الزواج من عائشة مع صغر سنها، وصلب المسيح عليه السلام
السؤال
أَمُرُّ الآن بمرحلة القرار في التحول للإسلام وحاليا أنا أقرأ بأكبر قدر ممكن عن هذا الدين المجيد، دخلت في حوار على الكمبيوتر وكان أحد الأشخاص (يبدو أن لديه علم عن الإسلام) قال إن الله رب قمري فهل يمكن أن تخبرني من أين جاءت عبارة رب قمري؟ وهل لهذه العبارة أي صحة؟
سؤال آخر:
يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم، قيل لي بأنّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم تزوج العديد من النساء بما فيهن فتاة عمرها 7 سنوات واسمها عائشة، فهل يمكن أن توضح هذا؟
أخيرًا هل يمكن أن توضح لي قصة صلب المسيح؟ بحسب علمي فإنّ المسيح لم يصلب ولكن بدون تفصيل. شكرًا لوقتك.
الجواب
الحمد لله
أولا:
لم نفهم عبارة: “الله رب قمري” الواردة في السؤال؛ لذا فإنّه لا جواب عندنا عليها حتى نقف على صحة لفظها.
ثانيًا:
نعم، تزوج النّبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها وعمرها 7 سنوات، لكنّه لم يدخل بها إلا عندما بلغت 9 سنوات.
والزواج من الصغيرة جائز بالإجماع، ولا يجوز الدخول بها إلا بعد أن تطيق الجماع، ويختلف هذا السن باختلاف البيئات والأزمنة والأمكنة.
وفي جواب آخر قلنا:
وقبل البدء بالرد على هذه الشبهة نود أنْ تعلم أنّ الكفار في العهود السابقة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده لم يجعل أحدٌ منهم زواجه صلى الله عليه وسلم من عائشة وهي صغيرة مجالًا للطّعن فيه، ولا مثارًا للشبهة حوله.
وبه تعلم أنّ الكفار المتقدمين على هؤلاء كانوا أعقل من هؤلاء وأعلم منهم! وأدرى بواقع الحال وهم الذين عايشوا التنزيل والوحي ويستغلون كل مجال للطعن في الإسلام والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن منهم أن طعنوا في نبينا صلى الله عليه وسلم في تزوجه من صغيرة، ولا في أهل عائشة على تزويجهم ابنتهم وهي صغيرة.
* وإليك الحديث وما يتيسر من الرد عليهم:
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسع ومكثت عنده تسعًا. رواه البخاري ( 4840 ) ومسلم ( 1422 ).
فأنت تلاحظ تأخر دخول النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة – رضي الله عنها – والسبب واضح وهو أنّها لا تطيق الجماع، فلما بلغت السن الذي يطاق به الجماع دخل عليها – صلى الله عليه وسلم -.
فلا يلزم من تزوج الصغيرة جواز وطئها، بل لا تُوطأ إلا إن صارت مؤهلة لذلك؛ ولذلك تأخّر دخول النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها.
قال الإمام النووي:
وأما وقت زفاف الصغيرة المزوجة والدخول بها: فإن اتفق الزوج والولي على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة: عُمل به، وإن اختلفا: فقال أحمد وأبو عبيد: تجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: حدُّ ذلك أن تطيق الجماع، ويختلف ذلك باختلافهن، ولا يُضبط بسنٍّ، وهذا هو الصحيح، وليس في حديث عائشة تحديد ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع ولا الإذن فيمن لم تطقه وقد بلغت تسعا، قال الداودي: وكانت عائشة قد شبَّت شبابا حسنا رضي الله عنها. ” شرح مسلم ” ( 9 / 206 ).
ولْتعلم أنّ من يأتي بهذه الشبهة يجعل يقارن سنَّ عائشة بسن ابنته أو أخته! وهو يراها صغيرة الحجم، وهذا ليس هو الواقع في كل أمَّة ولا في كل بيئة، فالبيئة العربية الحارَّة تبلغ نساؤها أسرع من غيرها من البيئات؛ ولذلك لم يُنكر أحدٌ هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم ولا من أهلها.
ثالثًا:
أما بالنسبة للكلام على “صلب المسيح عيسى عليه السلام”: فقد ذكرنا في جواب آخر تفصيلًا حول حياة عيسى عليه السلام ورفعه ونزوله آخر الزمان، وفيه بيان أنّ اليهود هم الذين أظهروا العداء لعيسى عليه السلام، وقذفوا أمّه مريم واتهموها بالزنا، وأنّهم دبروا له مكيدة ليقتلوه فحرّضوا الرومان عليه، وأوهموا الحاكم الروماني أنّ في دعوة عيسى عليه السلام زوالًا لملكه فأصدر أمره بالقبض على عيسى عليه السلام وصلبه، فألقى الله شَبَه عيسى عليه السلام على الرجل المنافق الذي وشى به فقبض عليه الجنود يظنّونه عيسى عليه السلام فصلبوه، ونجاه الله تعالى من الصلب والقتل.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز:
قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على أنّ عيسى بن مريم عبد الله عليه الصلاة والسلام رفع إلى السماء بجسده الشريف وروحه، وأنّه لم يمت ولم يُقتَل ولم يُصلب، وأنه ينزل آخر الزمان فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، وثبت أنّ ذلك النزول من أشراط الساعة، وقد أجمع علماء الإسلام الذين يعتمد على أقوالهم على ما ذكرناه، وإنّما اختلفوا في التوفي المذكور في قول الله عز وجل: { إذ قال الله يا عيسى إنّي متوفيك ورافعك إليَّ } [ آل عمران / 55 ] على أقوال:
أحدها: أنّ المراد بذلك وفاة الموت؛ لأنّه الظاهر من الآية بالنسبة إلى من لم يتأمل بقية الأدلة؛ ولأنّ ذلك قد تكرر في القرآن الكريم بهذا المعنى، مثل قوله تعالى: { قل يتوفَّاكم ملك الموت الذي وُكّل بكم } [ السجدة / 11 ]، وقوله سبحانه وتعالى: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } [ الأنفال / 50 ] وفي آيات أخرى قد ذكر فيها التوفي بمعنى الموت، وعلى هذا المعنى يكون في الآية تقديم وتأخير.
القول الثاني: معناه: القبض، نقل ذلك ابن جرير في تفسيره عن جماعة السلف، واختاره ورجحه على ما سواه، وعليه فيكون معنى الآية: إني قابضك من عالم الأرض إلى عالم السماء وأنت حي ورافعك إليَّ، ومن هذا المعنى قول العرب: توفيت مالي من فلان أي قبضته كله وافيــًا.
القول الثالث: إنّ المراد بذلك: وفاة النوم؛ لأنّ النّوم يسمى وفاة، وقد دلت الأدلة على عدم موته عليه السلام، فوجب حمل الآية على وفاة النوم جمعــًا بين الأدلة، كقوله سبحانه وتعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} [ الأنعام / 60 ]، وقوله عز وجل: { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر / 42].
والقولان الأخيران أرجح من القول الأول.
وبكل حال فالحق الذي دلت عليه الأدلة البينة، وتظاهرت عليه البراهين، أنه عليه الصلاة والسلام رفع إلى السماء حيــًا، وأنه لم يمت، بل لم يزل عليه السلام حيــًا في السماء، إلى أن ينزل في آخر الزمان ويقوم بأداء المهمة التي أُسندت إليه؛ المبينة في أحاديث صحيحة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم يموت بعد ذلك الموتة التي كتبها الله عليه، ومن هنا يُعلم أنّ تفسير التوفي بالموت قول ضعيف مرجوح، وعلى فرض صحته فالمراد بذلك التوفي الذي يكون بعد نزوله في آخر الزمان، فيكون ذكره في الآية قبل الرفع من باب المقدم، ومعناه التأخير؛ لأنّ الواو لا تقتضي الترتيب كما نبّه عليه أهل العلم والله الموفق.
وأما من زعم أنّه قد قتل أو صلب فصريح القرآن يرد قوله ويبطله، وهكذا قول من قال إنه لم يرفع إلى السماء، وإنّما هاجر إلى كشمير وعاش بها طويلا ومات فيها بموت طبيعي، وإنّه لا ينزل قبل الساعة، وإنما يأتي مثيله، فقوله ظاهر البطلان؛ بل هو من أعظم الفرية على الله تعالى، والكذب عليه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فإن المسيح عليه السلام لم ينزل إلى وقتنا هذا، وسوف ينزل في مستقبل الزمان كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما تقدم يعلم السائل وغيره أن من قال: إنّ المسيح قتل أو صلب، أو قال: إنّه هاجر إلى كشمير ومات بها موتــًا طبيعيــًا ولم يرفع إلى السماء، أو قال: إنه قد أتى أو سيأتي مثيله، وإنه ليس هناك مسيح ينزل من السماء، فقد أعظم على الله الفرية؛ بل هو مكذب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كذّب الله ورسوله فقد كفر، والواجب أن يُستتاب من قال مثل هذه الأقوال، وأن توضح له الأدلة من الكتاب والسنة، فإن تاب ورجع إلى الحق وإلا قتل كافرًا.
والأدلة على ذلك كثيرة معلومة، منها قوله سبحانه في شأن عيسى عليه السلام في سورة النساء: { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍ منه ما لهم به من علمٍ إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينــًا } [ النساء / 157 ، 158 ]، ومنها ما توافرت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عليه والسلام ينزل في آخر الزمان حَكمــًا مُقسِــطــًا، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، وهي أحاديث متواترة مقطوع بصحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع علماء الإسلام على تلقيها بالقبول والإيمان بما دلت عليه، وذكروا ذلك في كتب العقائد، فمن أنكرها متعلقــًا بأنها أخبار آحاد لا تفيد القطع، أو أولها على أنّ المراد بذلك تمسك الناس في آخر الزمان بأخلاق المسيح عليه السلام؛ من الرحمة والعطف وأخذ الناس بروح الشريعة ومقاصدها ولبابها لا بظواهرها: فقوله ظاهر البطلان مخالف لما عليه أئمة الإسلام، بل هو صريح في رد النصوص الثابتة المتواترة، وجناية على الشريعة الغراء، وجرأة شنيعة على الإسلام وأخبار المعصوم عليه الصلاة والسلام، وتحكيم للظن والهوى، وخروج عن جادة الحق والهدى، لا يقدم عليه من له قدم راسخ في علم الشريعة وإيمان صادق بمن جاء بها، وتعظيم لأحكامها ونصوصها.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 1 / 450 ، 451 ).
والله أعلم.


