أيهما يقدِّم الزواج أم الجهاد؟
السؤال
شيخنا الفاضل
أشكر لكم مثل هذه المواقع، والتي تعرف الناس بدينهم، وأود من فضيلتكم الإجابة على سؤالي، بارك الله فيكم.
إني بين أمرين، وأود منكم توجيهي، في هذه الأيام أفكر بالزواج، وكذلك أفكر بالجهاد، مع العلم إني لا أعلم مكانًا للجهاد حتى أجاهد فيه، وكما تعلمون أن الجهاد في أفغانستان أو في أي مكان غير متاح الآن، وكذلك أفكر في الزواج وأنا لأملك المال الكافي للزواج، وقد يتيسر لمن اجتهد في طلب الزواج، فماذا أفعل؟ هل أستعين بالله وأخرج إلى أرض الله للجهاد والبحث عن مواقعه ومواقع المجاهدين عن الإسلام الحق أم أركن إلى الدنيا وزخرفها وأطلب الزواج والعيش بها؟ أفيدونا مأجورين.
الجواب
الحمد لله
ليس هناك تعارض بين الزواج والجهاد، وقد كان المجاهدون يتزوجون قبل ذهابهم إلى الجهاد أو في أرض المعركة، ولم يكن الزواج ليصدهم عن الجهاد.
وها هو النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج تسع نسوة، وكان سيد المجاهدين وإمامهم ومقدَّمهم، وكذا كان أصحابه.
وما الذي يمنع المسلم من زواجه حتى لو كان ينوي الذهاب إلى الجهاد؟ إذا كان الذي يمنعه هو الموت هناك فهو مخطئ فكم من المجاهدين لم يموتوا في أرض المعركة وماتوا بين ظهراني أهليهم؟ فلا الذهاب إلى الجهاد يعجل بالأجل، ولا التأخر عنه يباعد منه.
وإذا كان الذي يمنعه هو تركها بلا زوج، فنقول { فالله خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين }، ويمكن للمرأة أن تتزوج غيره لو قدَّر الله عليه الموت، وها هو حنظلة – رضي الله عنه – يخرج إلى الجهاد في ليلة عرسه، فيقتل شهيدًا، وغسَّلته الملائكة، فلم يمنعه حبُّ الجهاد ورغبته فيه من أن يتزوج بل أن يخرج قبل اغتساله فيفوز في تلك المنقبة.
ونقول أيضًا:
ليس الجهاد بابًا واحدًا فقط وهو جهاد الكفار، بل هناك جهاد الشيطان، وجهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد أهل البدع، وجهاد برّ الوالدين، فإذا أغلق عليك باب فثمَّة أبواب كثيرة، وخاصة أنك تقول إن الذهاب إلى الجهاد غير متيسِّر.
وكل ما سبق ذِكره إنما هو في جهاد الكفاية، فإذا صار الجهاد فرض عينٍ فإنه لا خيار لك، ويجب عليك القتال والجهاد.
وقد فضَّل بعض الفقهاء النكاح على الجهاد؛ وذلك بسبب كونه ” سببًا لوجود الإسلام والمسلم والجهاد سبب لوجود الإسلام فقط “.
* وفي سبب تقديم كتاب النكاح على كتاب الجهاد: قال ابن عابدين:
قدَّمه على الجهاد، وإن اشتركا في أن كلًّا منهما سبب لوجود المسلم والإسلام؛ لأن ما يحصل بأنكحة أفراد المسلمين أضعاف ما يحصل بالقتال، فإن الغالب في الجهاد حصول القتل والذمة. ” رد المحتار ” ( 3 / 4 ).
وللنكاح منافع متعددة، منها:
- أن الله قد امتن به على عباده فقال: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ومودة ورحمة } [ الروم / 21 ].
- أن الزواج من سنن المرسلين فقد ذكر الله عز وجل ذلك عنهم فقال: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلًا إلى قومهم وجعلنا لهم أزواجًا وذرية } [ الرعد / 38 ].
- أنه أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا عامًّا لأمته يخاطب فيه كل شاب: ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ” البخاري ( 1806 ) ومسلم ( 1400 ).
- ومن أهم مقاصد النكاح وفوائده: تحصين النفس، وحمايتها من الوقوع في الفاحشة، وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ” فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج “، وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ” – رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ) – و ” إن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ” – رواه مسلم ( 2742 ) -.
* وقال المروزي:
قال الإمام أبو عبد الله – يعني أحمد بن حنبل -: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أربع عشرة، ومات عن تسع، ولو تزوج بشر ابن حارث لتمَّ أمره، ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو، ولا حج ولا كذا، ولا كذا.
انظر ” الإنصاف ” ( 8 / 13 )، و ” كشاف القناع ” ( 5 / 8 ).
وهذا كله في حال أن لا تتوق نفسه المسلم للزواج ويخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة، فإن كان الأمر كذلك: فإن الزواج يقدم على الجهاد الكفائي بلا ريب، بل ويقدَّم على الحج – وهو من أركان الإسلام – إن كان يتعارض معه.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وإن احتاج الإنسان إلى النكاح وخشي العنت بتركه: قدمه على الحج الواجب، وإن لم يخف: قدَّم الحج، ونص عليه الإمام أحمد في رواية صالح وغيره، واختاره أبو بكر.
وإن كانت العبادات فرض كفاية – كالعلم والجهاد -: قُدِّمت على النكاح إن لم يخش العنت. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 451 ).
* وقال ابن قدامة:
والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح: فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.
الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور: فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وهو ظاهر قول الصحابة رضي الله عنهم، وفعلهم …
القسم الثالث: من لا شهوة له, إما لأنه لم يُخلق له شهوة كالعنين, أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه, ففيه وجهان; أحدهما: يستحب له النكاح; لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلي له أفضل; لأنه لا يحصل مصالح النكاح, ويمنع زوجته من التحصين بغيره, ويضر بها, ويحبسها على نفسه, ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها, ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.
” المغني ” ( 7 / 5 ، 6 ).
والله أعلم.


