والدهم مسرف وسفيه فهل يعطونه من أموالهم؟ وهل يجب تسديد ديونه؟

السؤال

والدي مسرف، ويستدين كثيرًا ولا يبالى بذللك، وتتراكم عليه الديون ولا يخبرنا بما عليه من ديون، ولا يخبرنا بما له عند الناس من أموال رغم نصحنا له كثيرًا، ويرغمنا على الاستدانة له رغم أن الله يرزقه بالكثير من المال فيصرفه في يومين، وقد بدأ يخفي عنا المال ولا ينفق على البيت لشهور، ويغيب عن البيت عندما تأتيه الأموال، وعندما يصرفها كلها يستدين ويأخذ منَّا، وأحيانا نخبره أننا استدنا هذه الأموال حتى يعيدها وننفق منها على البيت، فهل علينا إثم؟ وهل علينا تسديد ديونه بعد مماته رغم علمنا بأنه قد باع أملاكه؟ ونحن لا نعرف ديونه ولا نستطيع تسديدها.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الإسراف هو: الزيادة، ومجاوزة القصد، والإسراف في المال: هو إنفاقه في غير اعتدال، ووضعه في غير موضعه، وفي الغالب يستخدم في المباحات، قال الله تعالى: { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [ الأعراف / 31 ]، وقد أمر الله تعالى بالاعتدال في الإنفاق، قال الله تعالى: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا, وكان بين ذلك قوامًا } [ الفرقان / 67 ]، وأما الإنفاق في المعصية فهو ” التبذير “، ولعله هو المقصود في السؤال، وهو محرَّم، قال الله تعالى: { ولا تبذر تبذيرًا . إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا } [ الإسراء / 26، 27 ].

ثانيًا:

وما يفعله والدكم – حسب ما جاء في السؤال – هو ما يسمى في اصطلاح الشرع ” سفه “.

والسفه في اللغة: خفة العقل والطيش والحركة، وفي الشريعة: تضييع المال وإتلافه على خلاف مقتضى الشرع والعقل، وقد عرفه بعضهم بالتبذير والإسراف في النفقة, فقد جاء في ” بلغة السالك “: أن السفه هو التبذير, وورد في ” أسنى المطالب ” أن السفيه هو: المبذر, والأصل أن السفه سبب التبذير والإسراف, وهما أثران للسفه, كما يتبين مما قاله الجرجاني في ” التعريفات “: السفه خفة تعرض للإنسان من الفرح والغضب, فيحمله على العمل بخلاف طور العقل ومقتضى الشرع، وجاء في ” دستور العلماء ” ما يؤيد ذلك, حيث قال: ومن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة، ويؤيد هذه التفرقة المعنى اللغوي للسفه من أنه: خفة العقل، وعلى ذلك فالعلاقة بين السفه والإسراف علاقة السبب والمسبب “.

” الموسوعة الفقهية ” ( 4 / 178 ، 179 ).

ثالثًا:

والواجب على من استرعاه الله رعيَّة أن يحسن في تربيتها ورعايتها، وأن يتقي الله تعالى فيها، وليعلم أن الله تعالى سائله يوم القيامة عن رعيته.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، … وكلكم راع ومسئول عن رعيته “. رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

عن معقل بن يسار المزني قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ما مِن عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنَّة “.

رواه مسلم ( 142 ).

رابعًا:

وإذا كانت حال والدكم كما وصفتم فلا يجوز لكم أن تمكنوه من أموالكم ليتصرف بها عن اليمين والشمال بغير وجه حق، ولا يلزمكم إعطاؤه شيئًا من مالكم، بل احتفظوا بمالكم للإنفاق على أنفسكم وعلى أشقائكم وعلى البيت، وهو الواجب على والدكم أصلًا، لكنه لما فرَّط في هذا الأمر فإن الوجوب ينتقل إليكم جميعًا لتتعاونوا على القيام على شؤون البيت.

خامسًا:

ويمكنكم استعمال التورية في حال امتناعكم عن إعطاء والدكم المال دون الكذب عليه، والتورية هي: أن تطلق لفظا ظاهرًا – قريبًا – في معنى, تريد به معنى آخر – بعيدًا – يتناوله ذلك اللفظ, لكنه خلاف ظاهره.

– أو المعاريض، وهي: ما يفهم به السامع مراد المتكلم من غير تصريح.

سادسًا:

ليس عليكم – شرعًا – سداد ديْنِ والدكم، فإن ترك مالًا فيجب عليكم سداد ديْنه منها قبل الوصية وقبل الميراث، وإن لم يكن قد ترك مالًا فيُستحب لكم الوفاء بديْنه دون الوجوب.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك ديْن أكنت قاضية؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء.

رواه البخاري ( 1754 ) ومسلم ( 1148 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَر الولي أن يحج عنه والأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وقد شبهه بالديْن الذي يجب قضاؤه من تركته، ولما كان الدَّيْن يجب قضاؤه إن كانت له تركة ويستحب قضاؤه إذا لم يكن له تركة: فكذلك الحج. ” شرح العمدة ” ( 2 / 188 ).

وقال:

ومراده بذلك أن الله أحق بقبول القضاء عن المعذور من بني آدم؛ فإن الله أرحم وأكرم، فإذا كان الآدميون يقبلون القضاء عمن مات: فالله أحق بقبوله أيضًا، لم يرد بذلك أن الله يحب أن تقضى حقوقه التي كانت  على الميت وهي أوجب ما يقضى من الديْن، فإن ديْن الميت لا يجب على الورثة قضاؤه، لكن يُقضى من تركته، ولا يجب على أحدٍ فعل ما وجب على الميت من نذر.

والسائل إنما سأل عن الإجزاء والقبول لم يسأل عن الوجوب، فلا بد أن يجاب عن سؤاله.

” منهاج السنة ” ( 5 / 232 ).

ولا تقبلوا من أحدٍ يزعم أن له على أبيكم دينًا إلا بعد التثبت من بيِّنته، وما لم تعلموا عنه لم يكلفكم الله تعالى به، وما لم تستطيعوا قضاءه منها: فلا حرج عليكم، فقد سبق أن قضاء الدَّيْن عن الأب لا يجب في حال قدرة الابن فكيف سيكون واجبًا في حال عجزه عن الوفاء؟.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة