ما الفرق بين إرادة الله ومشيئته؟

السؤال

أريد أن أسأل عن الفرق بين إرادة الله ومشيئته؟

الجواب

الحمد لله

الإرادة إرادتان: كونية قدرية، وشرعية دينية، والمشيئة قسم واحد وهي المشيئة الكونية القدرية، وهي بمعنى الإرادة بقسمها الأول، وفيما يلي تفصيل ذلك من كلام أهل العلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

الإرادة في كتاب الله تعالى نوعان: إرادة خلقية قدرية كونية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية الدينية: هي المتضمنة للمحبة والرضا، والكونية: هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، كقول المسلمين: ” ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن “، وهذا كقوله تعالى: ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء ) [ الأنعام / من الآية 125]، وقوله عن نوح: ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ) [ هود / الآية 34 ].

فهذه الإرادة تعلقت بالإضلال والإغواء، وهذه هي المشيئة، فإن ما شاء الله كان، ومنها قوله: ( ولكن الله يفعل ما يريد ) [ البقرة / من الآية 253 ] أي: ما شاء خلقه لا ما يأمر به.

وقد يريد بالإرادة: المحبة، كما يقال لمن يفعل الفاحشة: هذا فَعَل ما لا يريده الله تعالى، وقد يريد المشيئة كما يقولون لما لم يكن: هذا لم يرده الله.

وأما الدينية: فقول الله: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [ البقرة / من الآية 185 ]، وقوله: ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا ) [ النساء / الآية 26 – 28 ]، وقوله: ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) [ المائدة / من الآية 6 ]، وقوله: ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا ) [ الأحزاب / من الآية 33 ].

فهذه الإرادة في هذه الآيات ليست هي التي يجب مرادها كما في قوله: ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام )، وقول المسلمين: ” ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن “، بل هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: ” هذا يفعل ما لا يريده الله ” أي: لا يحبه، ولا يرضاه، ولا يأمر به.

” منهاج السنة ” ( 3 / 16 ، 17 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومشيئة الله: هي إرادته الكونية، وهي نافذة فيما يحبه وما لا يحبه، ونافذة على جميع العباد بدون تفصيل، ولابد من وجود ما شاءه بكل حال، فكل ما شاء الله وقع ولا بد، سواء كان فيما يحبه ويرضاه أم لا. ” شرح العقيدة الواسطية ” ( 1 / 215 ).

وقال:

أقسام الإرادة: الإرادة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: إرادة كونية: وهذه الإرادة مرادفة تمامًا للمشيئة، فـ ( أراد ) فيها بمعنى ( شاء )، وهذه الإرادة:

أولا: تتعلق فيما يحبه الله وفيما لا يحبه.

وعلى هذان فإذا قال قائل: هل أراد الله الكفر؟ فقل: بالإرادة الكونية نعم أراده، ولو لم يرده الله عز وجل ما وقع.

ثانيًا: يلزم فيها وقوع المراد، يعني: أن ما أراده الله فلا بد أن يقع، ولا يمكن أن يتخلف.

القسم الثاني: إرادة شرعية: وهي مرادفة للمحبة، فـ ( أراد ) فيها بمعنى ( أحب )، فهي:

أولًا: تختص بما يحبه الله، فلا يريد الله الكفر بالإرادة الشرعية ولا الفسق.

ثانيًا: أنه لا يلزم فيها وقوع المراد، بمعنى: أن الله يريد شيئاً ولا يقع، فهو سبحانه يريد من الخلق أن يعبدوه، ولا يلزم وقوع هذا المراد، قد يعبدونه وقد لا يعبدونه، بخلاف الإرادة الكونية.

فصار الفرق بين الإرادتين من وجهين:

  1. 1. الإرادة الكونية: يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية: لا يلزم.
  2. 2. الإرادة الشرعية: تختص فيما يحبه الله، والكونية: عامة فيما يحبه وما لا يحبه.

فإذا قال قائل: كيف يريد الله تعالى كوناً ما لا يحبه، بمعنى: كيف يريد الكفر أو الفسق أو العصيان وهو لا يحبه؟!.

فالجواب: أن هذا محبوب إلى الله من وجه، مكروه إليه من وجه آخر، فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة، مكروه إليه لأنه معصية.

ولا مانع من أن يكون الشيء محبوباً مكروهًا باعتبارين، فها هو الرجل يقدم طفله الذي هو فلذة كبده وثمرة فؤاده، يقدمه إلى الطبيب ليشق جلده ويخرج المادة المؤذية فيه، ولو أتى أحد من الناس يريد أن يشقه بظفره – وليس بالمشرط – لقاتله، لكن هو يذهب إلى الطبيب ليشقه، وهو ينظر إليه، وهو فرح مسرور، يذهب به إلى الطبيب ليحمي الحديد على النار حتى تلتهب حمراء، ثم يأخذها ويكوي بها ابنه، وهو راض بذلك، لماذا يرضى بذلك وهو ألم للابن؟ لأنه مراد لغيره للمصلحة العظيمة التي تترتب على ذلك. ” شرح العقيدة الواسطية ” ( 1 / 222 – 224 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة