سؤال القبر ونعيمه وعذابه لمن احترق أو أكلته السباع

السؤال

حسب علمي فإن والدتي كانت مسلمة، ولكنهم حرقوا جثتها بعد موتها، فكيف سيتم سؤالها في القبر؟ هذا الأمر يقلقني جدًّا فأرجو الإجابة.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الأمر بالنسبة إلى قدرة الله تعالى أيسر مما يظنه السائل، فالله تعالى على كل شيء قدير، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن حالةٍ مشابهة، وفيها أمرُ رجل أولادَه أن يحرقوه بعد موته، وأن يذروا نصفه في البر ونصفه الآخر في البحر، وأن الله تعالى أمر بجمع نصفيه.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له “.

رواه البخاري ( 3294 ) ومسلم ( 2756 ).

فقد يقال إن كل من تفرَّق بدنه بحرق أو بأكل السباع له فإن الله تعالى يجمع بدنه بأمره عز وجل.

ثانيًا:

ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن العذاب والنعيم يقعان على الروح والبدن، وأن الأصل أنهما يقعان على الروح وحدها، وقد يلحق بالبدن نعيم أو عذاب.

لذا فإن السؤال والنعيم والعذاب لا يتعلق بالجسد على كل حال لأنه معرض للفناء، والأصل أنه في ذلك كله للروح، لكن قد يلحق بالبدن شيء منه إلى أن يأذن الله له بالفناء، فإن كان فانيًا أصلًا: فإما أن يأمر الله به فيجمع – كما سبق – وإما أن يقع ذلك كله على الروح وحدها.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن عذاب القبر هل هو على النفس والبدن أو على النفس دون البدن؟ والميت يعذب في قبره حيًّا أم ميتًّا؟ وإن عادت الروح إلى الجسد أم لم تعد: فهل يتشاركان في العذاب والنعيم أو يكون ذلك على أحدهما دون الآخر؟.

فأجاب:

بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعَّم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن …

بل قد ثبت في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة …

فلْيعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعَّمة أو معذَّبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل له معها النعيم والعذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها، وقاموا من قبورهم لرب العالمين.

ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين، واليهود، والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 282 – 284 ).

* قال ابن القيم:

واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب: ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر: وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. ” الروح ” ( ص 58 ).

* وسئل الشيخ ابن عثيمين:

إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر؟.

فأجاب:

نعم، ويكون العذاب على الروح؛ لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمرًا غيبيًّا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فني واحترق لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / السؤال رقم 155 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:

أما من مات بالغرق أو بالحرق أو بأكل السباع: فإن روحه يأتيها نصيبها من العذاب والنعيم، ويأتي جسده من ذلك في البر أو البحر، أو في بطون السباع ما شاء الله من ذلك، لكن معظم النعيم والعذاب على الروح التي تبقى؛ إما منعمة وإما معذبة، فالمؤمن تذهب روحه إلى الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن روح المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، يأكل من ثمارها، والكافر تذهب روحه إلى النار ).

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( / 338 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة