متى تصح التورية؟ وما هي الضرورة فيها؟
السؤال
متى تصح التورية؟ وإذا كانت للضرورة فقط فما المعتبر في الضرورة؟
الجواب
الحمد لله
– التورية لغةً هي: إخفاء الشيء، من وَرَّى يُوَرِّي تَوْرِيَةً.
قال الله عَزَّ و جَلَّ: { فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } [ المائدة / 31 ].
و قال عَزَّ من قائل: { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } [ الأعراف / 26 ].
وأما معناها الاصطلاحي فهو: أن يقول القائل كلامًا يظهر منه معنى يفهمه السامع ولكن يريد منه القائل معنى آخر، كأن يقول له ليس معي درهم في جيبي فيُفهم منه أنّه ليس معه أي مال أبدًا، ويكون مراده أنه لا يملك درهماً لكن يملك دينارًا مثلًا.
وتُعد التورية من الحلول الشرعية لتَجَنُّب حالات الحرج التي قد يقع الإنسان فيها عندما يسأله أحدٌ عن أمرٍ وهو لا يريد إخباره بالواقع من جهة، ولا يريد أن يكذب عليه من جهة أخرى.
وتصح التورية من القائل إذا دعت الحاجة أو المصلحة الشرعية لها، ولا ينبغي أن يكثر منها بحيث تكون ديدنًا له، ولا أن يستعملها لأخذ باطل أو دفع حق.
* قال النووي:
قال العلماء: فإن دعَت إلى ذلك مصلحة شرعيَّة راجحة على خداع المخاطب، أو دعت إليه حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب: فلا بأس بالتعريض، فإن لم تدع إليه مصلحة ولا حاجة: فهو مكروه وليس بحرام، فإن توصل به إلى أخذ باطل أو دفع حق فيصير حينئذ حرامًا، وهذا ضابط الباب. ” الأذكار ” ( ص 380 ).
– وهذا فصل حول التورية من كتاب ” ماذا تفعل في الحالات الآتية؟ “:
إذا أحدث الرجل في صلاة الجماعة فماذا يفعل في هذا الموقف المحرج؟.
الجواب: عليه أن يأخذ بأنفه فيضع يده عليه ثم يخرج.
والدليل: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف ” – سنن أبي داود ( 1114 )، وهو في “صحيح سنن أبي داود ” ( 985 ).
قال الطيبي: أمر بالأخذ ليخيل أنه مرعوف، وليس هذا من الكذب، بل من المعاريض بالفعل، ورُخِّص له في ذلك لئلا يسوِّل له الشيطان عدم المضي استحياء من الناس ا.هـ ” مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 3 / 18 ).
وهذا من التورية الجائزة والإيهام المحمود رفعًا للحرج عنه، فيظن من يراه خارجًا بأنه أصيب برعاف في أنفه …
إذا واجه المرء المسلم ظروفًا صعبة محرجة يحتاج فيها أن يتكلم بخلاف الحقيقة لينقذ نفسه، أو ينقذ معصومًا، أو يخرج من حرج عظيم، أو يتخلص من موقف عصيب: فهل من طريقة غير الكذب ينجو فيها من الحرج ولا يقع في الإثم؟.
الجواب: نعم توجد طريقة شرعية ومخرج مباح يستطيع أن يستخدمه عند الحاجة ألا وهو ” التورية ” أو ” المعاريض “، وقد بوَّب البخاري – رحمه الله – في صحيحه ” باب المعاريض مندوحة عن الكذب ” – صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ( 116 ) -.
والتورية هي الإتيان بكلام له معنى قريب يفهمه السامع ومعنى آخر بعيد يقصده المتكلم تحتمله اللغة العربية ويشترط أن لا يكون فيها إبطال حق ولا إحقاق لباطل، وفيما يلي التوضيح بأمثلة من المعاريض التي استخدمها السلف والأئمة أوردها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ” إغاثة اللهفان “:
ذكر عن حماد رحمه الله أنه إذا أتاه من لا يريد الجلوس معه قال متوجعًا: ضرسي، ضرسي، فيتركه الثقيل الذي ليس بصحبته خير.
وأحضر سفيان الثوري إلى مجلس الخليفة المهدي فاستحسنه، فأراد الخروج فقال الخليفة لا بد أن تجلس فحلف الثوري على أنه يعود فخرج وترك نعله عند الباب، وبعد قليل عاد فأخذ نعله وانصرف فسأل عنه الخليفة فقيل له أنه حلف أن يعود فعاد وأخذ نعله.
وكان الإمام أحمد في داره ومعه بعض طلابه منهم المروذي فأتى سائل من خارج الدار يسأل عن المروذي والإمام أحمد يكره خروجه فقال الإمام أحمد: ليس المروذي هنا وما يصنع المروذي ها هنا وهو يضع إصبعه في كفه ويتحدث لأن السائل لا يراه.
* ومن أمثلة التورية أيضًا:
لو سألك شخص هل رأيت فلانًا وأنت تخشى لو أخبرته أن يبطش به فتقول ما رأيته وأنت تقصد أنك لم تقطع رئته وهذا صحيح في اللغة العربية أو تنفي رؤيته وتقصد بقلبك زمانًا أو مكانًا معينًا لم تره فيه، وكذلك لو استحلفك أن لا تكلم فلانًا: فقلت: والله لن أكلمه، وأنت تعني أي لا أجرحه لأن الكلم يأتي في اللغة بمعنى الجرح. وكذلك لو أرغم شخص على الكفر وقيل له اكفر بالله، فيجوز أن يقول كفرت باللاهي. يعني اللاعب. إغاثة اللهفان: ابن القيم 1/381 وما بعدها 2/106-107، وانظر بحثًا في المعاريض في الآداب الشرعية لابن مفلح 1/14. هذا مع التنبيه * هنا أن لا يستخدم المسلم التورية إلا في حالات الحرج البالغ ولذلك لأمور منها:
– أن الإكثار منها يؤدي إلى الوقوع في الكذب.
– فقدان الإخوان الثقة بكلام بعضهم بعضًا لأن الواحد منهم سيشك في كلام أخيه هل هو على ظاهره أم لا؟.
– أن المستمع إذا اطلع على حقيقة الأمر المخالف لظاهر كلام الموري ولم يدرك تورية المتكلم يكون الموري عنده كذابًا وهذا مخالف لاستبراء العرض المأمور به شرعًا.
– أنه سبيل لدخول العجب في نفس صاحب التورية لإحساسه بقدرته على استغفال الآخرين.
” ماذا تفعل في الحالات الآتية؟ “.
والله أعلم.


