عندها قلق من رضا الله عنها، وخوف في غير محله
السؤال
أنا تعبة جدًّا في حياتي الدينيَّة فكثيرًا ما أُصاب بالوسوسة، ودائمًا أسال نفسي يا هل ترى ربي راضٍ عني أم لا؟ وهذا السؤال يتعبني فأنا أبذل قصارى جهدي في إرضاء خالقي، ومن شدة خوفي من الله لا أحيا حياة عادية مثل الناس وفي كل حركة من حركات حياتي لا أفعلها أبدًا إلا إذا تأكدت منها في القرآن والسنة إذا كانت حلالًا أم حرامًا، وهذا الأمر يقلق عائلتي كثيرًا فهم يسمُّونني ” موسوسة “، ويقولون لي هذا مرض تعانين منه، ويطلبون مني أن أعيش حياة طبيعية مثل الناس ويقولون لي ربنا غفور رحيم، وأنا لا أستطيع أبدًا أن أحيا مثلهم، لذلك أحس بالغربة في وسط أهلي ولا يهمني شيء في الدنيا سوى رضاء خالقي علي.
هل يمكن للإنسان المؤمن أن يتأكد أن ربه راضٍ عنه؟ وإن كان ممكنا كيف يعرف ذلك حتى يطمئن قلبه؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إن للشيطان مداخل كثيرة يصل من خلالها إلى قلب وعقل المسلم لصده – في النهاية – عن دينه، فقد يُدخل للقلب الشهوات، وقد يدخل للعقل الشبهات، وعلى المسلم أن ينتبه لهذه المداخل، فبعضها قد تكون العبادة هي المدخل للشيطان عليه، وذلك من خلال الوسوسة له بأن وضوءه لم يتم، أو أن صلاته غير صحيحة.
والأخت السائلة تقول إنها تبذل قصارى جهدها في إرضاء خالقها، فهي إذن غير مقصرة فكيف ينجح الشيطان في الوسوسة حتى يوهمها أن خالقها لم يرض عنها، أو أنها مقصرة في جانب ربها تبارك وتعالى؟ وعلى المسلم أن يحسن الظن بربه تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرَّب إليَّ بشبرٍ تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة. رواه البخاري ( 6970 ) ومسلم ( 2657 ).
فإذا استغفر العبدُ ربَّه تعالى فيجب على العبد أن يحسن الظن بربه أنه يستجيب له، وإذا عمل العبد ولم يقصِّر في الطاعة فمن إحسان الظن به تعالى أنه يقبل العمل ويثيب عليه، وهكذا، فعلى المسلم أن ينتبه لهذا لا يدخل عليه الشيطان من هذه الأبواب.
ثانيًا:
لا ينبغي للخوف أن يصد العبدَ عن الطاعة بل العكس هو الصواب، بل الخوف هو الذي يقوده للطاعة ويحثه على العبادة، أما أن يُصاب المسلم بالوسوسة من شدة الخوف فإن هذا يكون مدخلًا من مداخل الشيطان عليه.
قال ابن قدامة:
اعلم بأن الخوف سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى، والخوف سراجٌ في القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر، وكلُّ أحدٍ إذا خفتَه هربت منه إلا الله عزَّ وجل، فإنَّك إذا خفتَه هربتَ إليه، فالخائف هارب من ربِّه إلى ربِّه، وما فارق الخوف قلبًا إلا خرِب، فإذا سكن الخوفُ القلوبَ: أحرق مواضع الشهوات منها، وطرد الدنيا عنها “. ” مختصر منهاج القاصدين ” ( ص 303 ).
وقد يؤدي الخوف بصاحبه إلى همٍّ وغمٍّ ومرض، وقد يؤدي به إلى اليأس من رحمة الله تعالى، وهنا يكون خوفه غير محمود بل مذموم.
قال ابن رجب الحنبلي:
القدْر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتبسط في فضول المباحات كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل: لم يكن محمودًا. ” التخويف من النار ” ( ص 5 ).
ثالثًا:
والذي ننصحكِ به – أختنا الفاضلة – أن تعملي لله قدر استطاعتك، ولا تحمليها ما لا تطيق، ولا تجعلي للشيطان مدخلًا إلى عقلك وقلبك، وليكن همك هو العمل على رضا الله تعالى، وأما معرفة هل رضي الله عنك أم لا فهذا لا يمكن في لأحدٍ أن يقوله أو يجزم به، لكن عليه أن يُحسن الظن بربه تعالى كما سبق أن قلنا، والبحث عن أدلة من الكتاب والسنة للعمل قبل القيام به هو أمرٌ جيد ويدل على دين وورع وتقوى لكن لا ينبغي أن يكون هذا من باب الوسوسة كذلك، والأصل في الأشياء الإباحة فلا تتوقفي عن القيام بالأشياء المباحة ولا تحتاجين لدليل على كل شيء، وإذا أردتِ القيام بعبادة فهنا يلزمك البحث عن دليل قبل القيام به لأن الأصل في العبادات المنع والتحريم.
ولا نقول لك احيي حياة عادية كباقي الناس لا يهتمون بحلال وحرام، ولا يهمهم رضي الله عنهم أو سخط، كما لا نقول لك احيي حياة الشدة والعنت والتعب فهذا ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا هدي أصحابه، وهذا لا يورِّث إلا همًّا وغمًّا ومرضًا، بل احيي حياة وسطًا بين هذه وتلك، واحرصي على ما ينفعك، وخالطي النس لدعوتهم وتعليمهم، وابتعدي حيث ترين نفسك تتأثرين بهم سلبًا.
والله أعلم.


