هل تصدر المعصية من المسلم الذي تظهر عليه الهداية؟

السؤال

هل يمكن أن نتخيل أن الأشخاص الذين رزقهم الله التقوى والهداية أن يكونوا كاملين ولا يقترفون المعاصي التي اعتادوا على فعلها أيام الجاهلية؟

إذا حصل أنهم وقعوا في المعصية بعد عدة أشهر أو سنوات وأطاعوا شهواتهم فهل هذا يعني أن فضل الله عليهم قد توقف وأنه يجب أن يسأل الله أن يقبضه إليه؟

بالتأكيد فإن الذنب أمر يكرهه الله، فكيف لشخص يصلي الصلوات الخمس ويجلس مع الصالحين في المسجد أن يري الله وجهه مرة أخرى؟ وكيف ينظر للوجوه المضيئة من أصدقائه وهو يعلم بأنه اقترف ذنبًا في السر ويعتبر منافقًا إذا ذهب للصلاة في المسجد؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا :

وقوع الذنب والمعصية من المؤمن المهتدي أمر ممكن، بل هو حاصل، ولا يكاد يخلو المؤمن من ذنب يقترفه، أو معصية يفعلها.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم “.

رواه مسلم ( 2749 ).

وعنه – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا أدرك ذلك لا مَحالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك كله ويكذبه “.

رواه البخاري ( 5889 ) ومسلم ( 2657 ).

* قال ابن رجب الحنبلي:

قال [ عمر بن عبد العزيز ]: ” أيها الناس مَن ألمَّ بذنبٍ فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك في الإصرار عليها “.

ومعنى هذا: أن العبد لا بد أن يفعل ما قدِّر عليه من الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كُتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة… ” ولكن الله جعل للعبد مخرجًا مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة والاستغفار، فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب، وإن أصر على الذنب هلك.

” جامع العلوم الحِكَم ” ( 1 / 165 ).

ثانيًا:

ولا يُقال إن فضل الله تعالى توقف عن العاصين لأنهم وقعوا في الذنب، ففضل الله تعالى عظيم، وإذا كان بعضهم قد استجاب لشهوته ونزوته فوقع في المعصية : فقد يكون الله تعالى قد عصمه عن الوقوع فيما هو أكبر وأعظم منها.

وتوفيق الله تعالى هؤلاء العاصين للتوبة والاستغفار والرجوع عن الذنب هو من عظيم فضل الله تعالى عليهم.

وقد يصبح حال هذا العاصي بعد توبته واستغفاره أعظم منه قبل فعله لتلك المعصية، فيكون توفيق الله له للعمل الصالح والزيادة من الطاعات هو من عظيم فضل الله تعالى كذلك.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وقد علم تحقيق قوله: { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك }: فما أصابه من الحسنات هي نعم الله فتقتضي شكرًا، وما أصابه من المصائب فبذنوبه تقتضي تذكرًا لذنوبه يوجب توبة واستغفارًا، وقد جعل الله الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكَّر فيتوب ويستغفر من ذنوبه، أو أراد شكورًا لربه على نعَمه، وكل ما يفعله الله بالعبد من نعمة، وكل ما يخلفه الله فهو نعمة الله عليه، فكلما نظر إلى ما فعله ربه: شكَر، وإذا نظر إلى نفسه: استغفر، والتذكر قد يكون تذكر ذنوبه وعقاب ربه، وقد يدخل فيه تذكر آلائه ونعَمه فإن ذلك يدعو إلى الشكر، قال تعالى: { اذكروا نعمة الله عليكم } في غير موضع، فقد أمر بذكر نعمه، فالمتذكر يتذكر نعَم ربه ويتذكر ذنوبه. ” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 187 ، 188 ).

ثالثًا:

ولا يتمنى المسلم أن يقبضه الله تعالى بسبب ذنب يقترفه، بل يتمنى أن يقبضه على أحسن حال، وليس هذا الحال هو الأحسن، بل الأحسن منه أن يتمنى أن يقبضه الله تعالى وهو على الطاعة والعبادة، إلا في حال اشتداد الفتن والبلاء فإنه قد يتمنى المسلم الموت خشية الوقوع في الفتنة، لكن هذا لا يكون إلا في الفتن العامة لا بسبب وقوع العبد في المعصية.

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” … ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب “.

رواه البخاري ( 5349 ).

– يستعتب: يرجع عن الإساءة ويتوب.

رابعًا:

لا يُعتبر المسلم الذي يفعل المعصية ثم يذهب إلى المسجد منافقًا، بل اعتقاد هذا وتيقنه هو من الشيطان ليصده عن طاعة الله تعالى، فانظر لمن اعتقد هذا كيف أنه وقع بعد المعصية في معصية أخرى! وهي ترك صلاة الجماعة في المسجد، ولعل الشيطان أن ينجح معه في ترك كثير من الطاعات لهذا الاعتقاد الفاسد فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويترك صلة الرحم وبر والوالدين، ويترك كثيرًا من الطاعات لهذا السبب فيستولي الشيطان على عقله وقلبه، ويظفر بمقصوده.

والمسلم يفرح بأن جعل الله تعالى كفارات لذنوبه من الطاعات التي تغسل الذنب وتطهره منه كالوضوء والصلاة والعمرة وغيرها، فكيف لا يري الله نفسه في هذه المواضع والله تعالى يحب أن يراه فيها؟.

وفعل الطاعات والمداومة عليها من أعظم السبل التي يترك المسلم بسببها الذنوب والمعاصي، فقد قال الله تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }.

وكما يُبغض الله تعالى المعصية ويتوعد عليها بالذنب: فإنه لا يحب أن يقنط عباده من رحمته عز وجل، وهو يحب أن يستغفره العاصي ويتوب إليه، ويود الشيطان أن لو يقع يأس وقنوط من العبد العاصي حتى يصده عن التوبة والإنابة مما يحبه الله ويرضاه.

قيل للحسن البصري: ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملُّوا من الاستغفار.

” جامع العلوم الحِكَم ” ( 1 / 165 ).

خامسًا:

والمؤمن – مع هذا – يرى وقوع الذنب منه أعظم وقعًا عليه مما يراه غيره من لم يذق حلاوة الإيمان، ويحس بأثر ذنوبه- وإن كانت صغائر- كأنها جبل يوشك أن يقع عليه، قال ابن مسعود: ” المؤمن يرى معصيته كجبل يوشك أن يقع عليه، والمنافق يرى معصيته كذباب وقع على أنفه – رواه البخاري– معلقًا– وغيره-.

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة