التقليد واتباع المذاهب ومخالفتها عند معرفة الصواب في غيرها
السؤال
سمعت من الكثيرين من النّاس والعلماء بأن الشخص يكون ضالا إذا لم يتبع مذهبا أو إماما معينا.
1- ما هي أهمية التقليد؟
2- ما هو موقفنا إذا سمعنا حديثًا صحيحًا ولكنَّ مذهبا معينا لا يأخذ به؟ هل نبدأ باتباع ما جاء في الحديث الصحيح أم أنّنا يجب أن نلتزم بما يقوله المذهب أو الإمام؟
أرجو أن تخبرني بالدليل وتوضح لي الأمر.
جزاكم الله خيرا
الجواب
الحمد لله
أولًا:
التقليد في أصله مذموم؛ لأنّه لا يقلد إلا جاهل، والجهل مذموم في الشرع، والناس على طبقات ثلاثة:
– الأولى: العلماء المجتهدون.
– والثانية: طلبة العلم الباحثون.
– والثالثة: العوام الجاهلون.
فأما الطبقة الأولى: فهم الذين يبحثون ويُنقّبون في الأدلة ويجتهدون للوصول إلى معرفة حكم الله تعالى في المسائل، وهؤلاء لا يجوز لهم التقليد، إلا في مسألة لا يتمكن من النّظر فيها وتكون مقتضية للفورية.
والثانية: هم الذين يستطيعون التمييز بين الأقوال ومعرفة القوي منها ومَن يكون معه الدليل، وهو لا يستطيع ذلك في كل المسائل، فيقلد فيما لا يستطيع معرفة صوابه من خطئه، ولا يقلد فيما يقدر على التمييز بين أقوال المتخاصمين.
والثالثة: وهي الطبقة الجاهلة والتي لا يعرف أهلها التفريق بين الأدلة ومعرفة الصحيح منها والضعيف، وهم أهل التقليد، وهؤلاء أمرهم الله تعالى بالسؤال فقال: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [ النحل / 43 ، الأنبياء / 7 ]، وهؤلاء عليهم البحث عمن يثقون بدينه وعلمه فيسألونه ويأخذون بما يقول، ولا يحل لهم البحث بالتّشهي لمعرفة الأسهل من الأقوال، بل عليهم الأخذ بما يُفتوْن به ولو كان شاقّا عليهم إذا كان ممن يثقون بعلمه ودينه.
ثانيًا:
والواجب على مَن عرف الحق – من جميع الطبقات السابقة – أن لا يتردد في أخذه والعمل به، ولا يحل له أن يترك العمل به لأجل مذهبه أو إمامه، وهذه وصية الأئمة الذين يزعم الناس أنهم متَّبعون مقلَّدون.
قال أبو حنيفة: هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه.
وقال مالك: إنّما أنا بشر أُصيب وأخطئ, فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة.
وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط, وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي.
وقال الإمام أحمد: لا تقلدني ولا تقلد مالكًا, ولا الشافعي, ولا الثوري, وتعلم كما تعلمنا, وقال: لا تقلد في دينك الرجال, فإنّهم لن يسلموا من أن يغلطوا.
ثالثًا:
ولا يجوز اعتقاد أنّ واحدًا بعينه من العلماء يجب اتباعه، وليس هناك من يجب اتباع أقواله غير النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره يخطئ ويصيب، والعامي فرضه السؤال، ولا يجب التزام قول واحدٍ بعينه فقد يتيسر له غيره فيسأله، وقد يتبين له الحق في غير كلام إمامه.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن أوجب تقليد إمامٍ بعينه: استتيب، فإن تاب وإلا قُتل، وإن قال: ينبغي: كان جاهلا ضالًّا، ومن كان مُتّبِعا لإمامٍ فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى: فقد أحسن.
* وقال – في موضع آخر -:
بل يجب عليه، وإنَّ أحمد نص عليه ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع. “الفتاوى الكبرى” (5 / 557 ، 558).
* وقال – رحمه الله -:
وليس على أحدٍ من الناس أن يقلِّد رجلا بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه ويستحبه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين فيقلّدون تارة هذا وتارة هذا، فإذا كان المقلِّد يقلد في مسألة يراها أصلح في دينه أو القول بها أرجح أو نحو ذلك: جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين، لم يحرم ذلك لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد. ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 382 ).
رابعًا:
ويجب على المقلد أن يخالف من قلَّده إذا تبيَّن له الحق عند غيره، ولا يحل له البقاء على قولٍ يعتقد قوة ورجحان غيره.
* قال الذهبي:
وقال شيخٌ: إنّ الإمام لمن التزم بتقليده كالنّبي مع أمّته لا تحل مخالفته!
قلت: قوله “لا تحل مخالفته” مجرد دعوى واجتهاد بلا معرفة، بل له مخالفة إمامه إلى إمام آخر حجته في تلك المسألة أقوى، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له لا كمن تمذهب لإمام فإذا لاح له ما يوافق هواه عمل به من أي مذهب كان، ومن تتبع رخص المذاهب وزلات المجتهدين: فقد رقَّ دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: من أخذ بقول المكيين في المتعة والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء: فقد جمع الشر! وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه وشِبْهِ ذلك: فقد تعرض للانحلال! فنسأل الله العافية والتوفيق .
ولكن شأن الطالب أن يدرس أولا مصنفا في الفقه، فإذا حفظه: بحثه، وطالع الشروح، فإن كان ذكيًا فقيه النفس ورأى حجج الأئمة: فليراقب الله، وليحتط لدينه، فإن خير الدين: الورع، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينة وعرضه، والمعصوم من عصمه الله. ” سير أعلام النبلاء ” ( 8 / 90 ، 91 ).
والله أعلم.


