تركَتْ قضاء الكثير مِن الأيام لسنواتٍ عديدة -جَهْلًا- فماذا تَصْنع الآن؟

السؤال

أنا سيدة عمري 66 سنة ولم أعوض أيام إفطاري وأنا صغيرة أيام الدورة الشهرية لجهلي بذلك، وأنا الآن أصوم رمضان فقط ولا أستطيع التعويض، وقد قمتُ بإخراج زكاة عن هذه الأيام، أرجو الإفادة.

الجواب

الحمد لله

حرَّم الله تعالى على الحائض الصوم والصلاة وأوجب عليها – بعد الطهر – قضاء الصوم دون الصلاة، وهذا مجمع عليه بين العلماء ولا خلاف فيه.

عن معاذة قالت: سألتُ عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. رواه البخاري ( 315 ) ومسلم ( 335 ) – واللفظ له -.

– حرورية: نسبة إلى ” حروراء ” وهي قرية قرب الكوفة كانت مجتمعًا للخوارج، ومن أقوالهم المخالفة للشرع: وجوب قضاء الصلاة على الحائض، وخلافهم غير معتبر فلا التفات له.

وفي مثل حال الأخت السائلة: فإن القضاء لا يلزمها ولا الكفارة – وهي الإطعام عن كل يومٍ مسكينًا -؛ والسبب في ذلك كونها تجهل وجوب القضاء.

وقد اختلف العلماء – رحمهم الله – في هذه المسألة – ومثيلاتها – فأوجب بعضهم فيها القضاء، ومنع آخرون من الوجوب، وهو القول الصحيح.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

… وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص، مثل: أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ ثم يبلغه   النص ويتبين له وجوب الوضوء، أو يصلي فى أعطان الإبل ثم يبلغه ويتبين له النص: فهل عليه إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد.

– ونظيره: أن يمس ذَكَره ويصلى، ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر.

والصحيح فى جميع هذه المسائل: عدم وجوب الإعادة؛ لأن الله عفا عن الخطأ والنسيان؛ ولأنه قال { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا }، فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيءٍ معيَّنٍ: لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم عمر وعمَّارًا لما أجْنبا فلم يصلِّ عمر وصلَّى عمار بالتمرغ أن يعيد واحد منهما، وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب ويمكث أيامًا لا يصلي، وكذلك لم يأمر مَن أكل من الصحابة حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، كما لم يأمر مَن صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء.

ومن هذا الباب: المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان، أحدهما: لا إعادة عليها – كما نقل عن مالك وغيره -؛ لأن المستحاضة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ” إنى حضت حيضةً شديدةً كبيرةً منكرةً منعتني الصلاة والصيام ” أمرها بما يجب فى المستقبل، ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي.

وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي مَن يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا قيل للمرأة: صلِّي، تقول: حتى أكبر وأصير عجوزة! ظانَّة أنه لا يخاطَب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة كالعجوز ونحوها، وفي أتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم، فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات سواء قيل: كانوا كفَّارًا أو كانوا معذورين بالجهل …” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 101 ، 102 ).

وما أخرجته الأخت السائلة لا يسمَّى زكاةً بل كفارةً، وهي لازمة عند جمهور العلماء في حال ترك قضاء صيام رمضان حتى يدخل رمضان الآخر من غير عذرٍ شرعي.

لكن ما قلناه سابقًا من كونها معذورة بجهلها بوجوب القضاء يجعلها معذورة في القضاء، ويكون ما أخرجته من مال في ميزانها صدقة نافلة.

 

والله أعلم.

1 تعليق

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة