشار إلى الرواية الآتية في الباب الذي بعد هذا فإن فيها ” إذ أنتما خرجتما فأذنا ” ولا تعارض بينهما. ” فتح الباري ” ( 2 / 110 ، 111 ).

  1. الأذان في السفر.

عن مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما “. رواه البخاري ( 604 ) ومسلم ( 674 ).

وفي رواية: عن مالك بن الحويرث قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي فقال: ” إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما وليؤمكما أكبركما “. رواه الترمذي ( 205 ) والنسائي (634). والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1 / 230 ).

وعن نافع قال: أذَّن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ثم قال: صلوا في رحالكم فأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنًا يؤذن ثم يقول على إثره ” ألا صلوا في الرحال ” في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر. رواه البخاري ( 606 ) ومسلم ( 679 ).

– والحديث: بوب عليه البخاري: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة كذلك.

  1. الأذان في البيوت.

عن أم ورقة بنت عبد الله بن نوفل الأنصارية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت: قلت له: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم لعل الله أن يرزقني شهادة، قال: قري في بيتك فإن الله تعالى يرزقك الشهادة قال فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في دارها مؤذنا فأذن لها قال وكانت قد دبرت غلاما لها وجارية فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت وذهبا فأصبح عمر فقام في الناس فقال من كان عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما فأمر بهما فصلبا فكانا أول مصلوب بالمدينة.

وفي رواية:

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا. رواه أبو داود ( 591 ).

  1. الأذان في البادية.

عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. رواه البخاري ( 584 ).

* قال الشوكاني بعد أن ذكر بعض أدلة الوجوب -:

والحاصل أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة أن يتردد متردد في وجوبها فإنها أشهر من نار على علم وأدلتها هي الشمس المنيرة، … ثم هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعة، بل لكل مصل عليه أن يؤذن ويقيم، لكن من كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته.

ثم الظاهر أن النساء كالرجال لأنهن شقائق الرجال والأمر لهم أمر لهن ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن فإن الوارد في ذلك في أسانيده متروكون لا يحل الاحتجاج بهم فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال. ” السيل الجرَّار ” ( 1 / 196 ، 197 ).

 

ثالثًا:

وعليه: فنرى أنه يجب عليكم في مصلاكم الذي تقيمون فيه الصلاة أن تجعلوا فيه أذانًا، وكونكم تسمعون الأذان من مساجد أخرى ليس بعذرٍ لكم في عدم الأذان، فإما أن تجيبوا نداء تلكم المساجد أو تؤذنوا لأنفسكم ولغيركم في مصلاكم ولكم حكم المساجد ولا فرق.

 

 

والله أعلم.

هل صحَّ الحديث القدسي ( من أجابني حين أدعوه أجيبه حين يدعوني )؟

هل صحَّ الحديث القدسي ( من أجابني حين أدعوه أجيبه حين يدعوني )؟

السؤال:

ما مدى صحة هذا الحديث القدسي ( من أجابني حين أدعوه أجيبه حين يدعوني )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

بعد البحث في كتب السنَّة مما وقعت عليه أيدينا واستطعنا الوصول إليه لم نجد هذا الحديث لا بإسناد صحيح ولا بإسناد ضعيف، بل ولا بإسناد مركب، فالحديث لا أصل له البتة.

وقد جاء في كتاب الله تعالى ربط إجابة الله تعالى لدعاء عباده بالاستجابة له تعالى بالإيمان به وفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهو ما يكاد يطابق معنى الحديث الوارد في السؤال، وفي ذلك يقول تعالى ( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة/ 186، وفي هذه الآية لفتة غاية في النفاسة وهي أن الله تعالى قدَّم جواب الشرط على فعله، فقدَّم إجابة الدعاء على دعاء عباده، فإجابة الله تعالى لعباده السائلين مضمونة مطلقا، وإجابة الله تعالى لدعاء لعباده لها صور ثلاثة: إما أن يعجل الله مطلوب السائل، أو يدفع عنه من الشر بقدر دعائه، أو يدخر له قدره ثوابا يوم القيامة، لكن على العباد تحقيق أسباب إجابة الدعاء والتخلص من موانع إجابته.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

فمن دعا ربه بقلب حاضر ودعاء مشروع ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء كأكل الحرام ونحوه: فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية والإيمان به الموجب للاستجابة، فلهذا قال ( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة، ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره سبب لحصول العلم كما قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ).

” تفسير السعدي ” ( ص 87 ).

 

والله أعلم.

 

نصائح وتوجيهات لمن لا يطيق الاختلاط بالناس ويفضِّل المكوث في البيت وحده

نصائح وتوجيهات لمن لا يطيق الاختلاط بالناس ويفضِّل المكوث في البيت وحده

السؤال:

لا أطيق الاختلاط بالناس، وأفضِّل الوحدة، وأشعر بحالة نفسيَّة سيئة عندما أختلط بالآخرين، الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بالصلاة في المسجد، ماذا أفعل؟ أفضل عدم الصلاة على الصلاة في المسجد.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس الأمر الذي أنت فيه أخي السائل متعلقًّا بالصلاة في المسجد فحسب، بل يتعلق بواجبات محتمات عليك، توجب عليك الخروج من البيت، كصلة الرحم، والتكسب من أجل لقمة العيش، وطلب العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، وغير ذلك.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فحقيقة الأمر: أن الخلطة تارة تكون واجبة، أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأمورًا بالمخالطة تارة، وبالانفراد تارة، وجماع ذلك: أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى: فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان: فهي منهي عنها، فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحو ذلك: هو مما أمر الله تعالى به، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الاختلاط بهم في الحج، وفي غزو الكفار، والخوارج المارقين، وإن كان أئمَّة ذلك فجارًا، وإن كان في تلك الجماعات فجَّارٌ.

وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانا: إما لانتفاعه به، وإما لنفعه له، ونحو ذلك. ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 425 ).

 

وبه تعلَم أن ما أنت عليه من حال فهو غير مرضي عنه عند رب العالَمين، ووجب عليك إعادة النظر بحالك، وأنك ما أنت فيه إنما هو تلبيس من الشيطان، يحسِّن لك حالك، ويزين سوء عملك، فاحذره، وانتبه لمكائده، وأعدَّ العدَّة لمحاربته، وثق بربك في الانتصار عليه.

 

ثانيًا:

وإذا كنتَ تشعر بنفسية سيئة في اختلاطك بالناس: فإننا لنجزم أن نفسيتك أشد سوءً في وحدتك، وعزلتك، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وإنما يتسلط الشيطان على أصحاب الوحدة الذين لا يجدون أعوانًا يعينونهم على طاعة ربهم، ولا أنصارًا ينصرونهم على الشيطان وجنوده، وحتى لو كنتَ تجد في مخالطتك للناس أذى: فإن تلك المخالطة إن كان معها صبرٌ: فإنها خير من عدمها، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من يختلط بالناس ويصبر على أذاهم.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ). رواه الترمذي ( 5207 ) وابن ماجه ( 4032 ).

 

ثم إن العزلة التي أنت فيها ليس عندك من أسبابها شيء، ولا لديك – فيما يظهر لنا – من مقوماتها ما نشجعك به عليها، فمن أسباب العزلة: فساد الناس بالكلية، وعدم وجود أنصار على الحق، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وعدم نفع النصح في الناس، وكل هذا غير موجود – بفضل الله – في المجتمعات المسلمة، بل الكافرة، فها نحن نسمع عن آلاف يدخلون دين الله من الكفار كل حين، ونسمع عن مثلهم من العصاة السالكين درب الهداية، بل إننا لنجد الناس عطشى لمن يروي ظمأهم، وجوعى لمن يطعمهم، من الخير والهداية.

 

وأما مقومات العزلة التي نجدها مفقودة عندك: فهي العلم الشرعي، فها أنت تقدِّم العزلة على الخلطة الواجبة، وها أنت تفرط في واجبات شرعية بسبب عزلتك تلك، فأين العلم الشرعي الذي تحمله حتى نقول لك اعتزل الناس وتفرغ لطاعة ربك، والحفاظ على دينك؟! ومن هنا قال قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: ” فالعزلة إنما تنفع العلماء، العقلاء، وهي من أضر شيء على الجهَّال، وقد روِّينا عن إبراهيم أنه قال لمغيرة: ” تفقَّه ثم اعتزل “.

– انظر كتاب ” العزلة ” للخطابي ( ص 225 ).

 

ثالثًا:

وبما أنك راسلتنا – ونحن نشكرك على هذا – فهذا يعني أنك في الطريق الصحيح، وأن هذا بداية خروجك من الوحدة القاتلة، وأنت قد دخلت في عالم ” الإنترنت ” وهو أوسع بملايين المرات من عالَمك الصغير الذي هجرتَه، وفي هذا العالَم الفسيح من الشر والسوء أضعاف أضعاف ما في عالَمك المهجور، فكن على حذرٍ منه، فكم تسبب في فتنة صالح، وكم تسبب في السوء لامرأة فاضلة عفيفة.

 

 

 

 

* فاحرص على القيام بما أوجب الله عليك من الطاعات، وعلى رأس ذلك:

صلاة الجماعة في المسجد، وتجد في جواب السؤال رقم ( 120 ) الأدلة على ذلك الوجوب، كما عليك أن تقوم بالكسب المباح المشرع لتحفظ كرامتك من سؤال الناس، وتنجو من منَّتهم، وتقوم ببر والديك والعناية بهما، وإعانتهما بشراء ما يحتاجانه، أو توصيلهما لمكان يرغبان الذهاب إليه، وتقوم بصلة أرحامك.

 

واعلم أنه لن تخلو الدنيا من كدَر، وهمٍّ، وغمٍّ، وإذا أردت مكاناً ليس فيه شيء من هذا، مع سعادة تامة، وهناء بالغ، ورغد عيش، ورضوان من الله : فذلك تجده في جنة الله في الدار الآخرة، فاعمل لذلك اليوم، وتخلص مما يكدرك في الدنيا بالتخفيف منه، وسؤال الله الإعانة عليه، واعلم أن الوحدة ليست إلا خلوة بالشيطان، وليس يستكثر الإنسان فيها إلا الهموم والغموم، ألا ترى أن عقوبة الحبس هي أليمة على الحر؟! وآلم منها ” الحبس الإنفرادي ” فكيف ترضى لنفسك ما يبذل المساجين من أجل الفكاك منه الغالي والنفيس؟!.

 

ونسأل الله تعالى أن يهدي قلبك للحق، وأن يأخذ بيدك لسلوك طريق الصالحين من عباده، والذين لولا أن قيضهم الله تعالى للاختلاط بالناس وإقامة الطاعات لما عرفنا نحن وأنت الإسلام، ولا تشرفنا بالانتماء إليه، فكن جنديًّا من جنود الإسلام، وارفع سلاحك في وجه شيطانك، وعوِّض ما فاتك من أيام بالعمل الدؤوب، والطاعة المتينة.

 

 

والله الموفق.

 

من هو الذي يحق له التكلّم في الدين؟

من هو الذي يحق له التكلّم في الدين؟

السؤال:

نسمع بوجود أشخاص عندهم نشاط في تعليم أمور الإسلام، لكنهم لا يملكون مؤهلات حقيقية في العلم الإسلامي.  وهم, مع هذا, يدرسون من باب الحماس و( here-say- لا أعرف معناها لكن ربما تعني أنهم يبتون في كل أمر بسرعة ودون ترو).  إنهم يقولون بآرائهم في الدين, فهم يقولون: علينا أن نفعل كذا وكذا وهم لا يقدمون أدلة كاملة وواضحة تساند أقوالهم.  ونتيجة لجهل العامة, فإنهم يقبلون منهم.  فأين نضع الخط الفاصل لنتمكن من معرفة من يحق له تقديم رأيه في الدين ممن لا يحق له ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا بد أن يعلم المسلم أن شأن الفتيا عظيم، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون }. [ النحل / 116 ].

 

ثانيًا:

من المقرر عقلا وبديهة عند الناس أنه لو تكلم إنسان في غير فنِّه لعابه الناس ووقعوا به، فلو تكلم إنسان في الطب مثلا وهي ليست مهنته لأسكته الناس بل لوجدته حريصا أن لا يتكلم، وكذلك لو استشرت إنسانًا مثلا في البناء والتعمير لقال لك: اسأل أصحاب الاختصاص فهذا ليس فني، وهكذا، وأما الفتيا فالجميع يتجرأ عليها ويتكلم بما شاء في الحلال والحرام إلا من رحم الله ممن ليسوا أهلًا لها.

 

ثالثًا:

أن السلف من الصحابة والتابعين كانوا أشد الناس حذرًا من الفتيا أو التكلم في الحلال والحرام، فهذا أبو بكر رضي الله عنه مع أنه أكثر الناس مصاحبة للنبي صلى الله عليه وسلم فهو من أقل الصحابة حديثًا، لماذا؟ حذرًا وخوفًا وورعًا، وكان رضي الله عنه إذا وقعت له مسألة جمع لها كبار الصحابة وأهل بدر، فأين هذا من صغار الشباب بل النساء العوام من التجرؤ على الفتيا والقول على الله بغير علم؟!.‍‍

 

رابعًا:

عظَّم الفقهاء في مصنفاتهم  من شأن الفتيا، ويحسن أن أنقل ما كتبه النووي في كتابه  ” المجموع ” في هذا الشأن، قال رحمه الله:

اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، وصاحبه وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرَّض للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى، وروِّينا عن ابن المنكدر قال: العالم بين الله تعالى وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم، وروِّينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة: فمنها:

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وفي رواية: ما منهم مَن يحدِّث بحديث إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى بشيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا.

– وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون.

– وعن الشعبي والحسن قالوا: إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.

– وعن عطاء بن السائب قال: أدركت أقوامًا يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد.

– وعن ابن عباس قال: إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله.

– وعن سفيان ابن عيينة قال: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا.

– وعن الهيثم بن جميل قال: أدركت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين مسألة منها: لا أدري.

– وعن مالك أيضا: أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب.

– وقال آخر: قلَّ مَن حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أموره.

” المجموع ” للنووي ( 1 / 41 ).

 

فالشاهد: أن أمر الفتيا ليس بالهين،  فأنصح هؤلاء الشباب أن يتقوا الله، وأن يتجنبوا أمر الفتيا والقول في الحلال والحرام.

 

 

والله أعلم.

ملتزمة وحافظة لكتاب الله وشيء من معاناتها مع أهلها غير الملتزمين

ملتزمة وحافظة لكتاب الله وشيء من معاناتها مع أهلها غير الملتزمين

السؤال:

أنا حافظة لكتاب الله، وطالبة من طالبات العلم الشرعي، وأهلي نقيض لما أنا فيه، سؤالي هو: أني أشعر بالأمانة، والمسؤولية؛ لأن كل تصرفاتي تؤخذ بعين الاعتبار بالنسبة لهم، إني لا أحب التزين كثيرًا، وأحاول أن تكون زينتي بسيطة قدر الإمكان، وهم العكس، ودائمًا ما يرون ذلك تشددًا، وغلظة، وأخشى أني قد أعطيتهم صورة سيئة عن قرآني الذي أحمل، ولا أعلم أيحق لي التزين والتجمل لأجذبهم ولأخبرهم بأنه لا نقيض بين الإسلام والجمال؟ هذا من جانب، ومن جانب آخر: كثيرًا ما ينقمون عليَّ قلة جلوسي معهم، وعدم رغبتي في الخروج دائمًا، وعدم مشاركتي لهم في الأندية الرياضية، مع العلم أني أجلس معهم وقتًا لا بأس به، ولكن سبحان الله وكأن الشيطان يؤزهم عليَّ ليفسدوا عليَّ, فما رأيكم؟ أيعقل أن أكون معهم متى ما أرادوني؛ لأكسبهم، وأدعوهم، أم أن الأولى هو استغلال وقتي فيما يعود عليَّ بالنفع الأكثر؟ العيش في بيئة مناقضة للشخص صعب جدًّا، ويتطلب ثباتًا، وصبرًا، فأجزلوا لنا النصح، جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– نسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يثبتك على الحق.

والمسلم المستقيم على أمر الله تعالى بين أهلٍ يخالفونه في توجهه، ومنهجه: لا شك أنه يعاني من ذلك، وهو يعيش متقلبا بين مواجع كثيرة، فهو يحزن لما يراه من بُعدهم عن الاستقامة على شرع الله، وهو يعاني من ضغطهم عليه لينصهر في بيئتهم، ويسلك طرقهم في حياتهم، وهو يحرص على سلوك طريقة في دعوتهم تجمع بين عدم التنازل عن شيء من دينه، وبين تحبيبهم في الاستقامة، وهذه الصعوبات والمواجع يعانيها الأخ المستقيم على أمر الله تعالى إن كان رجلًا، أما إن كانت أنثى فلعل الأمر أن يكون أصعب، لذا نوصيك بالثبات على الطاعة, وكثرة الدعاء لك، ولأهلك، وليكن فيما تجدينه في كتاب الله الذي تحفظينه من قصص الأنبياء والمرسلين في قومهم، والدعاة والمصلحين مع الناس: أسوة، وسلوة، أسوة تقتدين بهم في صبرهم، وجلدهم، وثباتهم على الحق، وسلوة لأحزانك فيما ترينه من مخالفة أهلك للحق، وعسى الله أن يهديهم، ويوفقهم.

 

 

 

ثانيًا:

والحكم على المستقيم على أمر الله أنه متشدد: لا ينبغي أن يكون عائقًا أمامه، بل ولا ينبغي أن يعطيه وقتًا من يومه ليتأمله، فالأوقات أثمن من أن تُصرف في تتبع الطعونات والأوصاف القبيحة التي تُلصق من استقام على طاعة الله، فخروج المرأة من البيت، واختلاطها بالرجال في الأسواق، والأماكن العامة، والنوادي الرياضية، والمطاعم العائلية: كل ذلك فيه من المنكرات, والموبقات، والفتن والانحرافات، وتضييع الأوقات، ما لا يخفى على أحد، فموافقة الأهل على رغبتهم، والمشي وفق هواهم في هذه الأمور هو هدم لما تبنينه، ونقض لما تعمرينه، فاحذري من موافقتهم في ذلك، ولو أدى ذلك لغضب من غضب، ولو أدى ذلك لوصفك بما تكرهين، وغالبًا ما يستيقظ مثل هؤلاء عند صدمة، أو مشكلة، أو فتنة، يعلمون معها صحة الطريق التي تسلكين، وصواب المنهج الذي عليه تسيرين.

