يضرب طفله ويقرصه وعمره سنة ثم يشعر بالندم
السؤال
الحمد لله على المال والذرية، فقد وهبني الله طفلاً جميلاً، لكن ينتابني شعور غريب تجاه هذا الولد، فعندما يبكي أخرج عن شعوري فأضربه وأقرصه وغيرها من الأشياء، وبعدها أجد نفسي مهزوزاً جسديًّا ونفسيًّا، مع العلم أنني أحبه بشدة، وعندما يحمله الناس يضحك ويلعب معهم، وعندما يراني يبكي ويصرخ، وابني لم يتعدَّ عمره السنة، ماذا أفعل مع العلم أنني أصلي وأصوم؟.
الجواب
الحمد لله
إننا لفي غاية العجب من هذا التصرف تجاه ولدك، وسنقف معك بعض الوقفات لعلَّ الله أن ينفعك بها.
- يحتاج الطفل إلى طعام وشراب ونوم وهواء، والعطف والحنان من أطيب الأطعمة التي يقدمها الوالدان لطفلهما، فالحرص على الطعام المادي دون ذلك المعنوي تفريط في حاجة الطفل الفطرية لها جميعا.
- ولإعطاء الحنان للطفل نتائجه الإيجابية العالية، ولذلك كانت الوصية بإرضاع الطفل رضاعا طبيعيًّا حتى يجتمع له طيب الطعام والشراب مع طيب المقام وهو حضن أمه، لذا وُجد في الأبحاث الحديثة عظيم تأثير الرضاع من حليب الأم في نمو جسم الطفل وعاطفته.
ووجد – كذلك – العكس، وهو النتائج السلبية لحرمان الطفل من حليب أمه وحجرها، والمجتمعات التي كثر فيها العنف ضد الأطفال أضحت مجتمعات فاسدة انتشرت فيها الجرائم والموبقات.
وقد ذكر الدكتور ” عدلي السمري ” – أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر – أن ( 96% ) من الآباء الذين يضربون أبنائهم تعرضوا للضرب وهم صغار.
وتوصلت الدراسة أن ضرب الآباء لأبنائهم وتعنيفهم المستمر لهم يربي عقد نفسية لدى الأبناء بل ويزيد من العنف الأسري إلى أن يتفاقم ويمثل مشكلة من الصعب مواجهتها إذ تحول العنف من الأسرة إلى المجتمع وأصبح شكل من أشكال السلوكيات الشاذة وضحاياه مؤهلين نفسيًّا لممارسة الإرهاب النفسي على الأفراد مما يهدد أمن المجتمع.
- والذي يقسو مع أطفاله فإنما يخالف الفطرة والشرع، فقد فطر الله تعالى الناس على حب أولادهم, لذا لم يوصِ الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم الآباء بأبنائهم فيما يتعلق بهذا الجانب، وعلى العكس فقد أوصى الأبناء بآبائهم وأمهاتهم، وحذَّرهم من العقوق.
* وأما مخالفة الشرع: فإن الضرب وعدم الحنان تجاه الأطفال يدل على نزع الرحمة من قلوب من يفعل ذلك، وهو موجب لحرمانه من رحمة الله تعالى.
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحداً! فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ” مَن لا يَرحم لا يُرحم “. رواه البخاري ( 5651 ) ومسلم ( 2318 ).
وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبِّلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟. رواه البخاري ( 5652 ).
وقد بلغت الرحمة من نبينا صلى الله عليه بالأطفال أن خفَّف الصلاة من أجل بكائهم رحمةً بهم وبأمهم.
عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وَجْد أمه من بكائه “. رواه البخاري ( 677 ) ومسلم ( 470 ).
– وجد: حزن.
- وقد بلغت الرحمة ببعض الآباء بأبنائهم وتعلقهم بهم أن منعتهم عاطفتهم من السعي في الأرض لطلب الرزق، فلم يستطيعوا فراقهم، فقال بعضهم في هذا:
وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرضِ
لو هَبَّتِ الريح على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمضِ
لولا بنياتٌ كزغب القطا ردَّدن من بعضٍ إلى بعضِ
لكان لي مضطربٌ واسعٌ في الأرض ذات الطول والعرضِ
- واعلم أنك مفرِّط في تربية طفلك بفعلك هذا وأنك قد ترى مساوئه في الدنيا قبل الآخرة، ومما يحكى في كتب التربية: أن رجلاً جاء إلى أحد العلماء وقال له: أنا عندي وَلَدٌ وُلِدَ الآن، وأريد أن تبيِّن لي كيف أقوم بتربيته، قال: وقد وُلِدَ وَلَدُكْ الآن؟ قال: نعم، قال: قد تأخرت، وفات عليك الوقت! لكن أعلمك كيف تربي الذي بعده!.
نعم فات الوقت لأن تربية الولد تبدأ حتى قبل أن تتزوج أمه، والإنسان عندما يأتي أهله فإن الرسول عليه السلام علمه أن يقول: ” بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يكتب بينهما ولده لم يضره الشيطان “.
فكيف لهذه المعاملة أن تثمر تربية صالحة وولداً سليماً بارًّا؟.
- واعلم أن بكاء الطفل لا يكون من فراغ، بل لكل بكاء سبب، فالواجب عليك أن تأخذك الرحمة تجاه هذا البكاء لتعلم سببه، كأن يكون من مرضٍ أو من جوع، لا أن تبادر لضربه وقرصه والقسوة عليه، فتضيف لبكائه سببًا يقينيًّا منك وهو البكاء من الألم!.
قال الدكتور يوسف عبد الفتاح – وهو طبيب نفسي -: ” ويرى علماء النفس أن البكاء شأنه شأن سلوكيات أخرى تستخدم للتنفيس الانفعالي أو تفريغ الشحنة الانفعالية الكامنة في الشخصية؛ فالبكاء والصياح والصوت الحاد المرتفع وتخريب الألعاب أو الممتلكات والتململ كلها وسائل تعبيرية عن حالة انفعالية مرتبطة بالغضب أو الحزن، ولما كان الإحباط الذي يتعرض له الطفل يولد شحنة نفسية عدوانية فإن البكاء يعد بمثابة التعبير عن هذه الشحنة والتخلص منها، وكف البكاء أو عدم البكاء قد يكون مؤشرًا لكبت هذه الشحنة الانفعالية في النفس، وقد تنتقل إلى اللاشعور حيث ينساها الطفل لكنها لا تختفي تمامًا وتبقى لتعبر عن نفسها في الكبر بأساليب رمزية أو مرضية كالقلق والعدوان المدمر الظاهر كلما أتيحت الفرصة للطفل “.
- واعلم – أخيرًا – أن هزَّ الطفل قد يسبِّب إعاقات عقلية أو جسديَّة فكيف الأمر سيكون لو أنه تعرَّض للضرب؟.
” فقد حذر باحثون أمريكيون مختصون من أن هزّ الأطفال قد يؤدي إلى وفاتهم أو إصابتهم بإعاقات عقلية شديدة، وأوضح الباحثون أن تلف الدماغ الذي يميز الحالة التي تعرف طبيًّا بمتلازم هزّ الطفل يحدث عندما يتم هزّ الأطفال بعنف, وقد يسبب وفاتهم أو إصابتهم باعتلالات عصبية وعاهات عقلية: كالتخلف العقلي والشلل الدماغي والعمى ونوبات تشنجية شديدة وعسر القراءة ( ديسليكسيا ) واضطراب الانتباه وغيرها من الإعاقات التعليمية.
* وقالت كيم ميتز منسقة التثقيف الأبوي في خدمات حماية الطفولة الأمريكية:
إن بكاء الأطفال مزعج وموتر ولكنها طريقتهم في التعبير عن حاجاتهم، لذلك ينبغي أولًا معرفة أسباب بكائهم والسعي لحلها بدلًا من هزهم، منوهة إلى أن الأولاد أكثر عرضة للإصابة من البنات حيث يكون ( 57 % ) من الضحايا من الذكور.
وأشار الباحثون إلى أن هزّ الطفل بعنف عند بكائه أو رميه في الهواء وإمساكه أو هزه على الركبة بعنف أو الهرولة به كلها عوامل قد تؤدي إلى تلف دماغه نتيجة اندفاعه حول الجمجمة فيسبب تفجر الأوعية الدموية التي تغذيه ويحدث نزيف في المخ، ونوه الخبراء إلى أن الأطفال الرضع والحديثي الولادة يعتبرون أكثر الأطفال عرضة للإعاقات الناتجة عن الهز مقارنة بالأطفال الأكبر سنًّا “.
* والخلاصة:
أننا نوصيك بتقوى الله تعالى، وأن لا تخالف الفطرة، ولا تخالف شرع الله تعالى، وأن تكون حنوناً على طفلك الجميل، وأن لا تتسبب في خسارته أو إعاقته فتعيش عمرك كله بتلك الخطيئة، وانظر في حال النبي صلى الله عليه وأصحابه ليكونوا لك قدوة صالحة.
واعلم أن أثر هذا الضرب خطير على الجسم والعقل والنفسية والمجتمع – كما سبق – فاحذر وحذِّر غيرك.
واحرص على الدعاء والرقية لك ولبيتك ولولدك خشية أن تكونوا مصابين بعينٍ أو سحر، والرقية نافعة بكل حال.
راجين لك التوفيق والعفو والعافية، ولطفلك السلامة من الشر، ونسأله تعالى أن يعينك على تربيته تربية صالحة.
والله أعلم.


