الحلف بتعليق اللعن
السؤال
أولا: نريد أن نعبر لك عن شكرنا للعمل الذي تقدمه للأمة، ونسأل الله أن يجزل لك الثواب.
ثانيا: نرسل لك مجموعة من الأسئلة حيث أننا نبعث بها من مركز إسلامي (مجتمع دار المدينة الإسلامي في فانكهوفر، بي. سي.، كندا).
هل يجوز أن يحلف المسلم بالله ألا يدخن أية سيجارة أبدا، على سبيل المثال، ويجعل نفسه عرضة للعنة الله إن لم يبر بقسمه،( كأن يقول: بأن لعنة الله عليه إن دخّن مرة أخرى)؟ وإذا كان ذلك لا يجوز، فكيف يتصرف من فعل ذلك وهو جاهل؟
الجواب
الحمد لله:
- لا يجوز للرجل أن يحلف على نفسه باللعنة ولا بغضب الله ولا بالكفر والخروج من الملة والردة عن الإسلام وما أشبه هذا، والدليل على ذلك:
عن ثابت بن الضحاك – وكان من أصحاب الشجرة – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله”. رواه البخاري ( 5700 ).
فمن كان حالفاً فليحلف بالله؛ لأن الحلف تعظيم والتعظيم ما ينبغي إلا لله، فإن فعل ذلك فقد عظَّم غير الله.
ناهيك عن كونه لا يجوز لأحد أن يقول في حق نفسه إلا حقاً وهذا القول من الباطل، قال تعالى:{ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم}،[ يونس / 11 ].
قال القرطبي: وقال مجاهد نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب، اللهم أهلكه اللهم لا تبارك فيه والعنه أو نحو هذا، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم، فالآية نزلت ذامَّةً لخُلقٍ ذَمِيم هو في بعض الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشر فلو عجل لهم لهلكوا الثانية. ” تفسير القرطبي ” ( 8 / 315 ) .
عن جابر قال:” سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجديَّ بن عمرو الجهني وكان الناضح يَعْقُبُه منا الخمسة والستة والسبعة فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له فأناخه فركب ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن فقال له: شأ لعنك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا اللّاعن بعيره، قال أنا يا رسول الله، قال: انزل عنه فلا تصحبنا بملعون، ولا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم”. رواه مسلم ( 3014 ).
– شأ: زجر للبعير، بمعنى: سر.
- أما ما يصنع الذي قال ذلك: فيه خلاف بين العلماء قال بعضهم عليه الكفارة، وقال آخرون: ليس عليه كفارة.
وقد أورد عبد الرزاق في المصنف بعضها:
عن ابن عباس:” في الرجل يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام أو عليه لعنة الله أو عليه نذر قال: يمين مغلظة”. ( 15974 ) .
عن ابن طاووس عن أبيه قال:” من قال أنا كافر أو أنا يهودي أو نصراني أو مجوسي أو أخزاني الله أو شبه ذلك، فهي يمين يكفرها”. ( 15975 ).
عن ابن جريج قال:” سمعت إنسانا قال لعطاء رجل قال: عليّ غضب الله أو أخزاني الله أو دعوت الله على نفسي بشيء أأكفر؟ قال: هو أحب إلي إن فعلت قال فإن لم أفعل قال ليس عليك شيء ليست بيمين”. ( 15977 ).
عن ابن جريج قال:” سمعت عطاء سئل عن قول الرجل علي عهد الله وميثاقه ثم يحنث أيمين هي؟ قال: لا، إلا أن يكون نوى اليمين أو قال أخزاني الله أو قال علي لعنة الله أو قال أشرك بالله أو أكفر بالله أو مثل ذلك، قال لا إلا ما حلف بالله عـز وجل.”( 15978 ).
قال ابن قدامة في المغني: وقال طاووس والليث: عليه كفارة، وبه قال الأوزاعي إذا قال عليه لعنة الله.
ولنا: أن هذا لا يوجب الكفر فأشبه ما لو قال محوت المصحف، وإن قال لا يراني الله في موضع كذا إن فعلت وحنث، فقال القاضي: عليه كفارة، وذكر أن أحمد نص عليه والصحيح: أن هذا لا كفارة فيه؛ لأن إيجابها في هذا ومثله تحكُّم بغير نصٍّ ولا قياس صحيح. ” المغني ” ( 9 / 401 ) .
ومما يؤيّد أن هذا الفعل محرم ولا كفارة فيه إلا التوبة والاستغفار:
عن ابن عمر رضي الله عنهما:” أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله وإلا فليصمت”. رواه البخاري ( 5757 ) ومسلم ( 1646 ).
فهذا اليمين من عمر لم يكن مشروعاً، فلم يأمره الرسول صلى الله عليه و سلم بالكفارة واكتفى بنهيه.
لكن لو أخرج كفارة يمين فأطعم عشرة مساكين، كان في ذلك خروج من الخلاف واحتياط وهو أحسن.
والله أعلم.