 

ثالثًا:

وفي الوقت نفسه ندعوكِ – وندعو المستقيمين على طاعة الله ممن حالهم كحالك – أن يحاولوا قدر استطاعتهم التقرب من أهليهم، ولو بفعل ما تكرهه نفوسهم، بشرط أن يكون من المباحات، فالتزين – مثلًا – مباح إذا لم يكن من أجل أجنبي يراه، والأكل مع الأهل، أو صلة الرحم معهم إذا لم يكن ثمة محذور في الزيارة، وغير ذلك مما أباحته الشريعة، أو استحبته: لا مانع من أن يشارك الإخوة والأخوات الملتزمين أهليهم بها، ولو كرهت نفوسهم مثل هذا؛ لأن في فعل ذلك تقربًا محمودًا لقلوب أولئك الأهل، وفيه رفع التهمة عنهم بالتشدد، ورفع التهمة عن دينهم واستقامتهم، ومراعاة الأهل والناس فيما ليس فيه ترك واجب، ولا فعل محرَّم: هدي نبوي، وسنة شريفة، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: ( يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ) رواه البخاري ( 1509 ) ومسلم ( 1333 ).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فتَرَك صلى الله عليه وسلم نقضَ الكعبة، وإدخال حِجر إسماعيل فيها: خشية الفتنة، وهذا يدل على وجوب مراعاة المصالح العامة، وتقديم المصلحة العليا، وهي تأليف القلوب، وتثبيتها على الإسلام على المصلحة التي هي أدنى منها، وهي إعادة الكعبة على قواعد إبراهيم. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 345 ).

 

 

وعليه: فما تجدينه في شرع الله حلالًا فعله، وترين أنه مرغوب عند أهلك أن تفعليه: فافعليه، واحتسبي فعله عنه الله إن كنت تكرهينه، واقصدي بذلك أن تؤلفي قلوبهم، وأن ترغيبهم بك؛ حتى يكون ذلك أدعى أن يقبل منك كلام، ويذب عنك افتراء وتقوُّل.

واحذري من فعل الحرام، وترك الواجب، فاحرصي على رضا ربك ولو أسخط ذلك أهلك وأقرباءك، ولا تسخطي ربك حرصًا على رضاهم، فعن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ) رواه الترمذي ( 2414 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومما يجب أن يُعلم: أنه لا يسوغ في العقل، ولا الدِّين: طلب رضا المخلوقين لوجهين:

أحدهما: أن هذا غير ممكن، كما قال الشافعي رضي الله عنه: ” رضا الناس: غاية لا تُدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه، ولا تعانه ” .

والثاني: أنا مأمورون بأن نتحرى رضا الله ورسوله، كما قال تعالى: ( والله ورسوله أحق أن يُرضوه )، وعلينا أن نخاف الله، فلا نخاف أحدًا إلا الله، كما قال تعالى: ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين )، وقال: ( فلا تخشوا الناس واخشون )، وقال: (فإياي فارهبون )، ( وإياي فاتقون )، فعلينا أن نخاف الله، ونتقيه، في الناس، فلا نظلمهم بقلوبنا، ولا جوارحنا، ونؤدي إليهم حقوقهم بقلوبنا وجوارحنا، ولا نخافهم في الله فنترك ما أمر الله به ورسوله خيفة منهم، ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له كما، كتبت عائشة إلى معاوية: ” أما بعد: فإنه من التمس رضا الناس بسخط الله: سخِط الله عليه، وأسخط عليه الناس، وعاد حامده من الناس ذامًّا، ومَن التمس رضا الله بسخط الناس: رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس “، فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضا ربه، واجتناب سخطه، والعاقبة له، ولا حول ولا قوة إلا بالله . ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 232 ، 233 ).

 

 

والله أعلم.

مقلدون يتركون الصلاة خلف إمام مسجدهم لمخالفتهم له في بعض مسائل الصلاة!

مقلدون يتركون الصلاة خلف إمام مسجدهم لمخالفتهم له في بعض مسائل الصلاة!

السؤال:

عندي سؤالان لو سمحت:

  1. لاحظت في جامعتي أن بعض الإخوة لا يصلون خلفي، ويخرجون من المصلى عندما أقدم لأصلي بالقوم، عندما سألتهم عن ذلك أجابوا – وهم أحناف، صوفية -: ” لأنك تمسح على الجوربين ( من الصوف )، ونحن نقول بأن وضوء المرء لا يجزئ إذا مسح على الجوربين ” ( يعني لابد أن يكون من جلد ) هل هذا مبرر لهم لأن يتخلفوا عن هذه الجماعة ويصلون عندما أنتهي أنا من الصلاة؟.
  2. ثم هناك طائفة أخرى من الأحناف – وليسوا من الصوفية- يأبون الصلاة مع الجماعة عندما نصلي العصر في أول الوقت، ويجلسون خلفنا حتى يدخل وقتهم.

السؤال:

هل لهم أن يفعلوا ذلك؟ أم الأولى أن يلتحقوا مع الجماعة وإن اختلفنا في بعض مسائل الفقه ( مع الأدلة المناسبة أفادكم الله ورعاكم ).

الأمر حرج يا شيخ ومؤلم، فوالله إننا لنكابد غربة ووحشة بين ظهراني المنتسبين للإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما تقوله – أخي السائل – حرج ومؤلم، ونأسف أن يصل الأمر بالمصلين إلى هذا الحد تعصبًّا لمذهبهم، وهم مع مخالفتهم لشرع الله تعالى يخالفون شيخ مذهبهم، فهل يظنون أن أبا حنيفة رحمه الله يتوقف في الصلاة خلف ابن عمر رضي الله عنه – مثلًا -، أو ينتظر في المسجد حتى ينتهي ابن عباس – مثلًا – من الصلاة؟!.

أما بخصوص المسح على الجوربين: فقد بينا في جواب سابق أنه لا يشترط أن يكون الجوربان الممسوح عليهما من الجلد، فانظره.

والمسح على الجورب المثقوب، والشفاف الذي يصف البشرة، جائز.

– الشروط الشرعية الثابتة في السنَّة في المسح على الخفين أربعة شروط لا غير، وهي:

الشرط الأول: أنْ يكون لابساً لهما على طهارة.

الشرط الثاني: أنْ يكون الخُفَّان أو الجوارب طاهرةً.

الشرط الثالث: أنْ يكون مسحهما في الحَدَث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغُسل.

الشرط الرابع: أنْ يكون المسح في الوقت المحدَّد شرعًا وهو يومٌ وليلةٌ للمُقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.

فهذه الشروط التي تُشترَط للمسح على الخفَّيْن وهناك شروط أخرى ذكرها بعض أهل العلم وفي بعضها نظر .

وهو من كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، فانظره.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص وقت صلاة العصر: فقد ثبت في السنَّة الصحيحة ابتداء وقت العصر وأنه يكون بانتهاء وقت الظهر، أي: عند مصير ظل كل شيء مثله.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص ترك الصلاة مع الإمام الراتب وانتظار إمام مذهبهم: فهو مخالف لشرع الله تعالى في الأصل، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الإنكار على من جلس ولم يصلِّ مع الجماعة الراتبة حتى لو كان قد صلَّى الصلاة نفسها، وأن عليه أن يصلِّي مع الجماعة ناويًا التنفل، فكيف بمن جلس ولم يصلِّ الفرض أصلًا ولعذرٍ غير مقبولٍ شرعًا؟!.

عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلاَنِ لَمْ يُصَلِّيَا فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَدَعَا بِهِمَا فَجِىءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ: ( مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ ) قَالاَ: قَدْ صَلَّيْنَا فِى رِحَالِنَا، فَقَالَ: ( لاَ تَفْعَلُوا إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِى رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ).

رواه  الترمذي ( 219 ) وأبو داود ( 575 ) والنسائي ( 858 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

رابعًا:

وأما ترك الصلاة خلف الإمام المخالف للمأموم في المذهب: فلا شك أنه من الخطأ البيِّن، وأن من فعله فقد أحدث في المسلمين فُرقة في صفهم، وأنه يساهم في تشويه صورة الإسلام، فليتق الله تعالى أولئك القوم الذين ينتسبون إلى المذهب الحنفي، وليعلموا أنه ما بقي – في حد علمنا – من يفعل هذا الفعل غيرهم، وها هم المسلمون – وفيهم عقلاء الحنفية وعلماؤهم – إذا جاؤوا مكة المكرمة والمدينة النبوية صلوا خلف أئمة الحرمين بلا أدنى حرج، وهم يعلمون أنهم يصلون العصر على حسب الدليل الثابت في ابتدائه، ويعلمون أنهم يخالفون أولئك الأئمة في بعض مسائل الصلاة، فلم يكن هذا بعذر لهم ليتركوا الصلاة خلفهم، فهل سيعي أولئك المقلدون هذا؟! وألم يأن لهم ترك التعصب الذميم والذي فرَّق الصفَّ المسلم في أطهر بقاع الأرض وهي المساجد؟!.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تفصيل نافع في مسألة صلاة أهل المذاهب خلف بعضهم بعضًا، وسنذكره بطوله، ففيه فوائد، فنسأل الله أن يكون هداية لهم ليتركوا ذلك التعصب وليلتحقوا بالجماعة يتوحدون فيها ويرصون صفوفهم، وخاصة في بلاد الغرب حيث يكون هذا الفعل منهم من أسباب الصد عن دين الله تعالى.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن أهل المذاهب الأربعة: هل تصح صلاة بعضهم خلف بعض؟ أم لا؟ وهل قال أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض؟ ومن قال ذلك فهل هو مبتدع؟ أم لا؟ وإذا فعل الإمام ما يعتقد أن صلاته مه صحيحة والمأموم يعتقد خلاف ذلك، مثل أن يكون الإمام تقيأ، أو رعف، أو احتجم، أو مسَّ ذكَرَه، أو مسَّ النساء بشهوة، أو بغير شهوة، أو قهقه في صلاته، أو أكل لحم الإبل وصلَّى ولم يتوضأ والمأموم يعتقد وجوب الوضوء من ذلك، أو كان الإمام لا يقرأ البسملة، أو لم يتشهد التشهد الآخر، أو لم يسلِّم من الصلاة والمأموم يعتقد وجوب ذلك، فهل تصح صلاة المأموم والحال هذه؟ وإذا شُرط في إمام المسجد أن يكون على مذهب معين فكان غيره أعلم بالقرآن والسنة منه وولي، فهل يجوز ذلك؟ وهل تصح الصلاة خلفه؟ أم لا؟.

فأجاب:

الحمد لله، نعم تجوز صلاة بعضهم خلف بعض كما كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في هذه المسائل المذكورة وغيرها، ولم يقل أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم: منهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ مِن مسِّ الذكَر ومسِّ النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من القهقهة في صلاته ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع هذا: فكان بعضهم يصلي خلف بعض: مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلُّون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرًّا ولا جهرًا، وصلَّى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد، وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ تصلِّي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك.

وبالجملة: فهذه المسائل لها صورتان:

إحداهما: أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة: فهنا يصلِّي المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم، وليس في هذا خلاف متقدم، وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين: فزعم أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح وإن أتى بالواجبات؛ لأنه أداها وهو لا يعتقد وجوبها، وقائل هذا القول إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل البدع أحوج منه إلى أن يعتد بخلافه؛ فإنه ما زال المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه يصلي بعضهم ببعض، وأكثر الأئمة لا يميزون بين المفروض والمسنون بل يصلون الصلاة الشرعية، ولو كان العلم بهذا واجبًا لبطلت صلوات أكثر المسلمين ولم يمكن الاحتياط فإن كثيرًا من ذلك فيه نزاع وأدلة ذلك خفية وأكثر ما يمكن المتدين أن يحتاط من الخلاف وهو لا يجزم بأحد القولين، فإن كان الجزم بأحدهما واجبًا فأكثر الخلق لا يمكنهم الجزم بذلك، وهذا القائل نفسه ليس معه إلا تقليد بعض الفقهاء، ولو طولب بأدلة شرعية تدل على صحة قول إمامه دون غيره لعجز عن ذلك، ولهذا لا يعتد بخلاف مثل هذا فإنه ليس من أهل الاجتهاد.

الصورة الثانية: أن يتيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده: مثل أن يمس ذكَرَه أو النساء لشهوة أو يحتجم أو يفتصد أو يتقيأ، ثم يصلي بلا وضوء: فهذه الصورة فيها نزاع مشهور، فأحد القولين: لا تصح صلاة المأموم؛ لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه، كما قال ذلك من قاله من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.

والقول الثاني: تصح صلاة المأموم؛ وهو قول جمهور السلف، وهو مذهب مالك، وهو القول الآخر في مذهب الشافعي وأحمد، بل وأبي حنيفة وأكثر نصوص أحمد على هذا، وهذا هو الصواب؛ لما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يُصلُّون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم )، فقد بيَّن صلَّى الله عليه وسلم أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم، ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له وأنه لا إثم عليه فيما فعل فإنه مجتهد أو مقلد مجتهد، وهو يعلم أن هذا قد غفر الله له خطأه فهو يعتقد صحة صلاته وأنه لا يأثم إذا لم يعدها بل لو حكم بمثل هذا لم يجز له نقض حكمه بل كان ينفذه، وإذا كان الإمام قد فعل باجتهاده: فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها والمأموم قد فعل ما وجب عليه: كانت صلاة كل منهما صحيحة، وكان كلٌّ منهما قد أدى ما يجب عليه وقد حصلت موافقة الإمام في الأفعال الظاهرة .

وقول القائل: إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام: خطأ منه؛ فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب عليه، وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه وأن لا تبطل صلاته لأجل ذلك، ولو أخطأ الإمام والمأموم فسلَّم الإمام خطأ واعتقد المأموم جواز متابعته فسلم كما سلم المسلمون خلف النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا سلَّم من اثنتين سهوًا مع علمهم بأنه إنما صلَّى ركعتين، وكما لو صلَّى خمساً سهوًا فصلوا خلفه خمساً كما صلَّى الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا صلَّى بهم خمساً فتابعوه مع علمهم بأنه صلى خمسًا؛ لاعتقادهم جواز ذلك فإنه تصح صلاة المأموم في هذه الحال فكيف إذا كان المخطئ هو الإمام وحده، وقد اتفقوا كلهم على أن الإمام لو سلَّم خطًأ: لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه، ولو صلَّى خمساً لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه فدلَّ ذلك على أن ما فعله الإمام خطأ لا يلزم فيه بطلان صلاة المأموم، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 373 – 379 ).

 

 

والله أعلم.

نصح وتوجيه لمن ابتلاه الله تعالى بإعاقة في بدنه

نصح وتوجيه لمن ابتلاه الله تعالى بإعاقة في بدنه

هل المعاق إذا صلَّى جالسا له نصف الأجر أو الأجر كاملا؟

معنى قوله تعالى: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )

السؤال:

لقد استفدت من موقعكم جزاكم الله خيرا سؤالي هو: سمعت أن مجرد حديث النفس بسوء في مكة أو المدينة يُعدُّ ذنبا يُكتب في صحيفة العبد، ولذلك فقد كان يحرص السلف على أن لا يطيلوا المكوث فيهما، فهل هذا صحيح؟ أرجو تزويدي بأكبر قدر من المعلومات حول هذا الموضوع فأنا في الحقيقة امرأة معاقة وكثيرا ما تمر الأفكار السيئة في ذهني كأن أقول في نفسي إن الله لا يحبني بأن جعلني معاقة، وإنني أحصل فقط على نصف الأجر بسبب صلاتي قاعدةً، فما رأيكم؟ ماذا يقول الإسلام في مثل حالتي هذه؟ وكيف نشجع المسلمين بالزواج من المسلمات المعاقات؟ ولماذا غالب المسلمين ينظرون بسلبية إلى المعاقين؟ إني أريد العيش في المدينة ولكني خائفة من أن تُكتب عليَّ هذه الأفكار والخواطر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، ولا يتم إيمان المسلم حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والمؤمن لا يسعه سوى الصبر على ما قدَّر الله تعالى عليه من مصائب؛ فهو علامة على كمال إيمانه، ومن صبر وفَّاه الله تعالى أجرَهُ يوم القيامة بغير حساب.

ولا ينبغي أن يَخطر ببالك أن ما قدَّره الله تعالى عليكِ هو شرٌّ محض؛ فليس في أفعال الله تعالى ذلك، ولله تعالى الحكَم البالغة فيما يقدِّره على عباده وما تكرهينه من حال أنت عليه الآن قد يكوون فيه الخير الكثير وأنت لا تعلمين، قال تعالى: ( فعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) النساء/ 19 ، وروى البخاري ( 5645 ) عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ)، ومعنى ( يُصِب مِنْه ) أي: يَبْتَلِيه بِالْمَصَائِبِ لِيُثِيبَهُ عَلَيْهَا.

وليس ابتلاء الله لك بتلك الإعاقة يعني أن الله تعالى لا يحبك بل لو عكستِ لأصبتِ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ ) رواه الترمذي ( 2396 ) وحسَّنه، وابن ماجه ( 4031 ).

ومن أعظم ما يستفيد منه المبتلى الصابر المحتسب أنه قد يلقى ربَّه ليس عليه خطيئة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) رواه الترمذي ( 2399 ) وصححه.

ولذا كان لأهل البلاء الصابرين المحتسبين أعظم المنازل يوم القيامة حتى إن أهل العافية في الدنيا ليتمنَّون أن لو كانوا مثلهم، فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ ) رواه الترمذي (2402) وحسنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وعسى أن ينهض مجموعة من المسلمين الثقات ليسعوا في تزويج الأخوات اللاتي ابتلين بإعاقة في أبدانهن، فمثل هذا العمل الجليل له ثوابه الجزيل إن شاء الله.

وعلى المسلم الذي عافاه الله تعالى في بدنه أن لا ينظر للمبتلى بإعاقة نظرة ازدراء، وليحمد الله تعالى أن عافاه مما ابتلى به غيره، ولا ينبغي له أن يُسمعه هذا الدعاء لئلّا يؤذيه، ومن شكر نعمة العافية أن يقدِّم للمبتلى ما يستطيع من خدمة وعناية ورعاية.

ثانيا:

وأما ظنكِ أن لك نصف الأجر بسبب صلاتك جالسة: فليس بصحيح، بل لك الأجر كاملا إن شاء الله، وإنما نصف الأجر لمن صلَّى نافلة جالسا مع قدرته على القيام، وأما المصلي جالسا لعذر المرض: فهذا له الأجر كاملا فرضا صلَّى أو نافلة.

قال النووي – رحمه الله -:

أجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام في الفريضة: صلاَّها قاعدا، ولا إعادة عليه.

قال أصحابنا: ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام؛ لأنه معذور، وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا ).

” المجموع ” ( 4 / 310 ).

ثالثا:

وأما بخصوص مسألة الهم بالمعصية الواردة في سؤالكِ فدليلها قَوْله تَعَالَى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) الحج/ 25 ، ونجيب عنها فنقول:

  1. إن الوعيد المتعلق بالهم بالمعصية هو في حرم مكة المكرمة وليس في المدينة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

والمسجد الحرام هنا: المراد به الحرم كُلُّهُ.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 3 / 434 ).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

من همَّ بالإلحاد في الحرم المكي: فهو متوعَّد بالعذاب الأليم.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 16 / 135 ).

  1. إن الوعيد المتعلق بالهم بالمعصية في مكة المكرمة له ثلاث صور:

أ. أن يكون الهامُّ بالمعصية في أي مكان في الأرض ليفعلها في الحرم المكي، قال الضَّحَّاك رحمه الله: ” إنَّ الرجل ليهِمُّ بالخطيئة بمكّة وهو بأرض أخرى فتكُتب عليه ولم يعملها “، وسيأتي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه قريبا.

ب. من همَّ بالمعصية في الحرم ولو فعلها خارج الحرم.

ج. وأعظم الصور إثما أن يكون الهم وفعل المعصية كلاهما في الحرم المكي.

  1. بعض العلماء يرى أن المقصود بقوله تعالى ( يُرِد ) أي: يعمل، وقيل: هو العزم المصمم، وقيل: حديث النفس، وهو القول الأقرب للصواب.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومن هذا قوله تعالى ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ ) الحج/ 25، وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء ولكن ضُمِّن معنى ” يهم ” فيه بكذا، وهو أبلغ من الإرادة، فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة.

” بدائع الفوائد ” ( 2 / 259 ).

  1. ومعنى ” الإلحاد “: الميل عن الحق، ومعنى ” الظلم ” في الآية : كل مخالفة للشرع، ويشمل ذلك الشرك والبدعة والذنوب كالقتل، وهو ما يرجحه الطبري والشنقيطي رحمهما الله.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر في هذه المسألة: أن كل مخالفة بترك واجب أو فعل محرم: تدخل في الظلم المذكور، وأما الجائزات كعتاب الرجل امرأته أو عبده: فليس من الإلحاد، ولا من الظلم.

قال بعض أهل العلم: من همَّ أن يعمل سيئة في مكة: أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همِّه بذلك، وإن لم يفعلها، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع فلا يعاقب فيه بالهم، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ” لو أن رجلاً أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بِعَدَنٍ أَبْيَن لأذاقه الله من العذاب الأليم “، وهذا ثابت عن ابن مسعود، ووقفه عليه أصح من رفعه، والذين قالوا هذا القول استدلوا له بظاهر قوله تعالى ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) لأنه تعالى رتَّب إذاقة العذاب الأليم على إرادة الإلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم إن الباء في قوله (بإلحاد ) لأجل أن الإرادة مضمنة معنى الهمِّ، أي : ومن يهم فيه بإلحاد، وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره.

فهذه الآية الكريمة مخصِّصة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة ) الحديث، وعليه: فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي، ووجه هذا ظاهر.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ويحتمل أن يكون معنى الإرادة في قوله (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ) العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله مكة وغيرها.

والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزمًا مصمِّمًا عليه أنها كارتكابه: حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح ( إذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) قالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) فقولهم: ما بال المقتول؟: سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع أنه لم يفعل القتل، فبيَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إنه كان حريصًا على قتل صاحبه ) أن ذنبه الذي أدخله النار: هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم، وقد قدمنا مراراً أنَّ ” إنَّ ” المكسورة المشددة: تدل على التعليل، كما تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه.

ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه: ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل بسبب طير أبابيل ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) لعزمهم على ارتكاب المنكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه. والعلم عند الله تعالى.

 

والظاهر أن الضمير في قوله ( فِيهِ ) راجع إلى المسجد الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك، والله تعالى أعلم.

” أضواء البيان ” ( 4 / 294 ، 295 ).

 

والله أعلم.

معنى حديث: ” أنا عند ظن عبدي بي … “

معنى ” حسن الظن بالله ” وذِكر أبرز مواضعه

السؤال:

يقول تعالى في الحديث القدسي ( أنا عند ظن عبدي بي .. ) فهل يعني هذا أن الشخص إذا ظن بالله أن رحمته أوسع من عقوبته فإن هذا العبد سيُعامل بالرحمة أكثر من العقوبة، والعكس بالعكس؟ وما هي الموازنة التي يجب على الشخص أن يأخذ بها عندما يتعلق الأمر بالعمل بهذا الحديث؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

حسن الظن بالله تعالى عبادة قلبية جليلة، ولم يفهمها حق فهمها كثير من الناس، ونحن نبيِّن معتقد أهل السنَّة والجماعة في هذه العبادة، ونبيِّن فهم السلف القولي والعملي لها، فنقول:

إن حسن الظن بالله تعالى يعني اعتقاد ما يليق بالله تعالى من أسماء وصفات وأفعال، واعتقاد ما تقتضيه من آثار جليلة، كاعتقاد أن الله تعالى يرحم عباده المستحقين، ويعفو عنهم إن هم تابوا وأنابوا، ويقبل منهم طاعاتهم وعبادتهم، واعتقاد أن له تعالى الحِكَم الجليلة فيما قدَّره وقضاه.

ومن ظنَّ أن حسن الظن بالله تعالى ليس معه عمل: فهو مخطئ ولم يفهم هذه العبادة على وجهها الصحيح، ولا يكون حسن الظن مع ترك الواجبات، ولا مع فعل المعاصي، ومن ظنَّ ذلك فقد وقع في الغرور، والرجاء المذموم، والإرجاء المبتدع، والأمن من مكر الله، وكلها طوام ومهالك.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمَل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه: فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي: فهو غرور، وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه جاذباً له على الطاعة زاجرًا له عن المعصية: فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطًا: فهو المغرور. ” الجواب الكافي ” ( ص 24 ).

* وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

وإحسان الظن بالله لابد معه من تجنب المعاصي وإلا كان أمنًا من مكر الله، فحسن الظن بالله مع فعل الأسباب الجالبة للخير وترك الأسباب الجالبة للشر: هو الرجاء المحمود.

وأما حسن الظن بالله مع ترك الواجبات وفعل المحرمات: فهو الرجاء المذموم، وهو الأمن من مكر الله.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 269 ).

ثانيًا:

والأصل أن يكون دائمًا حسن الظنَّ بربه تعالى، وأكثر ما يتعيَّن على المسلم حسن الظن بربِّه تعالى في موضعين:

الأول: عند قيامه بالطاعات.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ).

رواه البخاري ( 7405 ) ومسلم ( 2675 ).

فيلاحظ في الحديث علاقة حسن الظن بالعمل أوضح ما يكون، فقد أعقبه بالترغيب بذِكره عز وجل والتقرب إليه بالطاعات، فمن حسُن ظنه بربه تعالى دفعه ذلك لإحسان عمله.

* قال الحسن البصري رحمه الله: ” إن المؤمن أحسنَ الظنّ بربّه فأحسن العملَ، وإنّ الفاجر أساءَ الظنّ بربّه فأساءَ العمل.

رواه أحمد في ” الزهد ” ( ص 402 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علِم أن حُسن الظن بالله هو حُسن العمل نفسه؛ فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه بربه أنه يجازيه على أعماله ويثيبه عليها، ويتقبلها منه، فالذي حمله على العمل حسن الظن، فكلما حسُن ظنُّه حسُنَ عمله وإلا فحُسن الظن مع اتباع الهوى: عجْز ….

وبالجملة: فحُسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك: فلا يتأتى إحسان الظن.

” الجواب الكافي ” ( ص 13 – 15 ) مختصرًا.

* وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

قيل: معناه: ظنّ الإجابة عند الدعاء، وظنّ القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن قبول الأعمال عند فعلِها على شروطها؛ تمسُّكًا بصادق وعْده، وجزيل فضلِه.

قلت: ويؤيدهُ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: ( ادْعوا الله وأنتم موقِنون بالإجابة ) – رواه الترمذي بإسناد صحيح -، وكذلك ينبغي للتَّائب والمستغفر، وللعامل أن يَجتهد في القيام بِما عليه من ذلك، موقنًا أنَّ الله تعالى يقبل عملَه، ويغفِر ذنبه؛ فإنَّ الله تعالى قد وعد بقبول التَّوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، فأمَّا لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظنُّ أنَّ الله تعالى لا يقبلُها، وأنَّها لا تنفعُه: فذلك هو القنوط من رحْمة الله، واليأس من رَوْح الله، وهو من أعظمِ الكبائر، ومَن مات على ذلك: وصل إلى ما ظنَّ منه.

فأمَّا ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية: فذلك محض الجهل والغرة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة. ” المفهم شرح مسلم ” ( 7 / 5 ، 6 ).

الثاني: عند المصائب، وعند حضور الموت.

عَنْ جَابِرٍ رضِيَ الله عَنْه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثٍ يقولُ ( لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ ). رواه مسلم ( 2877 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 10 / 220 ):

يجب على المؤمن أن يُحسن الظنَّ بالله تعالى، وأكثر ما يجب أن يكون إحساناً للظن بالله: عند نزول المصائب، وعند الموت، قال الحطاب: ندب للمحتضر تحسين الظن بالله تعالى، وتحسين الظن بالله وإن كان يتأكد عند الموت وفي المرض، إلا أنه ينبغي للمكلف أن يكون دائمًا حسن الظن بالله. انتهى.

* وقال النووي – رحمه الله -:

قال العلماء: هذا تحذير من القنوط, وحث على الرجاء عند الخاتمة, وقد سبق في الحديث الآخر قوله سبحانه وتعالى: ” أنا عند ظن عبدي بي “, قال العلماء: معنى ” حسن الظن بالله تعالى ” أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه, قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا, ويكونان سواء, وقيل: يكون الخوف أرجح, فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه; لأن مقصود الخوف: الانكفاف عن المعاصي والقبائح, والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال, وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال, فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى, والإذعان له, ويؤيده الحديث المذكور بعده ( يبعث كل عبد على ما مات عليه ) ولهذا عقبه مسلم للحديث الأول، قال العلماء: معناه: يبعث على الحالة التي مات عليها, ومثله الحديث الآخر بعده ( ثم بعثوا على نياتهم ). ” شرح مسلم ” ( 17 / 10 ).

 

فتبين مما سبق: أن حسن الظن بالله تعالى لا يكون معه ترك واجب ولا فعل معصية، ومن اعتقد ذلك نافعاً له فهو لم يثبت لله تعالى ما يليق به من أسماء وصفات وأفعال على الوجه الصحيح، وقد أوقع نفسه بذلك في مزالق الردى، وأما المؤمنون العالِمون بربهم فإنهم أحسنوا العمل وأحسنوا الظن بربهم أنه يقبل منهم، وأحسنوا الظن بربهم عند موتهم أنه يعفو عنهم ويرحمهم ولو كان عندهم تقصير، فيُرجى لهم تحقيق ذلك منه تعالى كما وعدهم.

 

 

والله أعلم.