يسأل عن والد النبي عليه السلام وأهل الفترة

السؤال

ماذا كانت ديانة والد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ وما موقف الذين عاشوا في فترة اختفاء المسيحية وقبل ظهور الإسلام: جنة أم نار؟.

الجواب

الحمد لله

اختلف أهل العلم في حكم أهل الفترة، والصواب من أقوالهم: أنهم يختبرون يوم القيامة، فمن أطاع منهم نجا، ومن عصى هلك.

وكان الناس قبل البعثة على الكفر والشرك، وهم من أهل الفترة، لكن قد صح حُكم النبي صلى الله عليه وسلم على بعضهم أنهم في النار، ومنهم والداه: عبد الله وآمنة بنت وهب، وعمرو بن لحي الخزاعي، وتفسير ذلك: أنه علِم ذلك بوحي من الله تعالى باعتبار ما سيكون في الآخرة.

وهذه فتوى مفصلة للشيخ ابن جبرين في حكم المسألتين.

* سئل الشيخ – حفظه الله -:

ورد بأن أهل الفترة يختبرون، وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم حَكَمَ على بعض من مات قبل الرسالة بالنار فعندما سأله رجل عن أبيه فقال: ” أبوك في النار “، ثم قال له: ” إن أبي وأباك في النار “، فكيف حكم عليهم بأنهم من أهل النار مع أنهم ماتوا قبل مجيء الرسالة؟ أليسوا من أهل الفترة؟.

فأجاب:

وردت أحاديث كثيرة في امتحانهم في الدار الآخرة ذكرها ابن كثير في تفسير قوله تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا } [ الإسراء / 15 ]، وابن القيم في كتابه ” طريق الهجرتين ” في الطبقة الرابعة عشرة من طبقات المكلفين.

وأشهرها حديث الأسود بن سريع الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع ، ورجل هرِم، ورجل أحمق، ورجل مات في الفترة “، وفيه: ” فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسِل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا “، ثم رواه عن أبي هريرة وقال في آخره: ” فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها رد إليها “.

ومنها: حديث أبي سعيد الخدري رواه محمد بن يحيى الذهلي والبزار عن عطية العوفي عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: ربّ لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا، ويقول المولود: ربِّ لم أدرك العقل، فترفع لهم نار فيقال لهم: ردوها، قال: فيردها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًّا لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم فكيف لو أن رسلي أتتكم “، وفي رواية البزار: ” فكيف برسلي بالغيب “، قال البزار: لا يعرف إلا من طريق عطية عنه.

ومنها: حديث معاذ بن جبل ذكره عن محمد بن المبارك الصوري، بإسناده عنه مرفوعًا: ” يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ: يا ربِّ لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد مني، وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب عز وجل: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، قال: ولو دخلوها ما ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض، فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، فيقول الرب عز وجل: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار “، وفي إسناده ضعف، لكن يتقوَّى بالشواهد والطرق الأخرى والأحاديث التي ذكرها ابن كثير وغيره.

فهذه الأحاديث بمجموعها تثبت جنس الامتحان في يوم القيامة، حتى لا يعذب الله تعالى من لا يستحق العذاب.

وقد نقل ابن القيم وابن كثير عن ابن عبد البر أنه قال : ” أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب؛ لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها ” اهـ.

* وأجاب ابن القيم بوجوه:

منها: أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها، بل صححوا بعضها، فحديث الأسود رواه أحمد وإسحاق وابن المديني، فهو أجود من كثير من أحاديث الأحكام.

ومنها: أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة، فدل على أنهم عملوا بالأحاديث، وذكر البيهقي في ” الاعتقاد ” له: أن بعض الأئمة نصوا على الامتحان، وقالوا: لا ينقطع إلا بدخول دار القرار.

ومنها: ما في الصحيح: في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وأنه يعطي ربه عهودًا ومواثيق أن لا يسأل غير ما سأل، ثم يسأل، فيقول الله له: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك، فالغدر: مخالفة للعهد الذي عاهد عليه ربه.

ومنها: قوله تعالى: { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } [ القلم / 42 ]، فهو صريح في أن الله يدعوهم إلى السجود في القيامة، وأن الكفار لا يستطيعونه.

إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

فأما الذين جزم لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل النار، فلعله قد اطلع على ذلك كما تقدم أنه رأى عمرو بن لحي يجر قُصبه في النار، أي: أمعاءه؛ لأنه أول من غيَّر دين إبراهيم، وهكذا قوله في حديث ابن مسعود عند أبي داود: ” الوائدة والموؤدة في النار “، وفي رواية: ” إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم “، ذكره ابن كثير، وقال: إسناده حسن.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة