هل تقبل التوبة إذا لم يُقم الحد على الشخص؟
السؤال
أنا عندي سؤال محيرني وأفكر فيه، إذا أقدم شخص متزوج أو غير متزوج على الفواحش والكبائر من سرقة وغيبة وربًا وغيره ودام عليها وقتًا طويلًا, ثم عرف الله وتاب لله توبة نصوحة خالصة لوجه الله تعالى واستسمح الذين اغتابهم ورد الذي سرق وتخلص من الربا والذي بينه وبين الله من زنا وشرب وتقصير في صلاة تاب منه ولم يعد إليه ولكنه لم يُحدَّ, فهل الله تعالى يقبل توبته ويقبل عبادته مهما كثرت ذنوبه؟ أو يمكن أن لا يقبل الله توبته وتكون عبادته مردودة؟ وهل الله ينجيه من عذاب القبر ومن دخول النار؟ وماذا عليه أن يعمل ليتلافى العذاب ويرضي الله سبحانه وتعالى؟ وجزاك الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
نحمد الله تعالى أن وفقك للتوبة والرجوع إليه، ونسأله عز وجل أن يثبتك على الهداية، وأن يزيدك علمًا وهدًى وتوفيقًا.
واعلم – أخي – أنه لا يجوز للمسلم أن يستعظم ذنبه الذي تاب منه؛ لأن رحمة الله وعفوه ومغفرته أعظم من ذنوبه.
وما كان من ذنوبك متعلقًا بالعباد فالواجب عليك إرجاع الحقوق إلى أصحابها، وما كان بينك وبين ربك تعالى يكفيك التوبة والاستغفار والندم والعزم على الرجوع إلى تلك الذنوب، وليس من شرط التوبة منها أو من بعضها أن يقام الحد على التائب منها، فالستر بستر الله تعالى منها، وتحقيق التوبة الصادقة خير من الاعتراف لإقامة الحد عليها، ونحن نرى أن أحسنت في توبتك بالاستغفار والندم وإرجاع الحقوق إلى أهلها، فلا يأتينك الشيطان من قبَل توبتك ليفسدها عليك، واعلم أن الله تعالى يبدل سيئاتك حسنات إذا أعقبتَ توبتك بالعمل الصالح، وقد ذكر الله تعالى ذلك في التوبة من أكبر الذنوب وهي الشرك والقتل والزنا، فقال تعالى: ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً . إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا . ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 71 ] .
والحدود التي لم تبلغ السلطان هي التي يجب إقامتها، وأما التي لم تبلغه: فإن الأفضل التوبة منها والاستتار بستر الله تعالى.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
الحدود إذا بلغت الحاكم الشرعي وثبتت بالأدلة الكافية: وجب إقامتها، ولا تسقط بالتوبة بالإجماع، وقد جاءت الغامدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبة إقامة الحد عليها بعد أن تابت، وقال في حقها: ” لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم “، ومع ذلك قد أقام عليها الحد الشرعي، وليس ذلك لغير السلطان.
أما إذا لم تبلغ العقوبة السلطان: فعلى العبد المسلم أن يستتر بستر الله، ويتوب إلى الله توبة صادقة، عسى الله أن يقبل منه.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 15 ).
وقالوا – ردًّا على من رغب بإقامة الحد وشك في قبول التوبة من الزنا -:
إذا تاب الإنسان إلى ربه توبة صادقة خالصة: فإن الله سبحانه وتعالى قد وعد بأنه سيقبل توبة التائب، بل ويعوضه حسنات، وهذا من كرمه وجوده سبحانه وتعالى، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيمًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 70 ] .
والتوبة من شروطها: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما تقدم منه، والعزم على أن لا يعود إليه، وإن كان حق من حقوق الآدميين: فيطلب منهم المسامحة.
وقد ثبت عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – في بيعة النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” … فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له “، وقد حثَّ صلى الله عليه وسلم على التوبة الصادقة، وقال في قصة ماعز: ” هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه “، وروى مالك في ” الموطأ ” عن زيد بن أسلم وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أيها الناس, قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، مَن أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه مَن يُبدِ لنا صفحته: نُقِم عليه كتاب الله “.
فعليك بالتوبة الصادقة، والمحافظة على الصلوات مع الجماعة، والإكثار من الحسنات.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 44 ، 45 ).
والله أعلم.


