وصايا ونصائح وأصول في قبول الحق وتقليد العلماء وتقديم النقل على العقل.

السؤال

كيف أرد على من يقول: صحيح أن النقل مقدم على العقل ولكن ليس كل تفسير للنقل هو المقصود، ويقول – على سبيل المثال -: أثبت لي أن المقصود بلهو الحديث في القرآن معناه عند الله الغناء، وقلت: إن ابن مسعود أقسم أنه الغناء، قال: كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرى أننا لو أخذنا بكل ما يقول العلماء واستسلمنا له كتحريم إدخال الدش للبيت فإننا سنتأخر عن الركب، ولا نعرف الواقع، وأن في هذا خطرًا على الأبناء إذا كبروا وتمكنوا من أخذ الحرية فسيحسون أنهم مكبوتون وسيدمنون عليه ويتأثرون به، ولا يمكن أن يقتنع بحرمة السفر للدول الكافرة من أجل السياحة، وإذا استشهدت بحديث ” أنا بريء ممن يعيش بين ظهراني المشركين ” قال: أكيد أن له مناسبة خاصة ولا أعتقد أن تفسيره يعني تحريم السفر لبلادهم، ويرى التسهيل وعدم التشدد، ولا يقتنع أحيانًا بحرمة بعض الأشياء التي انغمس الناس فيها وأصبحت عادة، ولا سيما إذا كان المجتمع قد تعود عليها، ودائمًا يكرر قد يكون هناك أقوال أخرى للعلماء وتفسيرات أخرى للأدلة فلا تجبرونا على الأخذ بما يرونه علماؤنا في السعودية فقط، كالحجاب، وقيادة المرأة للسيارة، والاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه لا يفعل ذلك ولا يحبه، وعلى هذا قس، يقول لي : أرجو أن تبحث في هذا الموضوع، هل رؤية المرأة في الأخبار لغير شهوة محرم؟ هل سماع الموسيقى في مقدمة أي برنامج أو في بداية الأخبار محرم؟ الرجل محب للخير يخشى الوقوع في الحرام، محافظ على الصلاة، يتضايق عندما يهاجم الصالحون عبر وسائل الإعلام، يؤمن بأن النقل يجب أن يقدم على العقل، ذكي، عقليته فذة، مجتهد، مخلص في أداء عمله، صاحب خلق عالي، ليس علمانيا، ويدعو لاحترام العلماء، الرجل يقبل الحوار، وعجزت أن أقنعه، فأرجو الإجابة الشافية، وأرجو وصف حالته وتشخيصها لأعرف ما هو داؤه؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إن مما يتميز به المسلم المتبع على الحقيقة للشرع أنه لا يقدم هواه وعاداته على شرع الله تعالى، ولا يقدِّم كلام أحدٍ من الناس على حكم الشرع إذا كان ثمة مخالفة بينهما.

والحق الذي أنزله الله تعالى ليس تبعًا لأهوائنا، وأحكام الله كلها عدل، وفيها الحكمة البالغة، لكن أهل الأهواء لا يفقهون هذا، وتريد كل طائفة أن تلوي النصوص حتى تتوافق مع هواها سواء في بدعة أو في معصية.

ثانيًا:

قد أوصى الأئمة رحمهم الله أن لا نقدم قولهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قالوا: ” كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد عليه ” لكن لا نرد عليه بهوانا، ولا بمصلحة شخصية، ولا بحديث ضعيف أو موضوع، بل نرد عليه إذا جاءنا الحكم من الله تعالى ورسوله وعلمنا أن كلام الإمام والعالِم يخالفه، وكما ترى فإننا نرده بفهم آخر من عالِم آخر، فلا غنى للمسلم المتبع عن أهل العلم، فهم الذي أوصلوا نصوص الوحيين وهم الذي أفهمونا مراد الله ورسوله فيهما.

ثالثًا:

ولسنا نقدِّم كلام علماء المملكة العربية السعودية على غيرهم، بل نقدِّم كلام من يوافق الكتاب والسنة ويستدل بهما على الأحكام الشرعية، سواء كان شاميًّا أو عراقيًّا أو هنديًّا، فالعبرة عندنا بمن كان منهجه في الاستدلال والاستنباط مؤصلًا تأصيلًا سليمًا، وليس في دين الله تعالى مثل هذه العنصرية أو الإقليمية، فبلاد المسلمين واحدة، وعلماء المسلمين لا يقربهم من الحق سكناهم في بلاد معينة، ولا يباعدهم عن الحق حملهم لجنسية أعجمية، وإذا أردت أن تعرف أهل الحق والعدل والإنصاف فانظر لأهل العلم الربانيين ومنهم أهل الحديث كيف لم تؤثر فيهم مثل هذه الجاهليات، فالإمام أحمد عراقي، والإمام البخاري من بخارى، وشيخ الإسلام ابن تيمية من الشام، فمن أين يأخذ القوم إلا من هؤلاء وأمثالهم!؟.

فنرجو من صاحبك أن لا تؤثر فيه تقسيمات المستعمرين لبلاد الإسلام، وأن يخلي قلبه من الهوى والغيظ على علماء الإسلام في أي قطر كانوا، وليكن الحق رائده حتى يوفقه الله تعالى ويدله على الصراط المستقيم، والذي حُرمه الكثيرون ممن يتخبطون في العقيدة والحديث والفقه، فالهداية نعمة عظيمة، حرمها الكثيرون ووفِّق إليها القليلون.

رابعًا:

ليس المهم أن يرى  صاحبك جواز الإقامة في بلاد الكفار، أو يقول بجواز الغناء، أو يرجح عدم وجوب تغطية المرأة وجهها وغير ذلك من المسائل، بل المهم هو: كيف وصل لهذه النتائج؟ هل اتقى الله تعالى وراقبه في استدلالاته وترجيحاته؟ هل سلك سبل أهل العلم في طرق الرواية والدراية؟ هل راقب الله تعالى وهو يوقع عنه بحل شيء أو حرمته؟.

قد اختلف أهل العلم السابقين في مسائل كثيرة، بل قلَّ ما اتفقوا على حكم، لكن هل قدموا هواهم فيما اختلفوا فيه؟ هل قدموا عادات بلدانهم وأهواء حكامهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ رأى بعضهم تحريم معاملة ورأى غيره حلَّها، ولم يوجب ذلك اتهامًا ولا طعنًا لأحدهما؛ وما ذلك إلا لأنهم يسعوْن لمعرفة الحق والصواب ويتحرون الدليل الصحيح، وهذا ما أداهم إليه اجتهادهم، لذا كان للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد.

خامسًا:

ونحن نعلم أن ما نذكره في أجوبتنا يوجد من يخالف فيه من أهل العلم، لكننا نعلم أننا أمام أصنافٍ ثلاثة من الناس:

الأول: مجتهد، ومثل هذا يعلم أنه قد اختلف أهل العلم فيما نقوله، بل وفيما هو أعظم منه، وهو يعلم أسباب اختلاف العلماء، فمثله يعذر ولا يثرِّب.

الثاني: طالب علم، يسمع الأقوال، ويرى اختلاف الأحكام، وعنده قدرة على النظر والترجيح بينهما بما آتاه الله من علم وبصيرة، وهذا أيضًا يعذر ولا يثرِّب.

والثالث: عامي، وهذا لا يستطيع أن يفرق بين الأقوال الضعيفة والقوية، ولا يستطيع تمييز الحديث الصحيح من غيره، فمثل هذا يجب عليه أن يقلِّد أعلم الناس وأتقاهم في نظره.

– فمن أي أصناف الناس الثلاثة صاحبك؟.

سادسًا:

والمسائل الشرعية منها ما هو قطعي ومنها ما هو ظني، فالقطعي لا يجوز لأحدٍ أن يخالف فيه، والظني هو مسرح الاجتهاد ومجال الأخذ والرد، ونحن إن أنكرنا على أحد بقوة فإنما نفعل ذلك إذا رأيناه ينازع في ثوابت الدين من العقيدة الصحيحة والأحكام القطعية، كمن أراد إلغاء أحكام الردة ورفع الرجم عن الزاني المحصن وغير ذلك من المسائل.

ومن الأحكام التي يتبناها أهل العلم ما يكون مباحًا في نفسه لكنهم يمنعون منه لما يؤدي تطبيقه وفعله إلى مفاسد متعددة، ومثل ذلك قيادة المرأة للسيارة، فنحن نعلم أنها مباحة في نفسها لكن القول بجوازها سيشمل جميع فئات النساء وأعمارهن على اختلاف دينهن وعدالتهن وأخلاقهن، فكيف ستضبط الأمور إذا نفِّذ وطبِّق هذا الأمر؟ فقول من منع لما تؤديه القيادة من مفاسد قول وجيه له أصول من الكتاب والسنة.

وسعي علمائنا في تربية الأمة على العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة أمرٌ يُشكرون عليه، والناظر في الأطباق الفضائية وما تجنيه الأسر من وراء برامجها وأفلامها وندواتها بل وبرامجها الدينية يرى أمورًا عظامًا، فأين هي الأخلاق والعادات الحميدة في تلك الفضائيات، وهل تظن أن قول ” مباح ” للأمة أمر سهل حتى يتجرأ عليه علماؤنا فيساهموا في تدمير أسر بأكملها حتى لا يقال إنهم كبتوا المسلمين وأخروهم؟ والذي يرى علماء الأمة الثقات الأثبات يرى أنهم على اطلاع وافر على أحوال المسلمين وعلى أخبار العالَم من غير ضرورة النظر في المحرمات وسماعها، ويرى أبناءهم على علم وخلق ودراية بأحوال الناس من غير ضرورة تعلم ذلك من الأفلام والتمثيليات الهابطة، فطرق التعلم الشرعية كثيرة، والأمة الإسلامية كانت بأحسن حال من حيث الأخلاق والسلوك قبل مجيء هذه الفضائيات الهابطة.

فلك أن تقول للناس: أجلبوا هذه القنوات لبيوتكم، ولا تكبتوا أبناءكم وبناتكم عن الاستمتاع بمشاهدة الممثلين واللاعبين والمصارعين، ولك أن تحثهم على قضاء الأوقات على تمثيليات الحب والغرام، لكن ليس لك أن تنتقد من أراد الحفاظ على هوية الأمة وأخلاقها واعتقادها.

وأخيرًا:

نسأل الله أن يهدي صاحبك لما فيه الخير، وأن يريه الحق حقا ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا ويرزقه اجتنابه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة