مشكلة تربوية في دار لرعاية الأيتام

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
فقد قمنا بزيارة لدار الأيتام قسم البنات بالرياض، ووجدنا فيه من المنكرات ما الله أعلم بها، لكن للأسف الشديد أن المديرة والمشرفات على هذه الدار لم يحاولن تغيير أي منكر فيه لا أعلم لماذا؟ هل هي قناعة منهن بما يلبسن ويشاهدن؟ لا أعلم، لكن بعد التقصي علمنا أن المديرة السابقة لهذا الدار حاولت منع الهاتف إلا في حالات ضرورية بعد أن تعودت كل واحدة منهن المحادثة في الهاتف لمدة طويلة فأدى ذلك إلى قيام بعض البنات بأعمال تعلمنها من البث المباشر عندهن في الدار، مثل أن تجرح يدها حتى تنزف إلى أن تموت، وغير ذلك، فقد يكون هذا رد فعل عكسي للإدارة.
سؤالي هو:
ما الطريقة السليمة لإعادة الكل للوجهة الصحيحة؟ علمًا بأنه من السهل التحكم بجميع المؤثرات التي تحيط بالبنات بخلاف أي بنت خارج هذا الدار فقد تصاحب أحدًا لا علم لأهلها بأخلاقها لكن من غير أضرار.
من السهل علي الاتصال بالمسؤولين لكن في النهاية تظهر أوامر صارمة بدون مراعاة للتمهيد، فمثلًا يتم أخذ الهاتف والبث المباشر والفيديو من كل شقة، لذا أردت استشارتكم، فهؤلاء أيتام.
علما بأن:
– كل شقة تحتوي على هاتف وجهاز للتحكم بالقنوات وفيديو دون رقابة.
– أعمار الفتيات من 3 سنوات إلى 23 سنة.
– نادرًا ما تجد منهن واحدة تلبس ثوبًا محتشمًا.
– تتبرع بعض الأخوات برعاية أربع فتيات في شقة واحدة لمدة أربع ساعات يوميًّا ( تقوم بدور الأم ).

الجواب

الحمد لله

أوجب الله تعالى على من علم منكرًا أن ينكره بحسب القدرة والاستطاعة .

عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان “.

رواه مسلم ( 49 ).

وأوجب النصيحة، وحذَّر من غش الرعية سواء كانت الولاية عامة أم خاصة، فالحاكم والوالي والوصي والولي وكل من استرعاه الله رعيَّة يجب عليهم بذل النصح وعدم غش رعيتهم، وقد توعدهم الله تعالى بالنار إن هم تركوا النصح وغشوا.

عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يُحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة “.

وفي لفظ:

” ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة “. رواهما البخاري ( 6731 ) و ( 6732 ) ومسلم ( 142 ).

ووعد الله تعالى كافل باليتيم بأن يكون رفيق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة، وهو ثواب جزيل، وأجر عظيم، وليست كفالة اليتيم هي توفير الطعام والشراب واللباس لهم فقط، بل الأهم من ذلك كله تربيتهم تربية إسلامية وتوجيههم نحو الالتزام بشرع الله تعالى، فإصلاح دينهم وقلوبهم أعظم بكثير من إصلاح أجسادهم.

عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ” – وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما شيئًا -. رواه البخاري ( 4998 ). ومسلم (2983) نحوه من حديث أبي هريرة.

فالإسلام لم يتخل عن تربية الطفل اليتيم الذي فقد أباه، فقد تكفل بتربيته بحثه المسلمين على كفالتهم، والوعد بالأجر والفضل والجزاء بالجنة لمن سعى على تربيتهم، وهذا يبيِّن حرص الإسلام على تربية الأطفال التربية الصحيحة لينجوا بهم من مغبة التشرد والفتنة.

والأصل في الإدارة التي وُكلت بالقيام على شئون اليتيمات – بل وغيرها من الولايات – أن تكون متصفة بالقوة والأمانة، كما قال الله تعالى { إن خير من استأجرت القوي الأمين } فقد بيَّنت الآية أهم صفات وسمات ومميزات القائد وخاصة في المجال التربوي، فالقوة – في الشخصية والعلم – في غير عنت ولا مشقة شرط أساسٌ وكبير لنجاح وصلاح العمل، والضعيف وقليل الخبرة وقاصر التجربة وضعيف التأهيل يضعف العمل.

والأمانة شرط أساس كذلك، فالرعية أمانة عند من استرعاه الله إياها، فيجب أن يكون أمينًا عليها فلا يدلها إلا على الخير، ولا يوجهها إلا إلى ما ينفعها.

ومن الصفات الواجب توافرها في إدارة العمل التربوي العلم والحفظ، قال الله تعالى – عن يوسف عليه السلام -: { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم }، فما أحوج القيادة التربوية والإدارية إلى هاتين الصفتين.

وعلى ضوء ما سبق يمكننا معرفة سبب الأخطاء الموجودة في تلك الدار، ومعرفة سبل إصلاحها، فضعف الشخصية وضعف القرار سببه تخلف صفة ” القوة “، والتسيب وترك المنكرات كما هي بل وتزيد سببه انعدام ” الأمانة ” و ” الحفظ “، وعدم التمييز بين الخطأ والصواب، أو عدم معرفة شر الشرين وخير الخيرين سببه قلة ” العلم ” بالشرع أو انعدامه.

وأداء الأمانة على وجهها الصحيح يكون بتربية هؤلاء اليتيمات التربية الإسلامية الصحيحة منذ الصغر، وغرس المبادىء الأخلاقية التي تعصمها من الزلات، خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن والمغريات، وخاصة بالنسبة للمرأة والتي يزينها شياطين الجن والإنس الذين يريدون إفساد المرأة المسلمة وفتنتها عن دينها.

* والذي ننصح به هو:

كتابة تقرير مفصَّل في التسيب الموجود في تلك الدار، وأن يكون في التقرير طرق علاج تلك الأخطاء، وأن تطلعوا بعض العلماء عليه لإقرار ما فيه، ورفع هذا التقرير إلى المسئولين إبراءً لذمتكم، وعسى الله تعالى أن يوفِّق المسئولين لإصلاح الأخطاء، والتوجيه نحو الصواب.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة