خسر أموالًا في التجارة وسافر وعليه ديون, فكيف يتصرف؟

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين, وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مشكلتي هي أنني كنت أقيم في دولة عربية, ودخلت في شراكة مع أحد مواطني هذه الدولة, وسلمني مبلغ ( 31000 ريال ) لكي أتاجر في بيع وشراء السيارات، منه رأس المال, ومني أن أشتري وأبيع, والربح مناصفة بيننا، كانت الأمور على ما يرام في بادئ الأمر، ولكن تضاءل البيع بصورة كبيرة جدًّا, وبدأت أصرف من رأس المال, ولم أتوقف عن شراء السيارات بغية تعويض ما قد صرف من رأس المال، ولا أخفي أنني صرفت جزءًا كبيرًا من رأس المال في مفسدة وفي معصية الله سبحانه وتعالى علوًّا كبيرًا، وآخر ما في الأمر بعت جزء من السيارات بخسارة  ( 11000 ريالًا ) ، هذا والله على ما أقول شهيد، وهاجرت إلى دولة أوربية منذ سنتين وعملي لا يكفيني مصاريفي الخاصة.

ماذا أفعل والرجل في انتظار أن أسدد له، وهناك أيضًا مبلغ ( 12000 ريالا ) دين علي من بعض الأصدقاء من بلدي ممن يقيمون معي في هذه الدولة وهم يعرفون حقيقة الظروف الصعبة التي مررت بها.

أفيدوني جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الجواب

الحمد لله

الواجب عليك – أخي – التوبة إلى الله تعالى؛ وذلك بسبب تفريطك في الأمانة، وتعديك على أموال الناس بالباطل، وكذا بسبب المعصية التي ذكرتَ في سؤالك، ومن شروط التوبة الصادقة: الإخلاص، والندم والعزم على عدم العود إلى هذه المعصية.

هذا، ولْتعلم أن حقوق الناس لا يكفي فيها ما ذكرناه من شروط التوبة حتى تُرجع الحقوق إلى أهلها.

* قال القرطبي:

قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو إما أن يكون حقًّا لله أو للآدميين …, فإن كان الذنب من مظالم العباد: فلا تصح التوبة منه إلا بردِّه إلى صاحبه والخروج عنه – عيناً كان أو غيره – إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادرًا: فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه, … ولا يصر العبد على الذنب, … والإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه، ومنه صر الدنانير أي: الربط عليها؛ وقال قتادة: الإصرار: الثبوت على المعاصي.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 199 ، 200 ).

وقد وقع منك تفريط في حفظ الأمانة، وخيانة لها بعد ذلك، وفي ذلك من الوعيد ما يجب عليك أن تقف عليه وينبغي لنا أن نحذرك من مغبة الاستمرار عليه.

عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر “.

رواه البخاري ( 34 ) ومسلم ( 58 ).

ونرجو أن لا تكون نيتك منذ بداية العمل أن تأخذ المال لنفسك، وإلا فأنت معرَّض لوعيد شديد آخر، ونبشرك أنك إن لم تكن كذلك: فإن الله سيسهل لك أمرك ويفرج عنك كربك، ويفتح عليك لتؤدي ديْنك، أو يؤدي عنك في الآخرة.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله “. رواه البخاري ( 2257 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

إذا نوى الوفاء مما سيفتحه الله عليه: فقد نطق الحديث بأن الله يؤدي عنه إما بأن يفتح عليه في الدنيا, وإما بأن يتكفل عنه في الآخرة, فلم يتعين التقييد بالقدرة في الحديث …

قوله: ” أتلفه الله ” ظاهره أن الإتلاف يقع له في الدنيا، وذلك في معاشه أو في نفسه، وهو علَم من أعلام النبوة؛ لما نراه بالمشاهدة ممن يتعاطى شيئًا من الأمرين, وقيل: المراد بالإتلاف عذاب الآخرة, قال ابن بطال: فيه الحض على ترك استئكال أموال الناس, والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة, وأن الجزاء قد يكون من جنس العمل …

وفيه: الترغيب في تحسين النية, والترهيب من ضد ذلك, وأن مدار الأعمال عليها. ” فتح الباري ” ( 5 / 54 ).

فالذي ننصحك به الآن أن تنوي بصدق أداء ما عليك من مال تجاه أصحاب الحقوق، وأن تكتب بعد صدق النية لأهل الحقوق تعتذر لهم عن تقصيرك وتأخرك، وتعدهم بالسداد، وأن تعمل قدر استطاعتك أعمالاً مشروعة مباحة، وأبشر بفتح من الله وإعانة.

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة