هل للنفاس حدٌّ معلوم؟

السؤال

لم أصلِّ إلا بعد ستين يومًا من ولادتي وذلك لعدم انقطاع الدم إلا بعد هذه المدة ولجهلي بأن المرأة تطهر بعد الأربعين ويجب عليها الصلاة ولم أعلم بهذا الحكم إلا بعد تسعة أشهر من ولادتي.

فما الذي يجب علي عمله في العشرين يومًا التي لم أصليها؟ وإذا كان بجب علي قضائها ففي أي وقت أقضيها؟.

الجواب

الحمد لله

ما فعلتيه هو الصواب، وليس للنفاس – ولا للحيض – حدٌّ، فمتى رأت المرأة الحيضَ والنفاس: وجب عليها ترك الصلاة والطواف والصيام، وحرم على زوجها جماعها.

وقد يستمر النفاس وتمتد أيامه إلى ستين يومًا، وقد تقل أيامه إلى أربعة أيام، ويختلف ذلك باختلاف المرأة وطبيعتها، وإن كان أكثر النساء لا تتعدى أيام النفاس عندهن أربعين يومًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

ومن ذلك اسم الحيض، علَّق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنَّة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمَّة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدرٍ وقدرٍ، فمن قدَّر في ذلك حدًّا فقد خالف الكتاب والسنَّةَ والعلماء منهم من يحدُّ أكثرَه وأقلَّه، ثمَّ يختلفون في التحديد، ومنهم من يحد أكثره دون أقله  والقول الثالث أصح: أنَّه لا حدَّ لا لأقله ولا لأكثره، بل ما رأتْه المرأة عادة مستمرَّة فهو حيضٌ ، وإن قدِّر أنه أقل من يوم استمرَّ بها على ذلك فهو حيضٌ، وإن قدِّر أنَّ أكثره سبعة عشر استمرَّ بها على ذلك فهو حيضٌ، وأمَّا إذا استمرَّ الدم بها دائمًا فهذا قد عُلم أنَّه ليس بحيضٍ، لأنَّه قد علم من الشرع واللغة أنَّ المرأة تارةً تكون طاهرًا وتارةً تكون حائضًا، ولطهرها أحكامٌ، ولحيضها أحكامٌ.

والعادة الغالبة أنَّها تحيض ربع الزمان ستةً أو سبعةً، وإلى ذلك ردَّ النَّبيُّ  المستحاضة التي ليس لها عادةٌ ولا تمييزٌ، والطهر بين الحيضتين لا حدَّ لأكثره باتفاقهم، إذ من النسوة مَن لاتحيض بحال.

….. وكذلك أقلُّه على الصحيح لا حدَّ له، بل قد تحيض المرأة في الشهر ثلاث حيض …. والأصل في كلِّ ما يخرج مِن الرحم أنَّه حيضٌ حتى يقوم دليلٌ على أنَّه استحاضة، لأنَّ ذلك هو الدم الأصلي الجِبِلِّي وهو دمٌ ترخيه الرحم، ودم الفساد دم عرقٍ ينفجر، وذلك كالمرض، والأصل الصحَّة لا المرض، فمتى رأت المرأة الدم جارٍ مِن رحمها فهو حيضٌ تترك لأجله الصلاة …..

والنَّفاس لا حدَّ لأقلِّه ولا لأكثره، فلو قدِّر أنَّ امرأة رأت الدم أكثر مِن أربعين أو ستين أو سبعين وانقطع فهو دم نفاسٍ، لكن إن اتصل فهو دم فسادٍ وحينئذٍ فالحدُّ أربعون، فإنَّه منتهى الغالب [الذي] جاءت به الآثار.

….. وإذا لم يكن للنفاس قدرٌ، فسواءٌ ولدت المرأة توأمين أو أكثر ما زالت ترى الدم فهي نفساء، وحكم دم النفاس حكم دم الحيض. ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 237 – 241 ).

وعلى فرض أن الدم الذي نزل عليك بعد الأربعين هو دم استحاضة لا يمنع من الصلاة، أو ترجح عندك القول الآخر وهو أن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا: ففي كلا الحالين ليس عليك قضاء ما فاتك من الأيام بعد الأربعين.

ومن الأدلة على ذلك:

  1. حديث المسيء في صلاته: حيث صلَّى بحضرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تاركًا الطمأنينة في الأركان فقال له صلى الله عليه وسلم: “صَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ” فأمره بإعادة الصلاة – وهو في الوقت – ولم يأمره بإعادة ما سبق من الصلوات، إذ كانت كلُّها على شاكلتها، بدليل قوله في الحديث نفسه “والذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أُحْسِنُ غَيْرَ هذا فَعَلِّمْني “، رواه البخاري ( 468 ) ومسلم ( 573 ).
  2. حديث عمّار وعمر رضي الله عنهما لمّا سافرا فأجنبا فتمرَّغ عمّار بالتراب، وترك عمر الصلاة، فعلّمهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم “التيمم” ولم يأمرهما بالإعادة وقضاء الصلاة، إذ كان ذلك بعد خروج الوقت، رواه البخاري ( 339 ) ومسلم ( 368 ).
  3. حديث “المستحاضة ” التي تركتْ الصلاةَ ظانَّةً أنَّه حيضٌ، ولم يأمرها صلى الله عليه وسلم بالقضاء، إنما أعلَمَها أنها استحاضة، وأمرها بالوضوء لكل صلاة، رواه الترمذي ( 128 ) وقال: حسن صحيح، ونقل تحسينه عن البخاري رحمه الله، وعن ” أحمد ” قوله: حسن صحيح، وأبو داود ( 278 ) وابن ماجه ( 622 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة