أنواع الخلاف، واتباع المذاهب، ومجامع الفتوى
السؤال
لماذا لا يكون لعلماء الإسلام مَجْمَعًا لإصدار الفتاوى – فقد أصبح بمقدور كل واحد أن يستفتي أي شخص -؟ ولماذا يصر العلماء على إظهار المسائل الخلافية بين المذاهب بدلًا من العمل على تجميع الأمة؟ ولماذا يصرون على الدفاع عن مسائل فيها خلاف بنسبة ( 5 % ) ويثيرون حولها الخلاف – مثل الجهر بالتأمين -؟.
أنا لا أفهم الفرق ما إذا اتبع المسلم المذهب الحنفي أو المالكي أو غيره طالما أنه يصلي الصلوات المفروضة في الجماعة؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
الخلاف ضد الاتفاق، وهو أن يذهب أحدهما إلى ما يخالف الآخر، ولا فرق بين الاختلاف والخلاف، لا في اللغة ولا في الاصطلاح.
والخلاف مذموم في أصله، ومنهي عنه، قال تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) [ من آل عمران / الآية 103 ] ، وقال تعالى: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ آل عمران / الآية 105 ].
والاختلاف كائن في هذه الأمة كما كان فيما قبلها، قال الله تعالى: ( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) [ هود / الآية 118 ، 119 ].
وأمر الله تعالى عند الاختلاف الرد إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُم تُؤمِنُونَ بِالله وَاليوْمِ الآخِر ) [ النساء / من الآية 59 ].
* والخلاف الواقع بين علماء الإسلام ليس نوعًا واحدًا بل هو على نوعين:
اختلاف تضاد، وهو المذموم وهو المحذر منه، واختلاف التنوع وهو جائز ولا حرج على من أخذ بأحد الأقوال فيه، نحو صيغ الأذان والإقامة، وقد يكون بعضها أرجح من بعض.
واختلاف التضاد هو الأكثر شهرة بين المسلمين لاختلاف مذاهبهم ومصادر تعلمهم، والعلماء ليسوا على درجة واحدة في العلم والفهم، وهناك أسباب تدعوهم لتبني أقوالهم ومخالفة غيرهم، وقد يكون الحق معهم وقد يخالفون الحق، ولا يُعرف هذا إلا بعد عرض أقوالهم على الكتاب والسنة، ومن كان منهم من أهل الاجتهاد فأصاب في قوله فله أجران، ومن أخطأ كان له أجر واحد، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه.
واختلاف التضاد الذي يقع بين العلماء هو اختلاف بالنسبة لهم لا بالنسبة للشرع، فالشرع محكم وأدلته لا تتعارض، لكنهم يفتون بحسب ما تبين لهم.
* قال الشاطبي – رحمه الله –:
الشريعةُ كلُّها ترجع إلى قولٍ واحدٍ في فروعها، وإن كَثُرَ الخلافُ، كما أنَّها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك، والدليل عليه أمورٌ:
أحدها: أدلَّةُ القرآن، ومِن ذلك قولُه تعالى: ( وَلَوْ كانَ منْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) [ النساء / الآية 82 ] ، فنفى أن يقع فيه اختلافٌ البتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين: لم يصدُقْ عليه هذا الكلامُ على حالٍ، وفي القرآن: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) الآية [ النساء / الآية 59 ] ، وهذه الآيةُ صريحةٌ في رفعِ التنازعِ والاختلاف، فإنه رَدَّ المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيءٍ واحدٍ، إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف: لم يكن في الرجوع إليه رفعُ تنازعٍ، وهذا باطلٌ …
” الموافقات ” ( 4 / 63 ).
ثانيا:
لا يجوز للمسلم اتباع أحدٍ من الأئمة في كل ما يقول، والواجب على من آتاه الله بصيرة وفهمًا أن يتبع ما وافق الكتاب والسنة مما قالوه، فإن كان هم معذورين في خطئهم لعدم وصول الدليل لهم أو لعدم تبينهم صحته أو لعدم معرفتهم أنه منسوخ, فما هو عذر من جاء بعدهم وعلم ذلك؟.
ولقد نهى الأئمة الأعلام المقتدى بهم عن تقليدهم وحذروا عن ذلك تحذيرًا شديدًا، قال أبو حنيفة: إذا خالف قولي الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط، وقال مالك: كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر – وأشار إلى قبره صلى الله عليه وسلم -، وقال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا وجدتم الحديث في قارعة الطريق فخذوا به ودعوا قولي، وقال أحمد: لا تقلدني ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، ولكن خذ من حيث أخذوا.
ثالثا:
وفرقة الأمة ليس بتبني مسائل فقهية يخالف بعضهم فيها بعضًا، بل الفرقة هي في تبني اعتقادٍ يخالف اعتقاد الفرقة الناجية، وهم أهل السنة والجماعة، ومن هؤلاء المختلفين المفرقين لوحدة الأمة: الأشعرية والمعتزلة والقدرية، ولا نقول الجهمية والرافضة؛ فهؤلاء أقرب إلى كونهم أديانًا منهم إلى عدهم من الفرق المنتسبة للإسلام.
فليحرص المسلم على تبني اعتقاد أهل السنة والجماعة، ولا يتسنى له ذلك إلا بالعلم، ولا علم إلا ما كان مصدره الكتاب والسنة الصحيحة، وهكذا تجتمع الأمة، وليس اجتماعها هو اجتماع على مسائل فقهية قد يُعذر فيها المخالف، وهو الذي ينبغي الحرص عليه ونشره بين المسلمين، فلا يوحدهم ويجمعهم إلا التوحيد، وأما مسائل الفقه فقد يسع فيها الخلاف، وهكذا كان الحال عند الصحابة فاعتقادهم واحد وترجيحاتهم في مسائل الفقه متباينة، وإن كان الخلاف فيها – في زمانهم – قليلًا.
رابعا:
وأما عن مجامع الفقه والفتوى: فهي كثيرة، لكن ليست كلها تنطلق في فتاواها من الكتاب والسنة، فبعضها لا يفرِّق بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، وبعضها يتعصب لمذهب بلده، والأهم من ذلك أن القليل منها من تتبنى اعتقاد أهل السنة والجماعة.
وقد وفَّق الله تعالى ” اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” في المملكة العربية السعودية للفتوى في جميع أبواب العلم، وكانت فتاواها موفقة في أنها منطلقة من الكتاب والسنة، ولا تتعصب لمذهب على حساب الأدلة، وعقائدهم جميعًا موافقة لعقائد من سلفهم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
كما يوجد فتاوى من مجامع فقهية مشهورة مثل: ” المجمع الفقهي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي، و” مجمع الفقه الإسلامي ” التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وكلاهما يجمع علماء من أقطار الأرض، ويخرج بتوصيات موفقة في مسائل هامة، ونوازل معاصرة.
والله الموفق.


